الرئيسية / فنون / أحفاد رجل الثلج

أحفاد رجل الثلج

تتميز فرقة كومْبلِستي عن غيرها من الفرق البريطانية الاخرى بروح تجريبية عالية وميل كبير لاستخدام النظريات والتطبيقات التي طرحها منظرو المسرح الكبار مثل مؤسس “مسرح القسوة”، الفرنسي انطونين آرتو، والمخرج البولندي جرسي غروتوفسكي، والمخرج البريطاني بيتر بروك. ومن خلال متابعتي للعروض القليلة التي قدمتها هذه الفرقة خلال العشرة أعوام الاخيرة لاحظت سعيها الدؤوب لابتكار نصها المسرحي الخاص بها عبر اقتباس قصة قصيرة ما او عبر الاشتراك في وضع المسرحية مباشرة، وهذا ينطبق على مسرحية “فن التذكر” التي وضع فكرتها المخرج سيمون  ماكْبَرْني، وفي الوقت نفسه، تقمص الشخصية الرئيسة في المسرحية: فيرجيل. تتناول مسرحية “فن التذكر” حادثا حقيقيا يتمثل في الوقائع التي رافقت اكتشاف جثة رجل ظلت، ولفترة طويلة، مطمورة في اعماق الجليد. جاء هذا الاكتشاف في آذار1991 على الحدود الايطالية النمساوية بعد تحول  فجائي  للطقس دفع بالجثة للظهور الى السطح. في البدء ساد الاعتقاد أنها لرجل ضل طريقه في فترة الحرب العالمية  الثانية، لكن البحوث التي اجريت عليها أثبتت ان عمرها أقدم بكثير:  خمسة الاف سنة.

تنقل المسرحية الأجواء التي دارت في تلك الفترة بين  الوفود العلمية  المشاركة  في دراسة  هذا  الجسد الذي ظل محنطا  طيلة هذه الفترة الطويلة مما جعله يحتفظ  بالكثير من سمات ذلك العصر، وضمن الخلافات التي تظهر بين العلماء المنتمين الى بلدان عديدة في تفسير  سبب الوفاة أو سبب وجود ذلك الرجل على جبل يزيد

ارتفاعه عن 300 قدم، تقترب المسرحية أحيانا من مناخ المهزلة او التهريج المتعمد، لكن الالتواءات الحادة في مسار المسرحية تخرجها من ذلك بل تسهّل على المخرج رصف مشاهد مثيرة للحزن في نفس المتفرج، جنباً الى جنب مع مشاهد هزلية ساخرة.

وعلى الرغم من واقعية هذه الاحداث وعاديتها لكن طريقة العرض اتسمت بالمبالغة

المسرفة في غرائبيتها: على سبيل المثال، نحن لم نكن نعرف إن كانت الأحداث تجري في رأس البطل فيرجيل أثناء تذكره لها، أو أنها تجري على شاشة التلفزيون، إذ من وقت لآخر كنا نشاهد مقدم برامج يحمل بيده ميكروفون، ويوجه أسئلته للمشاركين في اكتشاف الجثة  أو تحليلها. في الوقت نفسه كان  جسد البطل فيرجيل العاري يُستخدم كأنه رجل الجليد، فيقوم الآخرون بحمله من مكان إلى آخر. هذا التداخل بين أكثر من شخصية، يتقمصها ممثل واحد، تتيح لمخيلة المتفرج وذاكرته أن  تملأ الفجوات التي يتركها  العرض المسرحي  وبالتالي يتلبسه شيء من السحر تشارك فيه الإنارة  وإيقاع حركات الممثلين  غير المفتعلة، بل تقترب من  دعوة آرتو للمسرح في أن يكون قادرا أولا على إيقاظ  الحواس. يقول آرتو  في أحد بياناته معارضا للمسرح الفكري والنفسي الذي كان سائدا في زمنه: “نحن نحتاج الى مسرح قادر على إيقاظنا.. أعصاباً وقلباً.” بل يمضي أبعد من ذلك حينما يطلب  من المسرح أن يكون “مغناطيساً حارقاً تحقق صوره علاجاً للروح”. وهذا ما وجدته متحققاً الى درجة كبيرة في مسرحية “فن التذكر” التي استثمرت الأضواء والضجيج وصوت الرسائل الشفهية المتروكة على مسجلات التلفونات، والحوارات المتقطعة والمتداخلة ببعضها، إضافة الى حركات الممثلين الإيقاعية وتبادل الأدوار. كل هذه العناصر، التي قُدمت غالبا بشكل مفاجئ وحاد، شاركت  في خلق طقوس سحرية يعيشها المتفرج لا على مستوى مشاعره وأفكاره بل على مستوى حواسه أيضاً.

بالتوازي مع خط حكاية اكتشاف رجل الثلج، هناك  مسار حكاية صديقة البطل، ألِيسْ، التي اختفت بعد حضورها مراسيم دفن أمها. ومن خلال الرسائل الشفهية التي تتركها لصديقها عبر الهاتف، ومن خلال مكالمات هاتفية مباشرة، يتحقق نقل عالمين متجاورين زمنياً لكن منفصلين مكانياً، وعبر هدم هذه الهوة يتم التداخل بين عالمي أَليس وفرجيل، في الوقت نفسه يصبح المتفرج منجذباً الى الواقع المنقول مسرحيا عبر ذاكرة او مخيلة البطلين. في احد المشاهد ينتقل فيرجيل الذي يعيش في لندن للجلوس بين صديقته ورفيق رحلتها اثناء سفرها الى بولندا، كل ذلك على مساحة المسرح التي انقسمت الى مكانين متباعدين لكنهما متزامنين في أحداثهما. في الوقت نفسه، تتداخل هذه الحكاية مع حكاية رجل الثلج، كأنهما لحنان يتناوبان في  حركتهما مثل موسيقى الروندو.

تسعى  صديقته أَلِيسْ في رحلتها الى العثور على أبيها او تقصي  آثاره. وهي بذلك تسعى الى  إيجاد جذورها، إذ ظلت أمها تزعم دائما  أن أباها مات حينما كانت طفلة. مع ذلك وقعت بيدها  بعض المعلومات التي تؤكد عكس هذا الزعم. في طريقها الى محطة “واترلو”، للسفر  الى أوروبا، دار حديث بينها وبين سائق التاكسي، فحينما تسأله من أين هو، يجيبها أنه من حي إيسلنغتون اللندني، لكن لكنته كانت تشير الى شيء آخر، وحينما تكرر سؤالها حول أصله، يقول إنه يوناني. وإذا كانت أليسْ حريصة على كشف الماضي فالسائق ضد ذلك: حرصه نحو المستقبل فقط، ولا موقع للماضي عنده، فهو يفكر بالذهاب إلى أستراليا أولاً ثم الهجرة الى أميركا.

في مساري الحكايتين اللتين  تبدوان بعيدتين عن بعضهما، تتكشف بشيء تدريجي الاواصر التي تجمعهما، ومع اقتراب النهاية تبدأ الحكايتان بالتقارب حتى تلتقيا في نقطة واحدة: طريقة استلقاء الأب الذي عثرت عليه أَليس في لحظات احتضاره قريبة إلى تلك التي أخذها رجل الثلج قبل موته. مع تشابه كبير بين الظروف التي كانت سائدة آنذاك وبين الظروف المعاصرة. فبعض أضلاع رجل الثلج كانت مكسورة ولا بدّ أنه كان هارباً من مطارديه الذين لابدّ  آنذاك قد أبادوا سكان  قريته وأحرقوا منازلها فوق رؤوسهم، إذ  كيف يُفسَر تسلقه  لجبل شاهق على الرغم من جراحه وانكسار اضلاعه. يعلق فيرجيل من خلال متابعته لمشاهد التلفزيون أن التاريخ يأخذ انماطاً ثابتة في حركته. وبدون أن يعطي تفصيلات، تتضح لنا الاواصر عبر اكتشاف صديقته أَليسْ لأصل أبيها اليهودي، ووجود أقارب لها في أوكرانيا وبولندا وألمانيا، ولعل ذلك تذكير خفي بالاضطهادات  التي عاشها  اليهود في بعض مناطق روسيا  القيصرية واضطرارهم الى الهجرة، لكن قصة السائق الذي هاجر أبوه من تركيا الى اليونان تُذكّر بالمجازر التي  ارتُكبت ضد الأرمن الاتراك في العشرينيات واضطرار أعداد كبيرة  منهم إلى الهرب من تركيا، وكم يبدو الحاضر متماثلاً  مع الماضي البعيد أو القريب حينما يستحضر الفرد المذابح التي ارتُكبت ضد البوسنيين والحرائق التي ابتلعت  قراهم ومدنهم الجميلة. يؤكد أحد الاختصاصيين المشاركين  في تحليل رجل الثلج عن وجود آثار لقرى محروقة تنتمي الى  فترة العصر النيوليثي ووجود مقابر جماعية لضحايا قرى قتلوا معا شبيهة جدا بما عثر عليه في البوسنة قبل سنوات قليلة. يقول مراسل محطة الإذاعة البريطانية الذي التقت به أَلِيسْ: عبر أوروبا هناك الاف من الناس ما زالوا يركضون سعيا لانقاذ حياتهم.

لا بدّ لي أن أقف عند افتتاحية المسرحية الساحرة، والتي بدونها سيصبح هذا العمل  درسا  تعليمياً محضاً. على حافة المسرح ظهر لنا المخرج سيمون ماكْبرني ليحدثنا عن الذاكرة، كيف نحن نتذكر؟ وبترديده للنظرة العلمية التي  لاترى  في التذكر عملية استرجاع لمعلومات مخزونة في الدماغ بل هي حالة أعقد بكثير من ذلك، إذ ما نتذكره يرتبط غالباً بالحالة الشعورية التي عشنا بها هذه التجربة او تلك، ليصل إلى نتيجة ترى في التذكر لا عملا استرجاعيا فقط بل هو عمل ابداعي يحدث في رمشة عين : انه فعل متعلق بالمخيلة.

يسأل المخرج الجمهور أن يقوم كل فرد منه بالتقاط كيس صغير موضوع بجانبه ويفتحه، في الداخل كان هناك قناع أسود للنوم وورقة طرية  منتزعة من نبتة اللبلاب. بعد وضع القناع فوق العينين يطلب ماكبرني من المتفرج  إمساك ورقته بيده والبدء بتذكر ما حدث له قبل ساعتين، بعد الانغمار في هذه اللعبة، يطالبنا الآن بتذكر ما جرى  لنا  قبل 24 ساعة، وبالاستمرار في  هذه اللعبة يعود كل منا الى سن السادسة حيث يقف وراءنا الأب والأم ثم  وراءهما  أربعة  أجداد، وبالمضي سريعا الى القرن  السادس عشر يضع المخرج رقما هائلا من البشر يقف وراء كل فرد مليون ونصف مليون شخص، في حالة عدم وقوع تقاطع بين الاسلاف، ويصل المخرج الى متناقِضة واستنتاج كوميدي: نظرأ  لاستحالة ذلك فان أي  شخص جالس في المسرح مرتبط بآصرة قربى مع من يجلس جنبه. بتلمس الورقة وعروقها يطالبنا المخرج أن نتلمس الأواصر البعيدة التي تجمع نقطة البدء بالمصبات البعيدة وبواسطة هذه  الطقوس يتم تحضيرنا للانغمار في عالم المسرحية.

هناك  أسئلة كثيرة  تثيرها المسرحية لا عبر الحوار بل عبر الصورة وعبر استثارة الحواس لدى المتلقي: كم نحن نعرف من الماضي الذي عشناه البارحة، وكم نستطيع أن نسترجع منه؟ كم تشارك المخيلة في استرجاع هذا الماضي عبر التغيير والتحريف له. في حادثة الحوار الذي يدور بين السائق وأَليسْ يتكرر المشهد مرتين مع تحويرات بسيطة  عليه، بل نحن نشك بصحة وقوعه لأن المخرج نفسه نقل حادثة  مشابهة سبق له أن عاشها. إضافة الى السخرية المبطنة باولئك العلماء الجازمين بالظروف التي عاشها  رجل الثلج وطبيعة عمله، على الرغم من وجود فاصلة  زمنية  هائلة بينهم وبين عصره، من جانب آخر لا يستطيع أي منهم استرجاع ما جرى له شخصياً قبل فترة قصيرة إلا بطريقة تقريبية غامضة. هذه الموتيفات الصغيرة المبثوثة  هنا وهناك في جسم المسرحية  شاركت بمنحها عمقاً وظلالاً، وتظل آثارها حية  في ذاكرة المشاهد لفترة  طويلة، في الوقت نفسه تمنح تأويل الماضي طابعا ًافتراضياً اكثر منه حتمياً.

في لحظة  معينة من مسار المسرحية، وبعد تكشف الآصرة التي تجمعنا برجل الثلج، راح العلماء الذين أصبح كل منهم يمثل جيلاً يتحرك ليستلقي لحظة واحدة على طاولة التشريح،  ثم يتحرك الى الامام متبوعاً بآخر. سيتكرر هذا المشهد بايقاع وانسجام لمدة قصيرة تهدف الى تحقيق التعبير عن فكرة التكرار التاريخي  للقتل الجماعي وما يصاحبها من هجرات واسعة.

شاهد أيضاً

بابل.. بين الأسطورة والواقع

في معرض ضخم بالمتحف البريطاني برج بابل، لوحة زيتية تعود إلى عام 1595 للفنان لوكاس …