الرئيسية / قصص / القِدّاح*

القِدّاح*

ها هو يتسلل عبر النافذة دون ضجيج. اسمع حفيف وشاحه الابيض الطويل لامساً البلاط. يكركر في ضحكة، خافتة، متقطعة. يمشي على رؤوس  اصابع قدميه العاريتين. يمضي إلى سرير عصام، يجلس فوقه مسنداً ظهره إلى الجدار. يسقط الوشاح عن رأسه، يظهر شعره الابيض، المنسدل حتى كتفيه، فضة تلتمع تحت ضياء القمر المبثوث في هواء الحجرة. اغمض عيني قليلاً، صورته مشوشة أمامي. أتنفس رائحته الأشنية، الرطبة، قادمة من جدران سرداب عميق، مظلم، مغلق منذ الف عام.

“أعلم أنك مستيقظ، لاحاجة لخداعي جئت أخلِّصك مما أنت فيه من بلاء”. تتناثر كلماته في الفضاء، يحملها صوت حجري بارد، يتفكك فوق الجدران إلى رذاذ من الهمس الناعم، الرتيب، فتقشعر له روحي. ينفلت قلبي بنبض متدافع، عنيف. “الا تجد نفسك ثقيلاً على الآخرين؟ ابنك يرقد معك تاركا مسراته، وزوجتك منشغلة بك بدلاً من صغارك”. أمدّ يدي إلى الكوميدو المجاور لي، أفتح علبة حبوب تنشيط القلب. آخذ واحدة منها. اضعها تحت لساني، يتلاشى الخفقان تدريجياً. افتح عيني، فلا أجده في الحجرة. تأتيني رائحة القدّاح المتفتح في حديقة الدار، عبقة، منعشة. أسمع صرير الجنادب، الدؤوب، منها. تأسرني رغبة في الخروج إليها. أنهض ببطء، أرمي خطوة، فيعاودني الدوار. اتقهقر إلى فراشي. أتلفع بغطائي، أسمع صوت سناء: “عصفوري من كفي طار…” كانت تنثر نشيدها في الحديقة، حينما اخترق ضوء برّاق نافذة حجرتي، فبعثر دوائر ومثلثات راقصة، قرمزية، على جدرانها. “تقول ابتسام أسناني الجديدة اكبر من أسنان الحمار. أسنانها أكبر من أسناني، مو صحيح؟” أربت على كتفها، أعابث شعرها، أقبّل دموعها. “انت احلى وأعقل منها…”.

متى أشفى لأعلمهما الكتابة الجميلة وأجعلهما أفضل الطالبات؟ ألححت على نعيمة بالتوقف عن الحمل بعد عصام وثريا، لكنها لم تصغ لي، فرزقنا باربع بنات أخريات. ترك عصام دراسته مبكراً، اشتغل كاتب واردة وصادرة بعد إحالتي على التقاعد. عمره اليوم عشرون عاماً، ومن يراه يظنه كهلاً في الأربعين. ما الذي سيقوله حينما يجد نفسه وحيداً، مع امه التي لا تكف عن الشكوى، وأخواته اللواتي يلزمهنن الكثير من الجهد والمال حتى يكبرن: “هذا جناه عليّ ابي!”

عصام، رغم تجهم وجهه وصمته المتواصل، له قلب من ذهب. دؤوب على الاعتناء بأمه وأخواته. الححتُ عليه بالخروج مع اصدقائه. قلت له وهو يعطيني كأس الماء: “أتعبتك كثيرا معي”. فراح يبكي كطفل مقبّلا يديّ. يا إلهي، لو أنني لم أخلّف سواه، لو أنني لم أتزوج في الأربعين، لو أنني… تراكمت الأمراض عليّ واحداً تلو الآخر. عجْز في القلب، في الكليتين، في الرئتين، في الساقين. عجْز، عجْز،عجْز. تسكن عشرة أدوية جنبي، أقربهن هذه الحبوب لتنشيط القلب. كل ما احتاج إليه خمسة أعوام، احقق خلالها حلمي القديم، بتنفيذ مشروع، يمنحني ثروة، تكفي عائلتي من بعدي، ويعود عصام إلى دراسته.

اكتشف الآن سبب اخفاق تجاربي السابقة، فشل مشروع المخبزة، التي بنيتها في منطقة زراعية نائية، لأنني أردت ادخال خبز الافران إلى الريف، حيث كل النساء يخبزن في البيوت. عملت المستحيل لبيعه، طليته بالبيض، خلطت معه اعشاباً زكية. زدت من وزنه، أنقصت من سعره، لكن أسماك النهر وحدها أقبلت على أكله، بعد تكدسه وتعفنه داخل المخبزة. جلت كثيرا في سيارة الجيب بين تلك القرى حاملاً جرساً كبيراً. يستقبلني اطفالها الحفاة، جذلين متدافعين حولي. أوزع الخبز الساخن عليهم، فتبتهج أعينهم.

ينتابني سعال عنيف، تتدافع انفاسي إلى اعلى: دخان حريق يتأجج في صدري، قرقرة لا أول لها ولا آخر، تخنقني أصابع مخفية في الهواء. ها هو يدخل من باب الحجرة، يقابله القمر وجهاً لوجه. أرى بوضوح ملامحه، أنفه المدبّب، وجهه الطويل النحيف، أسنانه الطويلة البارزة وسط شفتين غليظتين. يهمس بصوت بارد مرتعش: “سأعطيك ما تحتاج إليه من دواء. هل تريد قليلاً من الماء؟” يقدم لي زجاجة داكنة الصفرة، لكنني أظل ساكناً، واضعاً يديّ على صدري.

ينقطع السعال، أفتح عينيّ، فلا أرى له أثراً. أتنفس بعمق. تعاودني صورة أبي، مرتدياً ثياباً بيضاء، “كيف تمشّط شعرك؟ ألا تخجل من نفسك؟ سأنزع عنك كل شعرة أيها الكلب”. تبدل الزمان اليوم. شاهدتُ وفاء مرة تسرّح شعرها الطويل ببطء أمام المرآة، “شعري جميل بابا؟” أضحك قليلاً، “أنت أجمل فتاة في العالم”. تعلو وجهها حمرة. تقبّلني، تركض مكركرة إلى حجرتها.

يزورنا أصدقاء عصام أحياناً، أقدم لهم الشاي، ألعب معهم الشطرنج. أحدثهم عن طرائف قديمة مرّت بي. يجاملني أحدهم: “نحن نأتي للقائك أكثر من هذا العجوز المتشائم”. يعرف عصام كيف يمنح حبه لمن حوله، دون كلمات. كم أنا فخور به. لِمَ أكون سبباً في بقائه موظفاً صغيراً؟ عليّ أن اكافح دون هوادة. ما زال عقلي سليماً، وما زالت قوى روحي مندفعة للعمل. تطور الطب اليوم، فبالأدوية والارادة القوية يمكن إبعاد الموت سنوات أخرى.

يكمن فشلي في سببين: سرعة اتخاذ القرارات، والثقة العمياء بالآخرين. حلّ المرض بي عندما فشل ذلك المشروع العظيم، بإصلاح وزراعة أرض خراب، أهملها صاحبها بعد تحوله إلى التجارة. هناك قرية قريبة منها، يعيش أهلها في بؤس مدقع. ذهبت إليهم. التقيت بكبيرهم، رجل ورع يستدر العطف والرحمة من الآخرين. ليس في بيته سوى التراب، والذباب، وحصيرة عتيقة، وجرّتي ماء. عرضتُ عليه العمل هو وابناء قريته، مقابل نصف المحصول، وأدفع لهم أجراً في العام الأول.

لم تكن الأرض سوى كثبان مغطاة بالملح، موشّاة بالشوك والعاقول. كشطت المكائن عنها ما عليها، ثم جعلتها سطحاً أملس مستوياً.

جددتُ حَفْر جدول يوصل الماء من الفرات إليها، سككتُ سواقي فيها، زرعتها برسيماً على موسمين. دعوتُ المالك يوماً، انبهرت عيناه أمام الخضرة الممتدة حتى الأفق. قال لي مغتبطاً: ” ما أراه ليس إلاّ عمل ساحر”.

زرعت السنة التالية، شعيراً. عمّ الفرح القرية بتحسن حال ساكنيها، ثم جاء يوم الحصاد، فذهبت صباحاً للبدء به، لكن لم تحصد عيناي سوى أرض سوداء. ” ما الذي جرى يا إلهي؟” سألت كبيرهم. اجابني بمكر واضح: “الأطفال لعبوا بالنار، ووقعت شرارة في الحقل ثم احترق كله”.

أسمع صوتاً هازئاً، ألتفت يميناً، فأراه مستلقياً على سرير عصام.

“أتظن انك ستنجح في كسب ثقة الآخرين، بعد استلافك الكثير منهم؟”

“سأوفي ديوني. أنت لا تعرف كم أنا عنيد.”

“ما جدوى عنادك؟ أنت لست إلاّ عجوزاً موشكاً على… وأنا جئت لمساعدتك.”

“لديّ من الأدوية ما يكفي لردعك.”

“ألا تعرف انها ترهق عائلتك؟ انت اغرقتهم في الديون بمشاريعك الفاشلة.”

“عملتُ ذلك من أجلهم.”

“أنت تخرّف.”

“لقد دخلتُ الحلبة، ولا مجال للانسحاب منها.”

آخذ حبة، فيتلاشى الدوار، ويختفي الغريب، وسط هواء الحجرة وضياء القمر.

أستيقظ فزعاً على حلم قصير: تجلس امي على حصيرة مفروشة في الطارمة، أقف قريباً من المجاز حاملاً طيارة ورقية، يفصلني عنها الحوش بطابوقه الأصفر المتوهج. تمشّط شعرها بمشط خشبي. تدعوني بالحاح إليها. تجذبني رغبتان: الركض إلى الشارع، أو الذهاب عندها، للجلوس في حضنها، للاحتماء من مجهول يطاردني. أرمي ثلاث خطوات صوبها. ما زالت تدعوني بلهفة. أمعن النظر إليها، يتحول شعرها الناعم الأسود إلى أبيض، خشن الملمس، بغيض الشكل. يصبح وجهها شبيهاً بوجه الغريب. أسعى للهرب منها، شلل يقيّد ساقيّ. أصرخ مستغيثاً. يضيع صوتي في حنجرتي. لا أسمع إلّا ضحكات  الغريب المجلجلة.

ها هو قدّامي، جالساً فوق خزانة الملابس، مدلياً ساقيه حتى منتصفها، لكن لا أثر لثقله عليها. تلتمع عيناه المسلطتان عليّ؟

“تركتك تغفو دون إزعاج.”

“كم الساعة الآن؟”

“ما جدوى أن تسأل عن الوقت؟ الزمن للأحياء فقط.”

“أنا حي كالآخرين.. وسأشفى قريباً.”

“ألا تجد كيف انقطعت عنك زوجتك؟”

“لكنها تأتي من وقت لآخر.”

“الكل يعرف أنك راحل قريباً.”

“أنت تكذب.”

تنقضّ عليّ نوبة جديدة، ألم حاد يضغط على صدري، يعلكني بين فكيه، كفّ حديدية تقبض على قلبي، تعصره دون رحمة. شرر يقدح حولي. تتراءى الحجرة لي كرة معدنية ساخنة، تعجنني في جوفها، تدور سريعاً، تتقاطع أصوات غليظة وناعمة في أذني. أغوص في لجة نهر عميق، تعابث سطحه سوّيرات الماء. أمدّ يدي إلى الكوميدو، لكنه ينأى عني شيئاً فشيئاً. يحضر أبي، أمي، اخوتي، الذين رحلوا واحداً واحداً. تضاء حولي شموع كثيرة، أصرخ أقصى ما استطيع، لكن الصوت يغوص معي داخل فمي، يندفع خرير المياه في أحشائي. اتقلّب فوق الأغطية. طير ذبيح ملقى وحيداُ في العراء. لو استطيع الوصول إلى الكوميدو. ادفع ذراعي نحوه، تتقلص اصابعي ماسكة قبضة هواء، هواء، هواء…

ادفع ثانية، ثالثة، رابعة…

خيط رفيع يفصلني عن بواكير فجر، قد لا تلمحه أبداً عيناي.

لو كان عصام معي…

يغمرني الماء، تجرني خيوطه إلى الاعماق، لكن يديّ تظلان ممدوتين إلى أعلى، تمسكان حبلاً يتفتت إلى رماد كل لحظة. اصرُّ على التشبث به. ينفتح لي قبو مظلم، فألجه.أجدني وسط رواق ضيق، طويل، ينتهي إلى فجوة، ينفذ منها شعاع الشمس، برّاقاً، متوهجاً. أخطو مترنحاً، يميناً ويساراً، مصطدماً بجدرانه. خطوة أخرى، أتعثر. يسيل الدم من أنفي. أنهض ثانية،أتقدم خطوة. أكدم حجراً تحت قدمي. أنزلق ساقطاً على وجهي، أستقبل الأرض بيديّ. تتخدش ذراعاي. أزحف، أزحف على ركبتيّ، تخور ساقاي. أمسك بكلاّب مغروز في الجدار قريباً من رأسي، أدفع جسدي خطوة. ها هي بقعة الضوء تكبر. لهاثي يتصاعد كصفير قطار مدوّ.

فجأة يتحول جسدي إلى بالون خفيف، تدفعه ريح رقيقة، تصغر المسافة بيني وبين شعاع الشمس. فرح يكتنفني. أمد ذراعي. ها أنذا امسك بعلبة الدواء، اعرف الطريق الى حبيباتها. أضع واحدة في فمي. افتح عينيّ، فالمح الغريب واقفاً إلى جواري، يُظهِر ضياء القمر فرحاً جنونياً وقسوة على عينيه الجاحظيتين، فاشيح عنه ناظري. تخفت الأصوات رويداً رويداً. أهبط ببطء شديد من فوضى الأشياء إلى سكون الحجرة المزدانة بوهج رذاذ ضياء القمر الشفاف. يغمرني عبير القدّاح. أسترجع أنفاسي. أمسح وجهي المبتل بالعرق. ألتفت صوب سرير عصام، حيث يجلس مرافقي، تعلو وجهه إمارات الضجر والخيبة. أحدق فيه متحدياً، جولة اخرى أكسبها معه.

“أنت تضيّع وقتي سدى، برغم أنك ستخسر حتماً معي.”

“حينما أحقق ما أبغيه، سآتي بنفسي اليك طالباً الرحيل.”

“ما تريد تحقيقه هو المستحيل.”

“أنا ربّ أسرة، وعليّ مسؤوليات يلزمني إنجازها.”

“ألم تكفك كل هذه الاعوام التي عشتها؟”

“أنت جئتني لحظة امتلاكي الخبرة. الآن هي البداية حقاً.”

“هراء.”

يغادر الحجرة ساخطاً. اضع علبة حبوب تنشيط القلب تحت مخدتي، قريبا من يدي اليمنى. لن أُخدَع مرة أخرى.

 

*    *    *

يحلّ السحر أخيراً، تتغلغل بشائر الفجر إلى حجرتي، ينفصل الخيط الأسود عن الأبيض، تتململ الكائنات حولي. ألف آصرة تشدني إليها. يمتد خلف النافذة الآس ألأخضر، لو استطعت مدّ يدي إليه، لأمسكت بأوراقه. تتململ شجرة التوت هي الأخرى بعصافيرها. هكذا، وبضربة واحدة راح الظلام يتفتت. يعلو صوت المؤذن هادراً: “حي على الفلاح… الصلاة خير من النوم.” نصف ساعة اخرى، وينفتح الفجر على الدنيا، معلناً نهاراً جديداً، يهرب الغريب، نهار آخر أحياه، نهار آخر أشربه. نهار آخر…

ها هي المعجزة تمسني، قوى غامضة تتسرب في عروقي، يختفي النشيج عن انفاسي، يتزحزح الحديد عن صدري. أنهض من فراشي متردداً، لا دوار يحاصرني.أاقف على رجليّ، لا رعشة تهزهما. أخطو نحو النافذة، أمسك بطرفها. أتطلع إلى الحديقة الصغيرة، تطل شجرة التوت أمامي بأغصانها اليابسة. أذرع مرفوعة صوب السماء. أنقل بصري إليها، تطالعني نجمة الصباح، معلقة وحدها بسمت القبة الغامضة الزرقة، ثريا يتأجج ضياؤها، وسط سكون الكون وصفائه. يداعب وجهي نسيم عذب، مثقل بشذى القدّاح الآتي من شجرة البرتقال. أميّز، برغم بقايا العتمة، لون زهرها الأبيض عن ورقها. ها أنذا أجني ثمار معركتي مع الغريب. تدبّ الحياة من جديد في أعماقي، مثلما ستدبّ في شجرة التوت يوماً. فجأة تطقُّ الأزهار على فروعها. يتضوع أريجها. تنمو أوراقها. من يصدق انّ خشباً يابساً تعود إليه الحياة ثانية.

تتصاعد رغبات في نفسي، بالرقص، بالغناء، بالركض. كأن رحلة الألم الطويلة كابوس بغيض مضى دون رجعة. أندفعُ نحو الحمّام. أذرع خفية تحملني برفق، تغدو خطواتي طيراناً سحرياً. أغتسل، أحلق لحيتي، أتعطّر، أرتدي اجمل ثيابي، أمعِن النظر في المرآة. ألتقي بوجه معافى، كأن لم يعرف المرض يوماً. أذهب إلى المطبخ، أضع غلاّية الشاي على النار. أعِدّ الفطور للجميع، ستفاجؤهم هيئتي صباحاً.

أعود إلى حجرتي، أخرِج من جرّار الكوميدو ملف المشروع الجديد: حقل واسع مسيّج لتربية الأبقار، مزوّد بأحدث الآلات وأرقاها. تبنى بجانبه زرائب صحية على شكل قاطرة.

 

يصلني من بعيد صوت قطار، قرقعات، رتيبة، منتظمة.

سأبني مستودعاً لخزن العلف، وورشة صغيرة لذبح الأبقار.

يقترب الطار أكثر فأكثر مني.

هناك مقصورة تحتوي على ثلاث ثلاّجات كبيرة لخزن اللحم فيها.

تزداد ضربات القطار وضوحاً.

ومعها ناقلة شحن مبرّدة.

ترتفع نبضات القطار عالياً.

عليّ أن اقنع تاجراً بتمويل هذا المشروع.

تضج الحجرة بدوي القطار. تهتز كنابض حلزوني.

لا مجال للخسارة هذه المرّة، تحسبت لكل الطوارئ والاحتمالات.

يخترق الدويّ الهادر سمعي. يمرق القطار إلى قلبي. يهتز جسدي بعنف، رعشات متواصلة. أنهار على سريري. ينفجر الألم بركاناً في صدري. تدور الحجرة بي سريعاً، سريعاً. أتشبث بسريري. يتراءى لي جبل رمليّ، تعصف به ريح عارمة، فتمحوه برمشة عين. يغادرني القطار رويداً رويداً. يتلاشى صوته في الفضاء. هاهي العصافير تندفع بصليلها المتواصل، العذب، احتفاءً بحلول فجر جديد.

أفتح عنييّ، فأجده امامي،يعلو محياه الرضا والغبطة. أفتح علبة الدواء، أقلبها على راحة يدي، أمسك خواءً. تنفلت العلبة من بين أصابعي، أشعر بسقوط عبْء ثقيل، ثقيل، ثقيل عني. أسمع صوته بارداً، وقوراً، مطمْئناً:

“عليك الآن أن ترافقني.”

“إلى أين؟”

“سآخذك إلى مدينة لا تغيب عن مسائها شمس حنون.”

“ألا تمهلني لأعدّ متاع السفر؟”

“أعددت كل شيء.”

“أريد أن أرى عائلتي.”

“ستزورهم متى تشاء من بعد.”

“أستطيع رؤية الفجر؟”

“اذهب.”

أحمل جسدي بعسر، أتكّئ، على الكوميدو، خطوة، خطوتين. أتشبث بطرف النافذة. ترتعش اصابعي، تهتز اصابعي، تهتز ركبتاي. خدر يتصاعد من قدميّ. خطوة أخرى: ها أنذا قبالة سماء تتقطّر زرقة بلّورية. يختلط اللازورد في الأفق بنثار برتقالي متوهج، تحجبه شجرة التوت، لكنني ألمحه عبر فجوات سيقانها العارية.

يحلّ الفجر أخيراً، فتهتز له العصافير اكثر فأكثر، أمدّ يدي إلى الآس، أقطف وريقات منه. أعصره، أشم شذاه العبق مختلطاً بعطر القدّاح.

أتنفس بعمق: شهيقاً، زفيراً، شهيقاً زفيراً، شهيـ …

يتواصل نشيج العصافير قوياً دؤوباً. أسمع سناء تردد النشيد معها.

أمدّ ذراعي لاقبض على العطر، النشيج، اللون، السماء، الفجر. أفتح يديّ، فاراهما تتقطران ندىً متوهجاً بالضياء البرتقالي، لكأني اذوب في ما حولي. التفت ورائي…

غيمة ارجوانية تقترب مني، تغمرني.

غيمة ارجوانية، غيمة أرجوا…

غيمة، غيمة، غيـ ، غيـ…

غـ ، غـ ، غـ …..

 

لندن 1986

*من كتاب “العبور الى الضفة الاخرى”، دار الجندي، دمشق،1992

 

شاهد أيضاً

حانة القنطور الذهبي

حينما فتحتُ باب المصعد الكهربائي، قابلني رجل قصير، متين البنية، لم تظهر العتمة منه سوى …