الرئيسية / قصص / حالمون من ذاك الزمان*

حالمون من ذاك الزمان*

(1‍)

كانوا كالطيور المهاجرة، يحلّون في وهران، فجأة، كل خريف، تضجّ بهم أقسام الجامعة الداخلية بهم: بضربات أحذيتهم العسكرية، بضحكاتهم المتواصلة، بالمَيْجَنا التي ترتفع وسط الأروقة. يتكدسون في حجرات زملائهم إلى حين الحصول على غرف لهم. ومن هناك تفوح رائحة الهيل والقهوة التركية، وتتدفق إلينا أغاني فيروز عالياً. وهم في قدومهم يكسرون جفاف الحياة اليومية في الجامعة، ويمنحون مذاقاً رائقاً وعذوبة للسنة الدراسية الجديدة. لكنهم، فحأة، يرحلون مرة أخرى، كالطيور المهاجرة، في وقت واحد إلى لبنان، عند وقوع هجوم جديد على الجنوب، فيتركوننا أشهر عديدة وسط الجفاف، منتظرين في لهفة وقلق عودتهم.

لكأن لقائي الأخير بأسعد قد حدث البارحة. وكم كنت، يا إلهي، غبية آنذاك. فلو أنني تصرفت بطريقة اخرى معه، لتمكنت من اقناعه بالبقاء فترة أطول في وهران، ولربما تبدّل مسار الأحداث. وقد يؤدي ترتيب آخر للمصادفات إلى خلق وضع آخر يجعله في حِلٍّ من تلك المسؤولية التي وُضعت أمامه. ومثلما أعرفه، فهو الذي يتسابق في العطاء إلى حدّ يتيح للآخرين الأحساس بأنه قد خُلق لخدمتهم، لمواساتهم، وتوفير السعادة لهم، وبالمقابل، فليس عليهم أن يقدموا له أي شيء، لضآلة طلباته، وتجنبه الحديث عن نفسه… وصلني مع بدء غزو عام 82 خبر سفره إلى دمشق، قبل إنهائه الامتحانات ليتوجه من هناك إلى جنوب لبنان برّاً.

حلّت العطلة الصيفية، فجرّني البحر إلى أحضانه. كنت ارافق أخي وعائلته كل اسبوع إلى شواطئ “عين التُرْك” أو “الأندلس”. أقضي النهار برفقة الشمس والرمل الساخن، والمياه الباردة. أدثر جسدي بين الموجات البيضاء، المتقافزة على الشاطئ. وبرغم انشغالي الكبير بالانباء الحزينة القادمة من لبنان، لكنني بقيت واثقة من عودة أسعد في سبتمبر مثلما اعتاد أن يفعل في السابق. ومع القلق المتزايد على مصير الناس هناك من تقدم الغزاة إلى الداخل بعد احتلال صيدا، كانت عاطفتي القديمة له تسترجع مواقعها في قلبي. وكان البحر عزائي الوحيد، فيه أدفن كل أحزاني، حيث أنتظر لهفى لقاءه كل اسبوع، لأبكي بين ذراعيه، فيمسّد شعري، ويمسح عن عيني الدموع، وعندما تغرق الشمس غروباً في أعماقه، يبعث في قلبي الطمأنينة والسلوى.

كنت أرى أسعد، من وقت لآخر، في الحلم؛ حيث لم يزل ألق حبه عالقاً فوق عينيه. نمشي أحياناً يداً بيد على “جبهة البحر” أو ساحة الجامعة المسوّرة باشجار السرو والصفصاف. وأحياناً أراني ملتصقة به، دافنة رأسي بين شعر صدره الكثيف، تطويني ذراعاه، لكأنني قطعة منه… استيقظ صباحاً على أصوات اطفال أخي. يتسرب من النافذة المفتوحة هواء مثقل بالرطوبة ورائحة البحر الأشنية. يسقط شريط من ضياء الشمس على سريري. أنزع الشرشف الأبيض عن جسدي، أتحرك صوب بقعة الضوء حتى تغمر صدري. ألمسُ جسدي بأناملي، ماسحة قطرات العرق المنثّثة بملح البحر. يلوح أسعد قريباً مني، أراه جالساً جنبي، يمسّد شعري برقة، فامدّ يديّ إليه… ثم فجأة، تغادرني بقعة الضوء، ويغادرني أسعد تاركين وراءهما طلّ البحر ورائحته الاشنية على فراشي.

لكن الأنباء الحزينة ما انفكت تصلني يوماً بعد يوم: بيروت محاصرة، قتال ضار، قتلى بالمئات، عشرات الصغار يتصدون للدبابات باجسادهم الملغومة. الجلاء، مرة أخرى، حفاظاً على حياة المدنيين العزّل، انتقال الفدائيين إلى عدة بلدان؛ الشتات ثانية، الاندثار ثانية. العنقاء تُحرق من جديد… ثم جاءت المذبحة في صبرا وشاتيلا.

ومع حلول اوكتوبر، بدأ بعض الطلبة بالعودة إلى وهران، ورحنا نسمع منهم عمّا لحق بمن لم يستطع الرجوع: هناك من جُرح، هناك من أُسر، وهناك… ولم تكن الطريقة التي غادرنا بها أسعد إلاّ أفضل ما كان يمنّي النفس بها. يروي صديقه أن رفيقاً له جُرح في بطنه فوضع الفصيل أمام أحد خيارين: تركه ليقع بيد الغزاة الذين يطوقون المنطقة، أو قتله. اقترح أسعد حلاً ثالثاً، أن يقوم بحمله، مع اعطاء الآخرين الفرصة بالانسحاب السريع، والخروج من الحصار. حلّ الليل آنذاك، لكن نثار الضوء القادم من النجوم، أتاح لأسعد المضي بخطوات وئيدة صوب الشمال.

كيف ومتى جُرح أسعد؟ كل ما عُرف من بعد عنه، أنه حال وصوله إلى موقع الفدائيين، سقط على الأرض. لم يكن الجرح عميقاً جداً، ولم يسبب كسراً في العظام عدا انقطاع شريان، سبّب النزف المتواصل منه إلى توقُّف قلبه عن النبض بعد دقائق قليلة، راح خلالها يُطَمْئن المحيطين به من تفاهة جرحه، خجِلاً من هذا الاهتمام به، سائلاً عن حال رفيقه، الذي تم انقاذه…إنه القدر على أية حال، لكن الندم ما زال يقضم أحشائي بانيابه. إذ قد أكون السبب في ذهابه المبكر، ولربما استطعت تأخيره لو أنني…

 

(2)

سمعت عن أسعد الكثير، قبل انتقاله من عنّابة إلى وهران. لطالما تحدث عنه اصدقاؤه طويلاً. يتندر بعضهم بشروده الدائمي: نسيانه للمواعيد وأوقات الامتحانات، فقدانه المتكرر للنقود وحقائب اليد الصغيرة… يحكي آخرون عنه كأصغر فدائي شارك بعملية جريئة في الأرض المحتلة، حين كانت المقاومة على أبواب الانتقال إلى لبنان. كيف صدرت ضده أحكام بالسجن المؤبد على طرفي نهر الاردن. لم يتجاوز آنذاك عمره الخمسة عشر عاماً.

اشتهر بين رفاقه كأفضل من يتقن الأسلحة الثقيلة، في الوقت نفسه، فهو مولع باعداد القهوة التركية الممزوجة بالهيل، ومن الممكن أن يتناولها أو يدعو ضيوفه لها، عند الساعة الرابعة صباحاً. إذ ليس هنالك فاصل بين الليل والنهار لديه: أحاديث متواصلة، أسئلة للحوار، وقهوة، ومطالعة، وأنّى تسأله عن مساعدة يلبيها مردداً عبارات اعتذار لمحدوديتها. كان حاضراً في وهران قبل مجيئه إليها. وكم فاجأني دخوله إلى قاعة المحاضرات، صباح ذلك النهار، الذي سقطت فيه الأمطار بغزارة، بعد موسمي جفاف متعاقبين. حدث ذلك في جانفي. (ما زلت أتذكر التاريخ حتى هذه اللحظة). فجأة، وبعد تقلب الغيوم، بعضها فوق بعض طويلاً، بدأ المطر بالهطول على هيئة رذاذ خفيف، رحت أطالعه من نافذة القاعة المجاورة لي، وظل الخوف، من تبعثر الغيوم ومضيّها صوب الصحراء، ملازماً إيّاي. كانت أمنية واحدة متسلّطة على نفسي آنذاك، أن يتواصل سقوط المطر، أن يندفع أقوى فأقوى، أن أسمع صوته، أن أشم رائحة التراب وهو يتحول إلى طين أحمر اللون، أن أخرج إلى الساحة لأترك جسدي تحت رحمته.

كان مظهره عادياً، معطف كاكي قصير، شعر مجعّد يجعله شبيهاً باغلب الشباب في وهران. كدت التفت إلى النافذة، عندما ارتفع صوت أحد أصدقائه: “أسعد”. مضيتُ أراقب خطواته الخجولة، لكأنه يسعى بها أن يجعل حضوره أصغر ما يمكن، وهذا ما أثار الشفقة في نفسي عليه.

اندفع المطر غزيراً، فجرّني إليه مرة أخرى. ازداد انفعالي إلى حد أصبح البقاء عسيراً عليّ في القاعة. رغبتُ أن أرى ذلك الغريب، لكنه اختفى وسط تلك الغابة من الوجوه والأجساد خلفي. وبقيت سارحة إلى الساحة والسماء الرمادية والأشجار، التي انبثق منها بريق الخضرة الحاد أخيراً… ولا أدري لماذا اندفعت في بكاء صامت آنذاك.

 

(3)

لم تتوقد عاطفتي نحوه فجأة، بل هي شبيهة بقطرات ماء ترشح من فخارية كبيرة، إلى حوض كبير. من سيصدق أن هذه القطرات ستملؤه يوماً ما؟ ما سهّل لعلاقتنا أن تتعمق سريعاً، معرفته بتاريخ الجزائر الحديث. كم تجعلني احاديثه في وضع مربك أحياناً، لكثرة ولعه، بالارقام والاحصائيات، والكثير من التفاصيل الاخرى. لكنه يتوقف غالباً، مستدركاً، ومعتذراً، مردداً بتلعثم: “إنها معلومات عديمة الفائدة”. فيبدأ باثارة أسئلة عن فترة ما بعد الاستقلال، عن كيف كانت الجزائر قبل ذلك، عن قريتي التي ما تزال عائلتي تسكن فيها.

سألته، ذات مرة، عن أهله الذين يعيشون في قرية قريبة من نابلس، كم مضى عليه دون أن يراهم؟ هل يراسلهم؟ قال انه لم يكتب لهم منذ عشرة أعوام، وإن أباه قد اعتاد الذهاب كل يوم إلى البريد الواقع على بعد كيلومترين مشياً على الأقدام، للاستفسار عن رسالة قد تكون وصلت من ابنه “العاق”. وحينما استفسرتُ باستياء عن سبب انقطاعه، أجابني بأنه يقرر كل مساء أن يبادر بالكتابة إليهم، لكنه في الصباح، يجد نفسه منشغلاً بامور أخرى صغيرة، تبعده عما قرر القيام به. أضاف ضاحكاً أنّ أباه في حاجة إلى حلم دائمي، طالما أنه يسكن في الأرض المحتلة.

تلتقي هناك غالباً، مجموعة من الطلبة الذين لهم اهتمامات سياسية او ثقافية. كنا ثلاث فتيات وشابين من وهران، والبقية إما فلسطينيون أو مشارقة. وكم يبدو الفارق كبيراً بين جو المقهى، الواقعة في الطابق الارضي، حيث هناك عالم مطلق من الرجال، يصخبون في أحاديث مملة، وبين جو الشقة التي تملأ المطبوعات فيها الرفوف والطاولات والكنبات، وحيث الخلافات حول التفاصيل.. كأن العودة إلى الوطن بالنسبة إليهم متحققة غداً، وما عليهم الآن إلاّ أن يتفقوا على الجزئيات. كانت، تتخلل هذا الجو الجدّي، فترات من المرح، نشرب النبيذ أحياناً. نتناول وجبات طعام فلسطينية: المقلوبة التي يتباهى الفلسطينيون بها كثيراً.. أعد، من وقت إلى آخر، كسكسي ومرق. ويحدث سجال بيننا عن المطبخ الجزائري والفلسطيني.

اصبحت تلك الشقة واحة، يشتاق كل منا الذهاب إليها. كنا نقوم بالكثير من الاشغال الصغيرة البيتية فيها: طلي الجدران، شراء أغطية للكنبات الحديدية العتيقة، ترتيب قطع الاثاث القليلة، جلب بعض البوسترات… كنا نتصرف كأنها ملك لنا. ونحن الجزائريين متطرفون في مشاعرنا حين نحب وحين نكره. (وفي كلتا الحالتين: الويل لمن تنصبّ عليه مشاعرنا‍‍‍.)

المشارقة دمثون، ليّنون، لهجتهم أنيقة ومزخرفة، بعكس رجالنا الصريحين، المباشرين بلغتهم، بنظراتهم، بحركة اجسادهم. كنت أجدني مدفوعة نحو التحرك ببطء، خلافاً لطبيعتي، لمسايرة حركتهم. كانت الدماء تغلي في عروقي، وكل عصب في جسدي يتدفق بعنف نحو الفعل، لكن المدينة الضيقة، وفظاظة الرجال تجاه النساء، والضغوطات الكثيرة حولي، تدفع باتجاه معاكس لما ورثته. فانا في لحظة تنتابني عشر رغبات متناقضة: الرغبة في الرقص، الرغبة في الغناء، الرغبة في السباحة، الرغبة في القراءة… وفي تلك الواحة أجد ملاذاً لروحي. إذ هي المكان، الذي أزيح فيه عن نفسي ثقل البراكين المتفجرة كل يوم، وفيه تهدأ روحي، وتجد لها اهتمامات أخرى أوسع من دائرة الذات.

 

(4)

متى استعرت الشرارة في القلب؟ ثلاثة أعوام مضت ونحن نلتقي كل يوم تقريباً. يغيب أسعد أحياناً عن بعض المحاضرات فاضطر لمساعدته في كتابتها وشرحها له. وحينما تقترب الامتحانات اواظب على متابعته، لسهولة انغماسه في أمور أخرى: مشاكل رفاقه الطلبة التي تحتاج إلى حل سريع، السفر القصير إلى المشرق، حبه للسهر، ووجود الضيوف المتواصل في بيته. وهذا ما يدفعني إلى معاتبته، وهو يتصرف كالطفل في ردود افعاله: خجله ، مداعباته، مشاعر الذنب التي تطفح على وجهه، إيجاد الحجج المختلفة لتبرير ذلك التقصير. لقد وجدت نفسي بعد فترة قصيرة مسؤولة عن نجاحه، وكنت ممتلئة فخراً بذلك الواجب.

أحياناً اقضي معه الليل كله في مراجعة الدروس، تهيّؤاً لامتحان ما، وهو يحاول الافلات من الحاحي المتواصل، باختلاق أعذار متنوعة: عمل قهوة أخرى، قراءة مقالة في مجلّة، تنظيف الحجرة وترتيبها، أو أعداد وجبة سحور خفيفة، وهذا ما يزيد من الحاحي وتصميمي على مواصلة الدراسة.

وجاءت اللحظة التي قلبت الأشياء حولي رأساً على عقب، فجعلت الباهت اللون لمّاعاً، واليابس مفعماً بالخضرة، ومعها فقدتُ شهيتي للطعام، واصبح الرقاد في الليل امنية، لكأنني شبيهة بامرأة حامل في نهاية شهرها التاسع، تنتظر اللمسة الأخيرة التي ستقودها إلى المخاض، ولم تأت هذه اللمسة إلاّ بعد انقطاع لقاءاتنا المنتظمة. أصبح أسعد منكباً على مشاغل أخرى، يتحدث معي بجدية، وأحياناً ببرود، أصبح يحسب المسافة بيننا، يعدّ كلماته التي يقولها لي، يتجنب دعوتي إلى بيته. وقد سبقت هذه التغييرات حادثة أخرى: رأيته، وأنا في الحافلة، يتمشى صوب موقف الحافلات برفقة زميلة أخرى. كانا في غاية الأنسجام، وابتسامة عريضة تملأ وجهه. لكأن المياه قد جرت من تحتي دون أن أنتبه لها، وها أنذا أُوضع في موقع من عليه مغادرة المسرح بصمت.

بعد ثلاثة أيام من بدء العطلة الربيعية، اندفعت دون إرادتي إلى بيته، وحينما قرعت الباب لم أستلم سوى الصدى والصمت، وهذا ما دفعني للذهاب ثانية ظهراً، ثم مساء، لكن دون جدوى. وفي اليوم اللاحق توجهت صوب شقته الساعة السابعة صباحاً لأضمن رؤيته، لكنني في الطريق بدّلت رأيي: أليس الوقت مبكراً جداً؟ ألم يكن عليّ أن أضع قليلاً من الماكياج على وجهي؟ ابتعدتُ عن باب العمارة، لاندفع نحو شارع “جبهة البحر”.

وقفت جنب الحاجز المطلّ على شارع الميناء. حضرتني أفكار غريبة: ما الذي سيحدث لو أنني قفزتُ من فوقه؟ يزيد الارتفاع عن عشرين متراً، وعند القاع يمتد شارع الميناء الغاص بالشاحنات موازياً للبحر. ماذا سيكون رد فعل أسعد إذا سمع بموتي؟ وهو الذي برغم كل المجازر التي تقع ضد المخيمات، يظل محتفظاً بمزاجه الرائق، وبعاداته الصغيرة الطفولية.. كم شعرت بكراهية له.

قرعتُ الباب ظهراً. فتح “عائد” الباب. وفي حجرة الضيوف، كان أمامه صحنان صغيران: زيت وزعتر، ولبن. عرض عليّ مشاركته الفطور. أخبرني أن اسعد قد سافر قبل ساعة واحدة متوجهاً صوب الشرق، ليقضي العطلة هنالك…

 

(5)

وسمعت أنه رجع من السفر. كم كانت العطلة ثقيلة عليّ. بقيت أحسب بملل شديد مرور أيّامها. ما أن عدنا إلى الجامعة حتى ظلت عيناي تدوران في كل الاتجاهات بحثاً عنه. وعندما تمر مجموعة من الطلبة يتراءى لي أحدهم شبيهاً بأسعد فيخفق قلبي بعنف، وينحبس الهواء في ثنايا صدري. أصبح اسمه يتردد على لساني حينما أتحدث مع أيّ رجل.

حل مارس، ومعه تنتظر كل الكائنات، حلول الربيع. شيء يتململ في أعماق الأرض، بين جذوع الشجر، وبين الأعشاش، وفي قلبي كانت الأمواج تتدافع صوب مدارات لا منافذ لها. انتظرتُ يوماً، يومين ثلاثة، أربعة… أين هو يا إلهي؟ كان ذلك اليوم الذي فقدت فيه مقاومتي كلها، عاصفاً، وبارداً، تسمع خلال ساعات نهاره صفير الريح، وهي تعبر فوق “السانية” قادمة من البحر، تتمايل الأشجار في ساحة الجامعة بشدة، ترتعش النوافذ والأبواب.

حينما انتهت الدراسة الساعة الخامسة، وجدت نفسي كمن لا يعرف أين هو، وما عليه أن يفعل في الساحة.. بقيت شاردة الذهن، رغم تكاثف الغيوم، وانبثاق البرق، وانفجار الرعد، وحولي مضى الطلبة إلى الخارج، بخطى واسعة، للّحاق بحافلات الجامعة التي تذهب إلى مركز المدينة، ولم أنتبه إلى نفسي إلاّ بعد هطول المطر. بدأ خفيفاً، ثم راحت قطراته تتهاطل بغزارة، حبّات كبيرة، ثقيلة. أخذتُ حافلة كانت موشكة في الانطلاق. وفي الطريق، ظلت عيناي تتابعان خطوط الماء التي يرسمها المطر على النافذة الأمامية الواسعة، فتظلّ تلاحقها ماسحتا السيارة الطويلتان كذراعي اخطبوط. وحينما تركتُ الحافلة، كان المطر غزيراً، غزيراً جداً.

انحدرتُ في الطريق المؤدي إلى “ساحة الأسلحة”. استدرتُ جنب البلدية مروراً باسديها البرونزيين الجاثمين على طرفي بوّابتها الكبيرة. مررتُ على مكتب الخطوط الجوية، ثم يميناً انحرفتُ. أمامي في الطرف الآخر من الشارع، عدد من الناس، واقفين تحت أشجار البَقْس، بانتظار قدوم التاكسيات. ومع بدء شارع “الامير عبدالقادر” يعود الطريق إلى الصعود ثانية. قادتني، دون إرادتي، قدماي، لكأنني واقعة تحت سطوة منوِّم مغناطيسي، وما يظهر لي ليس سوى حلم، حلم طويل.

ظل المطر يتساقط بدأب، مخترقاً ياقة قميصي، متسرباً إلى جسدي. وشعري الطويل راح الماء يتهاطل من ذؤاباته، والوجوه تنظر إليّ باندهاش، أسمع كلمات ساخرة من مجموعة شباب متجهين صوب مقهى “السَنْترا”.

ها أنذا أخيراً، أدخل العمارة، يلفّني ظلامها الدامس، أتقدمُ خطوات متعثرة، أمسك درابزون السلّم، قدماي تعرفان الطريق، طابق، طابقان… لكأن المسافة لا نهاية لها، ولكأنني لم أصل إلى ذلك البيت منذ أعوام عديدة. ها أنذا، أخيراً، أمام الباب بمصراعيه، تخترق رائحة القهوة التركية فجواته، وتتناثر كلمات “ريتا” في الهواء، يرددها صوت مارسيل خليفة. أدقُ الجرس أم أتراجع؟ ما الذي سأقوله بعد غياب أكثر من شهرين، وأنا غارقة في المياه؟

انفتح مصراع الباب الأيسر ببطء، ومن خلال نثار الضوء المتسرب من الداخل إلى الفجوة المعتمة التي كنتُ غارقة فيها، رأيته متوهجاً بالضياء. لمحتُ أن شعره قد قُصّ قصيراً جداً، وهذا ما يمنحه طابعاً جدياً، لكن بالمقابل كانت ملابسه العادية تثير إحساساً بالألفة: بنطلون جنز، وقميص أبيض مرفوعة كمّاه إلى ما فوق العضد. لم نتكلم، لكه لمح إرتعاشي تحت وطأة الملابس المبللة. توقعتُ أن يضمّني إلى صدره. وكنتُ على وشك الاندفاع في بكاء لا نهاية له بين أحضانه…قال أسعد: “المطر غزير، اليوم، بشكل عجيب”. ثم تقدّم امامي، بخطوات مترددة، “أنا متأسف لعدم وجود ملابس نسائية في البيت”. قال ذلك متلعثماً، كأنه قد ضُبط بفعل مخجل. قادني إلى حجرة النوم التي كنا نادراً ما نجلس فيها. “سأشعل المدفأة الآن…” قال ذلك مرتبكاً، حائراً، بما يجب القيام به، يقدم خطوة إلى الأمام وأخرى الى الوراء. جلب لي منشفة كبيرة، ثم ترك الحجرة.

 

*   *   *

ارتديتُ ملابسي بعد أن جفّت بوهج نار المدفأة الأرجوانية. مشّطتُ شعري، مرّرتُ أحمر الشفاه فوق شفتّي. خرجتُ من الحجرة التي تفضي إلى حجرة الضيوف المطفأ ضوؤها. كانت الشقة غارقة في الصمت، ومن أسفل الشارع تتصاعد أصوات السيارات بين لحظة وأخرى.. وهناك، في المطبخ الواسع، رأيته جالساً، يتصفح مجلة دون تركيز، وأمامه فنجان قهوة فارغ.

حلّ الصمت بيننا فترة بدت طويلة جداً. كأن هناك جبلاً جليدياً فاصلاً بيننا، برغم ما كان يغلي في أعماقي. حلمتُ أنه سيتحرك، قليلاً، دون كلمات، ليضع يده على كتفي. كم سيكون ذلك كافياً للاندفاع نحوه، لمنحه أراضي مسحورة لم تطأها عيناه من قبل، لتعويضه عن الآلام التي عاناها، عن المراهقة التي لم يعشها، عن حنان العائلة التي حُرم منها مبكّراً. لمسة واحدة كانت تكفي لفتح أبواب الفردوس كلها له. وكنت غارقة في قمة اليأس. فسّرت صمته بروداً، وابتعاده عن حجرة النوم حينما كنتُ فيها تجنباً لي. ثم جاء صوته مرتعشاً، ضعيفاً: “مضى وقت طويل لم نلتق به”. كانت كلماته تياراً كهربائياً يسري في جسدي، فيشلني عن فعل أي شيء: عجْز عن التكلم، عجْز عن التململ، عجْز عن التنفس. “لقد كانت أقسى فترة في حياتي”، أضاف هامساً. وبدلاً من مجاوبته، التزمتُ بالصمت، منتظرة أن يمدّ لي يده ليخرجني من تلك الفوضى التي غمرتني كلّياً. “كنت أفكر في كتابة رسالة إليكِ”، قال ذلك، فشعرتُ بانقباض. هل هي دعوة لعدم اللقاء به ثانية؟ أردتُ أن أسأله عن السبب، لكن الكلمات ضاعت مرة أخرى: شلل كامل أصاب لساني، ورأسي تتقافز داخله كوّة من النمل.. ثم عاد صوته، خافتاً، نحاسياً: “ربّما تستغربين ذلك، فنحن تربطنا صداقة قديمة، لا تحتاج إلى طريقة أخرى للتواصل كالمراسلة”. أضاف بعد فترة طويلة من الصمت: “أعلم أن حديثي هذا قد يزعجك. لكن أتمنى أن نظل أصدقاء”. كان يتجنب النظر إليّ إثناء حديثه. “قرأتُ قبل ايام عن فيلسوف يعرّف الحب بأنه وعي وحدتي مع الآخر، فما رأيك بذلك؟” ولا أتذكّر ما قلتُ، كل ما أتذكره أن ذلك السؤال جاء كدلو ماء مثلَّج منسكب فوق قطعة حديد ملتهبة، أُخرِجَت تواً من فرن الحدّاد. “اكتشفت صحة هذا التعريف من خلال حالتي في الاشهر الأربعة الأخيرة. هل تعرفين في أيّ يوم بدأت هذه الحالة؟” كان شحوباً خفيفاً قد علا وجهه، ولكأن هذا المحارب الذي اعتاد أن يخترق عالم الموت، هابطاً إلى قاعه، دون أن يهتزّ له قلبه، يواجه الآن شيئاً أعتى من الموت. “في سفرتي الأخيرة، كنتِ معي أينما أذهب، وقد فقدتُ شهيتي للطعام تماماً”.

ثم مضى يشرح حالته، كيف بدأت عواطفه تنمو نحوي، لماذا، ما الذي أعجبه بي.. تفسيرات وتفسيرات لكل التفاصيل في علاقتنا. كيف أصبحتُ دون إرادته جزءاً من كيانه.. كان يتحدث عن شخص، آخر، بدا لي رائعاً، مثالياً، منتمياً إلى عالم آخر علوي، بعيد عن عالم الحياة اليومية، بل لقد شعرتُ بغيرة من تلك المرأة التي خلقها أسعد في ذهنه، بخوف منها، بضعف أمامها.

ظل أسعد يتحدث دون توقف، مقلّلاً من نفسه، مضخِّماً من حبيبته، متولهاً بها. قرأ أبياتاً من شعر نيرودا وناظم حكمت، كان يحفظها عن ظهر قلب. أوضح كم أن الحب ضروري للحياة مثلما الطعام والهواء، كيف أن الأنسان يتطور من خلال الحب، كيف يزيد ارتباطه بالآخرين، وكيف يعشق كل ماحوله… ومع كل هذا الحديث الطريف، الشفّاف، المجنَّح، كانت النار تتضاءل في الداخل، وصورة أسعد تتضاءل في مخيلتي.. لربما لو أنه صمت قليلاً، لبقي شيء من الجمر الموشك على الانطفاء حيّاً، فتسترجع النار حياتها. لكنه ، ولأول مرة، خلق في نفسي احساساً بالشفقة عليه، بالضجر منه، بالانفصال عنه…

ما أن أكمل حديثه، الذي لم أسمع منه إلاّ القليل، حتى وجدتُ نفسي كمن يستيقظ من جديد، متحرراً من مفعول سائل سحري سبق له أن شربه.

كان حديث أسعد شاعرياً، لكنه اختار الوقت غير المناسب له. كان ممتعاً لو أنه انتظر حتى نتبادل القُبَل. كان توقيتاً خاطئاً، وكنتُ حمقاء آنذاك. كنت مملوءة أوهاماً فبدلاً من أن يكون أسعد الجلاّد الذي صنعته في مخيلتي، والذي عليّ أن استعطفه للتقليل من ضرباته، رأيت نفسي في موقع الجلاّد، وأسعد في موقع الضحية… هذا التبادل في المواقع جاء مفاجئاً، عنيفاً، غير قابل للتصديق. وها هو يسألني: “ما رأيك؟”

بعد فترة صمت، قلت له ببرود وأدب جمّ: “لنبق أصدقاء فقط…”وقبل مغادرتي البيت، مددتُ له يدي بطريقة رسمية، وحينما خرجتُ من باب العمارة، استقبلتني السماء الصافية، وأضواء الطريق الصفراء. لم تكن العاصفة قد تركت أيّ شيء وراءها عدا الشوارع المغسولة بمطرها، وعطر النوّار المتساقط من الأشجار… وهكذا هو مارس، المتقلّب، اللعوب. وقفتُ قليلاً جنب المقهى، أغلقتُ أزرار سترتي، ثم مضيت إلى بيت أخي بخطى واسعة…

لندن 1988

*من كتاب “العبور إلى الضفة الأخرى”، دار الجندي، دمشق، 1992

شاهد أيضاً

حانة القنطور الذهبي

حينما فتحتُ باب المصعد الكهربائي، قابلني رجل قصير، متين البنية، لم تظهر العتمة منه سوى …