الرئيسية / قراءات / «كوميديا الحب الإلهي» للكاتب لؤي عبد الإله

«كوميديا الحب الإلهي» للكاتب لؤي عبد الإله

ابتسام يوسف الطاهر

ثقافة

ديسمبر 25TH, 2017

التعليقات على «كوميديا الحب الإلهي» للكاتب لؤي عبد الإله مغلقة

3142 VIEWS

ابتسام يوسف الطاهر

لكل كاتب اسلوبه في اختيار اللغة المكتوبة للعمل الابداعي سواء قصة او رواية او شعر وحتى المقالة.. كذلك لكل قاريء رؤياه وتصوره عن مايقرأه.. ومن رؤيتي كقارئة ساتحدث عن رواية القاص لؤي عبد الاله (كوميديا الحب الالهي).
منذ العنوان شعرت ان الموضوع أو ثيمة الرواية لاعلاقة لها بالكوميديا، وكوميديا الاله لابد انها ستكون من الكوارث التي تثير الأسى أكثر من الضحك ربما. لكن الحب الالهي هو ذلك الحب الذي تقوم عليه كل المحبات اي كل انواع الحب «الحب حسب الصوفي بن عربي هو ذلك الذي يقود الى حب الاله..فاحد اسماء الله الحسنى هو الغيور والتي تعني انه يغار من اي حب لغير الرب» هذا التفسير او الرؤيا يؤمن بها الكاتب عبد الاله وهو من المتعمقين في دراسة بن عربي والمعجبين بشخصيته وافكاره.»الرب خلق البشر لكي يعرف ذاته من خلال حبهم وعبادتهم له». لكن رؤيتي للغيور هي من الحرص على حماية الاخر. وهناك تفاسير عديدة للغيرة كأحد اسماء الله الحسنى منها الغيرة على عباده من ارتكاب الخطيئة.
تلك الثيمة هي التي ارادها الكاتب لروايته الاولى «الرواية مبنية على الحب بكل اشكاله» العاطفية والجنسية وحتى حب البطل عبدل للمال والسعي للغنى بأي طريقة. واراد الكاتب ان يربط الرواية الى فكرة بن عربي والاسماء الالهية فذكر بالمقدمة عن الممكنات وعن الخلق..ليخلق هو اشخاص الرواية، ليقودنا لدواخلهم كراوي ومشاهد لما يقوم به اؤلئك الشخوص. بل احيانا يتسائل حاله حال القاريء عن سبب اقدام عبدل أو غيره من الابطال بفعل ما.
الكاتب منذ الصفحات الاولى، ص22، قسم ابطال الرواية لثلاث انواع هذا من خلال «وضع الناس في ثلاث خانات من الذكاء، الاول الذي يعيش لحاضره ويومه دون الالتفات للماضي» ومافيه من صور ماساوية ربما او ذكريات مؤلمة..وهذا ما نجده في شخصية شهرزاد الطبيبة التي هاجرت الى لندن لدراسة الطب، وماحصل من ثورة ضد الملك في العراق، منعها من العودة لوطنها وهي ابنة احد رجال الملك المقربين. لتمضي حياتها في لندن وتنسجم مع الانكليز وحركة الهيبز في الستينات. وحتى حين تاتيها قريبتها بصور قديمة لا تذكر منها حتى اسماء زميلاتها او المناسبة التي التقطت فيها الصورة. وياخذنا الكاتب الى تلك المرحلة لنرى كيف واجه العراقيون المهاجرين خبر ثورة 14 تموز ومراسم العزاء التي اقاموها على روح الملك الشاب وعائلته. فالقليل من الروائيين تطرقوا لشخوص تلك المرحلة. وقد اشار الكاتب «لقد قرأت كل ما يخص تلك المرحلة عن العراق ولندن وهذا اخذ مني سنوات لألتقط بعض الصور التي بنيت عليها بعض اركان الرواية».
اما الخانة الثانية من الذكاء فهي التي يتمتع بها من لا ينشغل بالماضي، والحاضر بالنسبة لهم مجرد محطة او قطار يستقلونه للوصول الى المستقبل وتحقيق احلامهم فيه..تتمثل في شخصية عبدل الذي رسمت صورته منذ البداية على الانتهازية والسرقات الصغيرة لتحقيق حلمه بالغنى والثراء بأية وسيلة، ولم يؤثر فيه عقاب والده له بتغيير اسمه من عبد الوهاب الى (عبدل). ويواصل نهمه لكل الفرص المتاحة للغنى. ومن خلاله يحكي الكاتب عن شريحة من المغتربين في لندن ممن استغلت قوانين البلد للتحايل والحصول على المال. فيستغل عناية الدولة بالمعاقين جسديا ويفتعل حادثا بسيارته للحصول على اقصى المعونات. ويستغل طيبة عبد الرؤوف صديقه ليشتري عقارات واملاك بإسمه، ولكسب ذلك الصديق يستغل سفر الام ويضحي بكلية ولده المعاق ويتبرع بها لإبنة عبد الرؤوف المريضة..والغاية ليست انقاذ الطفلة بقدر ماهي لربط عبد الرؤوف بتلك التضحية.
اما الخانة الثالثة من الذكاء، المستجيب للماضي ويجعل الروائيين هم اكثر الذين تنطبق عليهم تلك الحالة «حركتهم صوب الماضي شبيهة بحركة فراش العث صوب النار» ص22 وهنا يخلق لنا شخصية الكاتب صالح الذي نتطلع لماضيه من خلال العمل الروائي الاول الذي يحاول انجازه من ذكرياته مع رفاقه اليساريين وحبه وزواجه من سلمى المرأة المتحررة الثورية والتي يقبض عليها شرطة البعث المستولي على السلطة توا مع رفاقها، فينجو بنفسه ويسافر الى لندن ليسمع الاخبار الغير مؤكدة، عن اعدام رفاقه ومنهم سلمى والتي يجعلها بطلة روايته التي شرع في كتابتها باسم حياة..تنقذ على يد احد الجلادين الذي يتخذها عشيقة وتحمل منه ثم بفضله تهرب الى لندن.
لكنه يعود ليقول «الحاضر سجن بناه الماضي» ص159.. والحقيقة ان الانسان يرتبط بالماضي اكثر..ربما لأن الماضي لا يخيفه ولا يسبب له القلق لأنه ولى وانتهى..قد تسبب له بعض المواقف الندم او الرغبة في تغيير مصير تلك اللحظات الماضية بـ(لو) والكثير يستعذب تلك الكلمة حتى لو قضّت مضاجع الندم والحلم. فمعظم شخوص الرواية تسحبهم خيوط الماضي دون ارادتهم فعبدل يبقى اسير غضب الوالد منه. وشهرزاد يشدها صالح الذي ترتبط معه بعلاقة عاطفية بعد وفاة زوجها الانكليزي ستيفن ومرورها بتجارب عديدة مع انكليز، فهو يمثل لها الماضي في وطن لا تذكر منه الكثير، بالرغم من اعتراض ابنتها عليه ونفورها منه بل والايقاع بينهما للتخلص منه مع انها أي الابنة لم تعترض على علاقات امها السابقة.
نجح الكاتب في لغته السهلة والسلسة بتوظيف التاريخ وبعض قصصه في الرواية كما في حكاية ابن القارح من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري. ابن القارح بعد وفاته وذهابه للجنة يكتشف ان كل من التقاهم هناك قد فقدوا ذاكرتهم ويتمتعون بنعمة النسيان. بينما من هم في الجحيم ذاكرتهم متوقدة وحادة ص33. يشبه الكاتب حالة النسيان التي تعيشها شهرزاد، وهي تتصفح البوم الصور التي زودتها به قريبتها بيداء زوجة عبدل، بمن هم في الجنة..كما لو انه اراد ان يقول ان اوربا هي الجنة فلا بأس من نسيان جحيم الوطن!
الكاتب لؤي عبد الاله واسع الاطلاع وثقافته متنوعة فقد استخدم اهتمامه بالفن التشكيلي ومعرفته به في الرواية من خلال تحليله للوحة سيزان واسقاطها على طريقة صالح في كتابته لروايته.
قسم الكاتب الرواية الى عدة فصول واطلق عليها اسماء معبرة مثل (ازرار ملونة) و(ترويض الغيوم)..لكنه في الفصول التالية جعل اسماءها مباشرة مثل (بيداء في متاهتها) أو(صالح وروايته) بينما كان بالامكان تسمية هذا الفصل بـ(رقصة الموت) التي ذكرها بين ثنايا احداث ذلك الفصل، للحفاظ على وحدة اسماء الفصول وتناغمها. اما فصل الاسماء الالهية فكان بالامكان الاكتفاء بالفصل الثاني منها ليشكل قفلة للرواية وقد ذكر عنها في المقدمة..فالاول منها عن علاقة محي الدين بن عربي ونظام، مع جمالية النص، لم يكن له رابط بفصول الرواية.

 

نبذة عن ابتسام يوسف الطاهر

إبتسام يوسف الطاهر كاتبة من العراق تحلم ان تزرع مليون شجرة في بغداد. زرعت أول رواية لها (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) ساعد باخراجها للنور مؤسسة أدب فن للنشر. وعلى الورق نثرت ثلاث روايات ومجموعة قصصية تنتظر الحصاد يوما. عملت في صحف عدة في لندن حيث تقيم. ولديها عمود (على رصيف الوطن) الآن في صحيفة الصباح الجديد. لديها العديد من المقالات والقصص منشورة في الصحف العربية والعراقية وبعض المواقع الألكترونية.

 

شاهد أيضاً

رواية ” كوميديا الحب الإلهي ” للؤي عبد الإله … الشخصيات بوصفها تاريخ بلد

صحيفة تشرين بتاريخ/ 08/02/2016 الكاتب/ بديع منير صنيج بين لندن في عقود الستينيات والسبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن …