الرئيسية / يوميات / مفكرة بغداد: يوميات العودة الى مسقط الرأس(2)

مفكرة بغداد: يوميات العودة الى مسقط الرأس(2)

لم تستغرق الرحلة بين دمشق وبغداد أكثر من عشر ساعات. ومنذ لحظة عبوري الحدود ظهر لي الخراب بصيغة خيالية: امتدت أمامي أبراج الكهرباء المحطمة صفا يبلغ طوله بضعة مئات من الكيلومترات ومن رؤوسها انتُزعت الأسلاك النحاسية. كأن ماردا خرج من صفحات «ألف ليلة وليلة» لينجز هذه المهمة الأسطورية.

شاركني الرحلة الصديق الشاعر فاضل السلطاني الذي غادر هو الآخر العراق في نفس سنة مغادرتي له. وكانت السيارة التي أقلتنا من نوع شبيه باللاندروفر مخصصة للمهمات الصعبة. بعد تجاوزنا للرمادي تعرضنا إلى السلب تحتتهديد بندقية كلاشينكوف ومسدسين. وكانت هذه الجرعة كافية لتؤهلنا دخول المسرح الذي ابتعدنا عنه لأكثر من ربع قرن.

الفصل الثاني العثور على البوصلة

19 نوفمبر

ها نحن أخير في بغداد. السماء ارتدت زرقة عميقة. إنه الغروب. لا  بدّ أن موعد الإفطار على وشك الحلول. لم نكن بحاجة إلى اختراق مركز المدينة. وفاء  تسكن في السيدية. وعند مغادرتي بغداد كانت هذه المنطقة مجرد بساتين وأراض زراعية تفصل بين الحلة وبغداد.

19 نوفمبر

قالت أختي لحظة اللقاء: إنه حلم. إلى جانب زوجها حمودي كان هناك خمسة غرباء بانتظاري أعرفهم من بعض الصور التي كانت تصلني من وقت إلى آخر بعد عام 1991. أكبرهم نوّار الذي ولِد بعد مغادرتي بغداد بعامين. تليه ثلاث فتيات : نورس ومنار وميس، ثم مصطفى الذي بلغ الثانية عشرة. لا بدّ أن مشاعري  بعد أن توقفت السيارة أمام بيتهم شبيهة بمشاعر العازر عند عودته المستحيلة إلى أهله. الفرق الوحيد أنني وجدتُ آخرين بانتظاري ولِدوا في فترة غيابي. في ذلك الوقت القصير الذي بدا لي دهرا كانت ذاكرتي تحاول العثور على خيط تتشبث به من الماضي المشكوك بحقيقته: عبر الغضون التي علت وجهي وفاء وحمودي بقيت أسعى لإيقاظ صورتيهما القديمتين: شابين أكملا توا دراستهما الجامعية بطموحات أكاديمية جامحة. لم تثر في النفس سوى تلك الألفة التي يشعر بها المرء أحيانا حينما يمر ببعض الأماكن المجهولة فيشعر كأنه عاش فيها يوما ضمن تناسخ روحي آخر. بالعكس من ذلك كانت الذاكرة آنذاك جهازا معطوبا تماما.

19 نوفمبر

قبل الذهاب إلى الغرفة التي أعِدّت لنا بدأت الشكوك تتسرب إلينا تجاه السائق. قال فاضل إن مبادرته السريعة  لسحب  نقود كانت موضوعة على حافة واجهة السيارة الأمامية ووضعها تحت قدميه مثيرة للشكوك. أو لماذا لم ينزل من السيارة للتأكد من عدم إصابتها برصاصة. في الوقت نفسه كانت هناك الاحتمالات المعاكسة قوية أيضا: لماذا لم يتوقف السائق مباشرة طالما أن المسألة متفق عليها؟ ثم هل كان من الضروري إطلاق النار الذي  قد يثير الانتباه  ضدهم، خصوصا مع وجود دورية أميركية غير بعيدة عن الحادث.

20 نوفمبر

الساعة الآن الخامسة والربع صباحا: استيقظت بعد ساعتين من النوم تحت وطأة إحساس كاذب بأنني نمت يوما بأكمله.أمس وبعد حلول الليل تماما بدأت أصوات انفجارات تناءت إلى سمعي كأنها ضربات مطرقة عملاقة فوق سطح خشبي سميك يرافقها أزيز طائرات الهليكوبتر من وقت إلى آخر. لا بد أن حمودي قرأ الدهشة فوق وجهينا أنا وفاضل. إنها جزء من حملة لتنظيف منطقة الدورة من المخربين. متى بدأت هذه العمليات؟ سألته. منذ ثلاثة أيام بعد تصاعد عمليات التفجير في الأسبوعين الأخيرين.

20 نوفمبر

اليوم رافقت فاضل إلى “سدة الهندية” بسيارة قريب يعمل سائقا. كان علينا أن نخرج مبكرين كي نضمن العودة قبل حلول الليل. قال حمودي أنتم لا تحتاجون إلى أكثر من 40 دقيقة للوصول إلى تلك المنطقة. أخذنا طريق الخط السريع الذي بني بعد مغادرتي العراق. كان الطقس ساحرا حقا. سماء زرقاء  كالبلور لا علاقة لها بتلك السماء المتجهمة عند قدوم العواصف الترابية. حينما يصبح الفضاء مكتسيا بلون أحمر طيني والهواء مشبع بمسحوق ترابي خانق. على العكس من ذلك كان الهواء عذبا والشمس التي تصهر الإسفلت فوق الشوارع في الصيف تلبست قناعا مخادعا جعلتنا نشعر بالألفة الكاملة مع المحيط. ها هي بساتين النخل تطل وسط كتل الضوء المتهادية لتخلق ظلالا سميكة تتعارض معها. ولعل كثافة الظلال والخضرة التي تعتلي رؤوس النخل وراء تلك التسمية التي عرِف فيها العراق قبل أن يتشكل كيانا سياسيا سنة 1921: أرض السواد. لا يقتصر التطرف على  المناخ فحسب بل على قفا ووجه العراق: صحراء الجزيرة القاسية التي انعكست آثارها على سمات أبنائها، ووادي الرافدين: تلك الأرض التي تجاور النهرين عند اقترابهما من بعضهما البعض. الآن حتى بغياب مشهد النهر فإن من الممكن تلمسه في كل مكان: في أسراب الطيور المارة فوق رؤوسنا، في رائحة التربة المخضلة بمياهه، في القرى والبلدات التي سكنت إلى جواره منذ آلاف السنوات. بل حتى مع انقراض فئات واسعة من السكان هنا ومجيء أقوام جديدة فإن دجلة والفرات ظلا ينقلان بإخلاص جينات الأسلاف الذين عاشوا بجوارهما إلى المهاجرين الجدد ولن تمضي سوى عدة قرون حتى تتم صياغتهم وفق مشيئة هذين النهرين نفسيهما.

استغرقت الرحلة أكثر من ساعة. خصوصا مع قِدم سيارتنا التي بدا مظهرها أثريا  في طريق الخط السريع وما فيها من سيارات جديدة تندفع بسرعات مثيرة للدهشة. كان علينا أن نسأل عند كل منعطف ونقطة تقاطع “كيف نصل إلى سدة الهندية؟”. حينما توقفنا بجانب ذلك الكهل الحزين المعتمر دشداشة سوداء ولحية بيضاء لنسأله عن الطريق لم يتبادر في ذهني أننا قد وصلنا حقا إلى بيت فاضل. تلفتُ سائلا: أي بيت تريدون أن تذهبوا إليه؟ ولم تمض سوى ثوان حتى توجه إلى مؤخرة السيارة ليسأل المغترب القديم: ألم تعرفني؟ أنا صديقك في المدرسة.

أراد فاضل أن يصل إلى بيته بدون توجيه الآخر: دعني لوحدي اكتشف الطريق. بدأت السيارة بالتباطؤ أكثر فأكثر كلما أوغلنا  في الشوارع الفرعية تحت تأثير الحفر واختفاء الإسفلت عنها شيئا فشيئا ليحل محلها الطين. بدت البيوت على امتداد تلك الطرقات الموحلة كأنها موشكة على الانهيار. جاء صوت فاضل متفجعا: ما الذي حدث لهذه المدينة. فسدة الهندية كانت موقعا جميلا للرحلات المدرسية القادمة  من كل مدن وسط العراق. قال الآخر للسائق  قبل تجاوزه للفرع اللاحق: استدرْ يسارا. كأن ذاكرة فاضل  انكمشت على نفسها وهي تراقب المشهد الفجائعي: تحول محيط الطفولة والمراهقة إلى أنقاض. إنه رفض لا شعوري  قاطع للحاضر.

في كتاب “ما قبل الفلسفة” يجري المؤلف مقارنة بين حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل عبر فرضية فنتازية: لو عاد إلى الحياة شخص مصري قديم فإنه لن يستغرب لبقاء الأهرام ومعالم حضارته على حالها، فالطبيعة قد اعتنت بها كثيرا. الفيضان السنوي للنيل هو لصالح الأرض ولا يسبب وراءه أي خراب. أما الشمس فهي طوال السنة أم رؤوم بحيث لا تهبط درجات الحرارة كثيرا ولا تتجاوز الثلاثين مئوية في الظل.  كذلك فإن الكتلة البشرية  الكبيرة في وادي مصر غير محاطة  بكيانات بشرية ضخمة تهدد وجودها من وقت إلى آخر. كذلك هي الحال لو أن عراقيا قديما أعيد إلى الحياة فإنه لن يستغرب لاختفاء كل معالم حضارته، فقد اعتاد على الخراب الذي كانت تلحقه الفيضانات المنتظمة بها ناهيك بالدمار الذي كان يلحق بمدنه المستقلة كلما غزتها أقوام كانت تأتي من بلاد فارس وأواسط آسيا. لعل هذا السبب وراء  الحزن الذي توارثه العراقيون عن أسلافهم القدامى والمتجسد بفجيعة الفقدان. أقلب في ملحمة جلجامش التي ترجمها فراس السواح وأقف عند هذه الأبيات:

هل نشيد بيوتا لا يدركها الفناء؟ وهل نعقد ميثاقا

لا يصيبه البلى؟

هل يبقى ميراث الأخوة قائماً؟

وهل ينزرع الحقد في الأرض دواماً؟

هل يرتفع النهر ويأتي بالفيض أبداً؟

وهل يصافح وجهنا نور الشمس على الدوام؟

فمنذ الأزل لا تثبت الأمور على حال

وما أشبه النائم بالميت

كلاهما يفشي صورة الموت.

21 نوفمبر

مرت الأيام الثلاثة الأخيرة بسرعة خارقة. الشيء الذي تعمق في داخلي هو أن بغداد مدينة غريبة عني تماما، لم أشعر بهذه الدرجة من فقدان الاتجاهات في أي مكان سابق مثلما هي الحال هنا. طُرح في ذهني سؤال غريب: هل نحن مزودون ببوصلة تحركنا انطلاقا من موقع طفولتنا؟ لكن هذه البوصلة تتعطل حينما نعيش بعيدا عن ذلك الموقع. البوصلة التي أعنيها مختلفة عن البوصلة المعدنية التي تحمل الاتجاهات الأربعة.  إنه ذلك السؤال الملح الذي يحضر من وقت إلى آخر بدون كلمات: أين أنا. أو حينما تستيقظ من نومك أحيانا بدون أن تعرف موقعك. على ضوء ذلك يمكن  تقسيم الناس إلى مجموعتين، الأولى تضم أولئك الذين تحكمت فيهم بوصلاتهم إلى حد منعتهم من مغادرة المدينة التي عاشوا فيها حتى مع وجود مخاطر مستمرة على حياتهم. أمثلة على ذلك: محمود البريكان ومحمد خضير وعبد الرحمن الطهمازي ، أما الثانية فتشمل كل أولئك الذين تحرروا من سطوة البوصلة فيهم وتمكنوا من السفر بعيدا.

ما يميز الجزء الجديد من بغداد الذي تنامى خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة تجزؤه إلى مناطق منفصلة عن بعضها شبيهة بمضارب البدو، حيث تحتل كل عشيرة مضربا: حي شهداء السيدية، العامرية، الخضراء وهلم جرا. كأنها اتسعت من مناطق كانت تعد حديثة في بغداد مثل المنصور لتلتقي بمناطق راقية في ضفة الرصافة مثل الكرادة والمسبح. ترتبط كل هذه المناطق الحديثة ببعضها عبر شبكة طرق الخط السريع وبواسطة جسور برية معلقة وأخرى تمتد فوق دجلة جاعلة التنقل بين الضفتين أسهل بكثير مما كان سابقا. كل ذلك جعل بغداد التي أعرفها نائية عني فأنا لحد الآن لم أصل إليها. أنا اتحرك فوق رمال متحركة: المدينة السابقة قد جرفتها مدينة أخرى… وأنا أبحث عن أجزاء منها تظل هي نفسها تتخفى عن الأعين.

21 نوفمبر

كانت أسواق الكرادة غاصة بالناس. كان الوقت قبل الإفطار بساعتين، تنتمي وجوه الكثيرين من أصحاب المحلات إلى أبناء مدينة الثورة (التي سميت في العهد السابق بمدينة صدام)، وكم هو مفرح أن يجد المرء بغداد وقد امتصت جزءا من أبنائها ذوي الأصول الريفية- العشائرية الذين ظلوا مهمشين عنها ليدخلوا ضمن طبقتها المتوسطة. في شارع الكرادة التجاري تمتد المحلات الخاصة بالملابس ومجمعات الأسواق الحديثة، وما يبعث على الدهشة عدد باعة الأرصفة الذين فرشوا الأرض بسلعهم مما كان على المارة أن ينزلوا أحيانا إلى الشارع للتمكن من شق طريقهم.

لكن الناس كانوا يتحركون باسترخاء واضح. كان هناك عدد قليل من الفتيات يمشين بدون حجاب. رفضت نورس كبرى بنات وفاء تنفيذ طلب أخيها البكر نوار بوضع غطاء فوق رأسها. بل هبطت هي واختها الصغرى ميس بالجينز. كان السوق ينبض بحيوية متدفقة. العيد على الأبواب. سيكون العيد الاول الذي يعيشه البغداديون بدون نظام صدام. وعلى عكس ما تطرحه الفضائيات من مناخ سوداوي عن بغداد بدت حشود الناس فرحة ومستغرقة في الشراء وخالية من المخاوف. وإذا كانت الصحف اليسارية البريطانية مثل الغارديان والاندبندنت تسمي التفجيرات بأعمال المقاومة فإن الكثيرين ممن التقيتهم لا يعرفون عن أخبار العمليات المسلحة إلا عن طريق الفضائيات العربية. ولا يعتبرونها سوى عمليات تخريب. من الواضح أن الهدف منها هو ترهيب الناس وتخويفهم وكسر قدرتهم على التحمل: الكهرباء راحت تنقطع كل ساعتين. كانت هدية أبطال المقاومة للسكان المدنيين بعد خطاب الرئيس السابق تخريب خط أنابيب النفط المغذي لمحطة الكهرباء الرئيسية.  مع ذلك لم تُكسر روح المسرة لدى الناس. خلال وقت غياب الكهرباء يستخدم معظم أهالي بغداد المولدات سواء بشكل فردي أو عبر  اشتراك عدد من الجيران في جهاز واحد.

21 نوفمبر

بقيتُ حتى الساعة الخامسة في مناقشات متواصلة مع نورس. هي في الواحدة والعشرين وتدرس في كلية الهندسة. أسئلة لا متناهية: هي تصلي وتصوم وترفض في الوقت نفسه منطق المتزمتين تماما. لماذا يريد عمي أن أتحجب في الوقت الذي ليس هناك أي شيء يدل على أنه موجود في القرآن. أليس ما أقوم به هو الأهم. لماذا لا يهتمون بسلوكي بدلا من الاهتمام بالتوافه.

سألت نورس عن الجامعات في بغداد، فيما إذا كان هناك من لحقه الأذى من الأساتذة. “لم يُقتل سوى ثلاثة أساتذة” وهناك آخرون ذهبوا إلى الأردن.

في فترة الحرب غادرت أسرة حمودي منطقة السيدية التي كانت على الطريق الذي تقدم الأميركيون منه صوب بغداد ودارت فيها معارك عديدة. أقاموا فترة في منطقة العطيفية وسط العاصمة لكن انتقال حدة القصف إلى تلك المناطق اضطرهم إلى التحرك خارج العاصمة باتجاه بعقوبة. آنذاك خرج الملايين من سكان بغداد ليقيموا فوق أرصفة الطريق الواصل إلى بعقوبة حتى سقوط بغداد.

22 نوفمبر

الالتقاء بـ “أبو ظفار”. شعر أشيب وقامة طويلة ممشوقة، توحي ملامح وجهه على خلاف ذلك بتقدم غير حقيقي في السن. كان الصديق الرسام كاظم الخليفة قد أعطاني هاتفه وشجعني على التعرف به. بعد الاتصال به أمس من بدالة في الكرادة، أعطاني تفاصيل المكان الذي سنلتقي فيه. أمام الباب الخارجي للمبنى كانت هناك أسلاك شائكة وصفّ من الأحجار لمنع عبور السيارات في هذا الفرع المغلق إضافة إلى ثلاثة حراس مدنيين يعلقون على أكتافهم بنادق كلاشينكوف وعلى الجدار الأمامي كتبت لافتة صغيرة: الاتحاد الديمقراطي العراقي. عرّفني “أبو ظفار” بهذا التنظيم السياسي: إنه إطار يضم عددا من المنظمات الديمقراطية وهناك حوارات متواصلة لضم تشكيلات ديمقراطية أخرى له. قال إنه نائب الأمين العام للاتحاد، وهو يرأس تحرير صحيفة أسبوعية تعبر عن صوته: “القاسم المشترك”. ما هو هدفكم؟ سألته. نريد توحيد كل القوى الديمقراطية في العراق. وماذا عن التنظيمات الديمقراطية الممثلة في مجلس الحكم الديمقراطي؟ لدينا علاقة جيدة بها ونحن نلتقي بانتظام بممثليهم. حضرني سؤال لم أنطق به: كم سنة ستستغرق عملية التوحيد؟ لكنني بدلا من ذلك سألته عن الصعوبات التي تواجههم. قال “أبو ظفار” بنبرة قلقة: هناك مشكلة بارزة: التنظيمات تعاني من اندساس بقايا حزب البعث وهذا ما يجعلها تعيش ضمن إجراءات أمنية صارمة. قدم لي العدد الأخير من صحيفة “القاسم المشترك”. ثم أضاف: يتضمن هذا العدد مقابلة مع الأمين العام للاتحاد الديمقراطي. وحينما فتحتها فاجأتني الصورة أكثر من أي شيء آخر: إنه الصديق كامل مدحت الذي لم أره منذ عام 77. بلغتني أخبار عن صدور حكم بالإعدام ضده في فترة الثمانينات لكن عفوا لاحقا شمله في آخر لحظة. سألت “أبو ظفار” إن كان ممكنا اللقاء بكامل. من المحتمل أن يأتي اليوم. نحن لدينا اجتماع  في الساعة الحادية عشرة.

22 نوفمبر

كنت جالسا في ركن الصالة الطويلة النائي حينما دخل الصديق كامل مدحت. اتجه صوب الطاولة التي تحلق حولها عدد من المجتمعين. سمعتُ أبو ظفار يقول له: “هناك صديق قديم بانتظارك”. وحينما استدار صوبي كان ضوء الشمس المتسرب من النافذة يمنعه من تعرف ملامحي بينما بدا لي من موقعه المعتم أكثر وضوحا.

22 نوفمبر

في اللقاء بأول الأصدقاء الذين تركتهم ورائي، استيقظ الماضي الذي ظل يجوس كشبح مشكوك في حقيقته وسط دوامة أحلامي. فمع الحاضر المقطوع بحدة عن الماضي تصاب الذاكرة بالضمور التدريجي حتى يتسرب الشك بحقيقة أولئك الأفراد الذين شاركوا في صياغة رؤيتنا ووعينا. كامل هو واحد من الأصدقاء القلائل الذي جمعتني بهم عشرات الكتب التي تبادلناها ومئات الحوارات وعاطفة الصداقة الحقة. وحينما احتضن أحدنا الآخر كان كل منا يحاول اختزال فاصلة زمنية كبيرة بيننا بثوان قليلة.

لم يتغير كامل كثيرا: فروح الدعابة اللاذعة التي كان جميع الأصدقاء يسعون إلى تجنبها لم تستطع أصابع النظام البغيض أن تفت من عضدها. ها أنذا أسمع ضحكته الماكرة والمتفائلة في آن واحد، مقللة من شأن كل المصائب، حتى حينما يحل السرطان في جسده. سمعت قبل وصولي إلى بغداد أنه أصيب بسرطان القولون لكنه تشافى تماما. لم تظهر آثار الزمن على وجه كامل، بل بدا كأنه ظل متابعاً قراءاته ورؤاه. في بداية السبعينات تعمقت صداقتنا. كنت قد أكملت توا دراستي الجامعية، وفي شارع يغلي بالأفكار كانت لقاءاتنا مع أصدقاء مشتركين أقرب إلى جلسات إغريقية تدور فيها نقاشات مفتوحة حول أحدث التيارات الثقافية والفنية. ولا تنتهي حتى إلى ساعة متأخرة من  كل ليلة خميس. كانت القراءة بالنسبة لي آنذاك  حوارا  مع الذات ومع الآخرين، وكم كنت محظوظا لوجود صديق سبقني إلى الدخول في متاهة المعرفة بعدة سنين بفضل تقدمه قليلا علي في السن.  ما ظل كامل مدحت  يتمتع به هو قدرته النقدية المدهشة: الكشف عن الخلل في أي منظومة بطريقة جراح ماهر.

22 نوفمبر

لا بدّ أن تغيرا كبيرا حدث في الحساسية السياسية كي يتم اختيار كامل مدحت أمينا عاما لمجموعة من التنظيمات الديمقراطية. فشخص مثله لا يتحلى بزيف السياسيين غير مقبول بين أقرانه. على السياسي المحترف أن ينقل صورة وردية عن الواقع حتى يستطيع الاستمرار في عمله. إنه يرفض النظر إلى المرآة بل يفضل الصورة التي نجح في تكوينها عن نفسه بأذهان رفاقه وأنصاره. كل ذلك لا ينطبق على كامل مدحت. سمعته يتحدث مع “أبو ظفار” عن المقابلة الصحافية: يجب تقديمي كمتحدث رسمي للاتحاد فقط.

22 نوفمبر

بعد الاستفسار عن سبب محاكمته. حاول كامل أن يختصر حكايته إلى أقصى ما يمكن ماسحا كل تلك التفاصيل “الرهيبة” عنها. لعل وراء ذلك كبرياء عتيد يتجنب الوقوع في مصيدة “كسب الشفقة” بأي شكل من الأشكال: جرى اعتقال كامل مدحت عام 85. كان آنذاك يلتقي بصديقين  ومعهما كان  يتبادل الملاحظات عما يمكن القيام به بالنسبة للمثقفين لإيقاف مجزرة الحرب الجارية آنذاك بين العراق وإيران، لكن القبض على شخص يحمل معه هذه الملاحظات  كان كافيا لإلقاء القبض عليهم وتحويلهم بعد سلسلة طويلة من التعذيب والتحقيق إلى محكمة خاصة. كان هناك طابور طويل يسير ببطء  صوب صالة كبيرة. ومن كان لا يعود من حيث دخل فذلك يعني أنه أخِذ من باب يقع في الطرف الآخر للصالة لتنفيذ حكم الإعدام به في سجن أبو غريب، أما من يعود بنفس خط ذهابه فيكون قد صدر حكم بالمؤبد ضده. فالأحكام كانت مقصورة على هاتين العقوبتين فقط، ووسط وجبات المتهمين التي تضم إسلاميين وأكراداً وشيوعيين كانوا هم الثلاثة الوحيدين الذين لم تكن لهم روابط بأي تنظيم سياسي محظور. كان البعض منهم معرضا للضرب على يد رجال الأمن قبل إيصالهم إلى وسط الصالة. حكم على كامل وصديقيه بالمؤبد ولعل ذلك يعود إلى غياب أي دليل مادي يثبت صلة أي منهم بالحزب الشيوعي وبعد قضاء عام في السجن وتحت تأثير احتجاجات منظمات حقوق الإنسان العالمية والحاجة إلى الحصول على السلاح السوفيتي آنذاك أطلِق سراح مجموعة من السجناء بضمنهم هؤلاء الثلاثة.

23 نوفمبر

وقع ليلة أمس في منطقة العامرية انفجار وصلني صداه ضربة واحدة مزلزلة. كان الوقت حوالي الثانية عشرة. وفي اليوم اللاحق اتضح أنها عبوة فُجِّرت بمصفحة، ولم يُقتل أي شخص.

23 نوفمبر

السيارات في الشوارع نوعان: تلك المغرقة في قدمها وتبدو كأنها مصابة بالجدري وعلى وشك أن تتفكك إلى أجزائها الأولية المتآكلة وتلك الجديدة المغرقة في فخامتها. يشير قريبي السائق “فلاح” بنبرة حاسدة كلما شاهد واحدة من المجموعة الثانية: هذه من الحواسم. (السلع التي سرقت بعد انتهاء الحرب).

23 نوفمبر

مرة أخرى في مقر الاتحاد الديمقراطي العراقي للالتقاء بكامل مدحت لكنه لم يأت.  ليس ممكنا معرفة السبب مع انقطاع الهواتف وصعوبة التنقل. كان علي أن انتظر مجيء السائق القريب لإعادتي إلى بيت وفاء.

في صالة الاستقبال يأتي أناس مختلفون بعضهم زوار وبعضهم من المعنيين بنشاطات الاتحاد. التقيت بشخص يدعى إبراهيم وعرف نفسه بأنه رئيس “رابطة ضحايا الإرهاب”. حدثني عن علي عبد الله عبود الذي كان عمره 18 سنة حينما قُتل. أراني صورته وهو من حي الأمين في بغداد. كان هذا الشاب الوحيد في العراق الذي كتب “لا” في قسيمة التصويت الذي جرى يوم 15 أكتوبر 2002 لتجديد انتخاب الرئيس السابق الذي حصل آنذاك رقما قياسيا بلغ 100%. وقُتل بواسطة شخصين من المنظمة الحزبية بعد اقتياده إلى مقرها. استخدمت أعقاب البنادق في قتله.

23 نوفمبر

اللقاء بالفريق  الركن المتقاعد نوري حسين اسماعيل الذي انقطع راتبه الآن. كان واحدا من الضباط المتقاعدين الذين شاركوا في تدريب المدنيين ضمن برنامج أطلق عليه “يوم النخوة”. وبعد تحول هذه المبادرة إلى مؤسسة إدارية اسمها “دائرة النخوة” ارتفع راتبه التقاعدي من ثلاثة آلاف دينار (دولار ونصف الدولار) إلى 60 ألف دينار. فريق ركن بتقاعد كهذا في أغنى بلد في العالم! كان مظهر الفريق اسماعيل أنيقا ببدلته على الرغم من قدمها الواضح ولعله ما زال يمارس الرياضة إذ بدت بنيته متماسكة. هل يعمل سائقا الآن؟ على الأكثر. لكنني لم أسأله. حدثني عن فقدانه لابن ضابط أثناء الحرب ضد إيران وهو لا يعلم لحد الآن إن كان قد قُتل أو أسِر لكنه يرجح الاحتمال الأول. لم يكن في كل ما ذكره أي مسعى لكسب التعاطف. كان أمامي رمزا لذلك المزيج من الكبرياء والتواضع الذي سلّم بقدره وقدر المؤسسة التي قدم افضل سنوات حياته لها: الجيش، أولا عن طريق مصادرتها على يد مجموعة من الأميين القتلة جاءوا من قرية على حدود الصحراء الغربية كانت مجهولة من الجميع حتى وقوع انقلاب 68 : العوجة. وثانيا عن طريق حلها على يد بريمر بدون التفكير بحجم الخبرات التي تزخر بها أو بمساعي الكثير من ضباطها للتخلص من صدام وما ترتب عليه من سلسلة إعدامات كثيرة بينهم.

23 نوفمبر

التقيت بـ “أبو عبير” الذي يحتل جزءا من مبنى “اتحاد الديمقراطيين” مع أسرته وهو رئيس احدى المنظمات المشاركة في الاتحاد الديمقراطي. كنت اشعر بالحرج لتأخر السائق في الوصول. ولا بد أنه شعر بذلك. “ما رأيك بقدح آخر من الشاي”؟ “فكرة ممتازة” أجبته وأنا أراقب ساعتي. خصوصا مع اختفاء الكهرباء وحلول ضوء فانوسين محلها. جلب الفرّاش الشاب مع الشاي صحنا من الكعك. هل كنت هنا في فترة الحرب؟ سألته. لا أنا كنت أعيش في السويد وعدت مع أوائل المنفيين في بداية مايو. كانت أعمال السلب تجري في الطريق من عمّان بين سيارة وأخرى.

كان “أبو عبير” من الكوادر الشيوعية المتقدمة حينما بدأت حملة المطاردة ضد الحزب الشيوعي العراقي سنة 1979. آنذاك كان يحضّر لشهادة الدكتوراه في الفيزياء ببلغاريا، لكن وقوع حادث صدام بين الطلبة الشيوعيين والبعثيين آل إلى طرده من بلغاريا، وبعد تنقل في أكثر من بلد عاد إلى كردستان العراق، حيث التحق مثل الكثير من الشيوعيين العراقيين في قوات الأنصار هناك. نزل سنة 1985 إلى بغداد بمهمة حزبية وألقي عليه القبض. بعد محاكمة صورية قصيرة صدر ضده حكم بالإعدام وفي القاعة المخصصة للمحكومين بالاعدام قضى ستة أشهر.”كان الحرس يأتون كل يوم ليأخذوا وجبة منا” ومن الطابق الأسفل كان صوت انطباق الباب القوي دليلا على تنفيذ الحكم… كان الوقت العاشرة إلا خمس حينما جاءوا مع قائمة وعندما قرأها الضابط كان اسمي ضمنها. أنزلونا إلى طابق تحت أرضي  أوقفونا في صف واحد حتى الساعة السادسة نراقب الباب الانزلاقية متى ستفتح لندخل إلى غرفة التنفيذ. ثم حضر مسؤول آخر ليعلن عن عفو جاء توا من الرئيس وتحول الحكم فيه إلى السجن المؤبد.

في طريقه إلى قاعة سجن أخرى مد “أبو عبير” يده وسحب قبضة من تراب الساحة. فجاء أحد الحراس صارخا به: ما الذي التقطت من الأرض. لا شيء، لقد عدلت فردة حذائي. التفت الحارس إليه مشيرا إلى أعلى المباني المواجهة لهما: هل ترى تلك النقاط. هناك قناصة أعطيت الأوامر لهم بقتل أي شخص يتلكأ في خطواته. أنت نجوت مرتين اليوم. قال الحارس له.

ردد أبو عبير بنبرة واطئة: كنت أريد أن آخذ هذه الحفنة لترافقني أينما ذهبت وهذا ما فعلت. أنا محتفظ بها في كيس قطني صغير تذكارا لهذه الأرض القاسية بأبنائها. وفي سنة 1989 تمكن من مغادرة العراق سرا وذهب إلى السويد. وهناك بدأ تحوله نحو الديمقراطية مع متابعته للتجربة الاشتراكية الديمقراطية في ذلك البلد.

23 نوفمبر

كان الفانوس ما زال مشعولا حينما حضرت ابنته عبير. شابة متوقدة بحيوية مثيرة للدهشة. استطيع أن أقدر عمرها في بداية العشرين. بدا وجودها في ذلك المبنى آنذاك حدثا سرياليا في عالم رجالي يبقى واقفا على ساقيه بفضل البنادق المشرعة في كل مكان. حضرت إلى ذهني عمليات خطف النساء التي قرأت كثيرا حولها بعد انهيار النظام السابق. “ماذا تعملين الآن”؟ سألتها. “أنا أعمل منسقة بين مجلس الحكم والمنظمات الدولية غير الحكومية”. أردت أن أقول “في هذا السن”؟ ما أثار انتباهي هو أن حركة جسدها وطريقة حديثها تجعل الآخر بدون أن يشعر يتعامل معها كأنها رجل. “هل عشت كل حياتك هنا”؟

“لا أنا كنت في السويد مع أسرتي”.

“لكن لهجتك عراقية تماما بدون أي لكنة”. ولعل ذلك جعلها تشعر بالفخر. “هل تصدق إذا قلت لك إنني كنت أشعر بالغربة في السويد على الرغم من انني قضيت معظم سنوات حياتي. كان عمري ثمانية حينما وصلت مع أمي لأول مرة إلى السويد. لكن مشاعر الغربة كانت أعمق مع العراقيين هناك”. بعد مجيئها إلى بلد أبويها الذي لم تشاهده من قبل كان خوفها أن تتعمق مشاعر الغربة التي تحملها بين أنفاسها. وهناك في الناصرية مسقط رأس والدها شعرت بأنها جزء من عائلة كبيرة كانت تنتظرها. “جدي جعلني أجلس مع الزائرين الرجال في مضيفه” وهناك في تلك القرية شعرت لأول مرة في حياتي أنني انتمي أخيرا إلى بلد”.

شاهد أيضاً

مفكرة بغداد: يوميات العودة إلى مسقط الرأس(3)

لم تستغرق الرحلة بين دمشق وبغداد أكثر من عشر ساعات. ومنذ لحظة عبوري الحدود ظهر …