الرئيسية / قصص / أحمر..أسود

أحمر..أسود

أحمر..أسود

 

لا بدّ ان الريح كانت وراء انقطاع التيار الكهربائي. عبر النافذة  العريضة، لاحت

له الغيوم الكثيفة، موشحة بحمرة منطفئة، وامامه تلبست اشجار السنديان العارية اشكالا غامضة، حيث راحت تتمايل، بانتظام،  تحت ايقاع عويل العاصفة. التفت

“سالم” الى الداخل فواجهته عتمة ثقيلة. تلمس طريقه  صوب الباب الخارجي، كان

الشعور المتزايد بالضيق  يدفعه لمغادرة بيته. عند حافة الممشى الفاصل بين شقته والفضاء، توقف قليلا، مستندا على الحاجز. ادهشه مشهد البناية العملاقة، الواقعة

الى يمينه، اذ بدت واجهتها مستعرة بنقاط ضوئية خافتة قادمة من وراء النوافذ.

حال هبوطه الى الطابق الارضي، استرجعت عيناه الاتجاهات، كانت درجات العتمة التي تغلف الكتل حوله ترسم الطريق الذي يقود الى الشارع الرئيسي. مشى  الى جوار البناية، مبهورا بالمشهد، وعند حافتها استدار يمينا.

توقف “سالم” امام تلك الحانة القائمة وسط المسافة الفاصلة بين مسكنه ومحطة القطار، وكم ادهشه ان تكون غارقة في الصمت والعتمة، حتى انه انتابه الشك بصحة الوقت فوق عقربي ساعته. قبل الاندفاع  في خطواته، لمح بصيصا ضئيلا من الضوء، متسربا من درفة باب المبنى المجاور للحانة. كان على قناعة كاملة، بان ذلك المكان، قاعة “بِنْغو” مخصصة للمسنين، لكن القطعة المعلقة ، على احد مصراعي الباب، جعلته يشك بحقيقة وجود هذا المبنى من قبل: “للمغامرين فقط.. كل شيء او لاشيء”. مس بانامله الحروف الفسفورية فترجرجت اللوحة الصغيرة وراحت معها الكلمات تظهر وتختفي بانتظام.

هل هو الخوف وحده، الذي يدفع المرء لتجاوز حدوده؟ في تلك اللحظة كان “سالم” واقفا على عتبة تجربة مجهولة، وكلما اقترب من الباب اكثر، كلما اندفع قلبه بنبض اعنف.

في الداخل واجهته صالة غارقة بالفوضى: كراسي موضوعة فوق طاولات، لفائف مهملة من الابسطة، صفائح طلاء، سلالم، وفرش مبعثرة على الارضية، كان الضوء الابيض المنبعث من مصباح غازي، منتشرا، بدون اتساق، فوق الاشياء، فبدت ظلالها فوق الجدران اشباحا باهتة. عند طرف الصالة المقابل له، توزعت عدة ابواب نصف مفتوحة، على فراغات مظلمة. وفي زاوية الصالة، قريبا من المصباح الغازي المعلق على الجدار، كان هناك رجل جالس وراء مكتب، وعلى رأسه  “كاسكيتة” حمراء. قال، من دون ان يرفع رأسه: “تفضل.. كنت متوقعا  زيارتك هذه الليلة”. دعاه للجلوس على كرسي مقابل له، وعبر المسافة الفاصلة بينهما، كان بامكانه مراقبة تقاطيع وجه الاخر المتجهمة، واثار الندوب فوقه، اذ ظلت عيناه تراقبان ورق اللعب الممسوك بين اصابعه بعناية. “لدي لعبة  ستعجبك كثيرا”. رمى بثلاث ورقات امامه وكدّس  البقية جانبا. “كما ترى، هناك ورقتان سوداوان وواحدة حمراء، ساقلّبها بهذه الطريقة، وافرشها تحت عينيك، عليك ان تسحب ورقة واحدة، اذا كانت سوداء ستفوز بمليون جنيه”. قال “سالم” بعد لحظة صمت ثقيلة: “واذا كانت حمراء؟”، ضحك الاخر، قليلا: “ستدخل في لعبة اخرى” سعل قليلا، ثم رمى سيجارته على الارضية: “هل رأيت الابواب الخمسة المفتوحة؟  اذا اجتزت ايا منها فانت ستمر بنفق قصير يقودك الى الخارج.. في احد هذه الانفاق المظلمة يختبئ رجل واحد، مكلف باطلاق رصاصة واحدة فقط، تجاهك.” قال سالم، بعد ان استجمع انفاسه: “انها لعبة خطيرة”. قال الاخر، مخففا، بلهجة ودية:”انها ليست الا لعبة، هل تعرف ان اكثر سكان هذا الحي قد جربوا حظهم معي، فهل سمعت يوما عن مقتل اي شخص هنا؟” نهض سالم بحزم:”انا لن اخاطر بهذه اللعبة ابدا”، ثم مضى صوب الباب الخارجي. كان صوت الاخر يلاحقه مع كل خطوة يضربها: “ماذا لو اجعل الاوراق السوداء ثلاثا؟ اربعا؟ خمسا؟” وقبل ان يسحب سالم ذراع الباب، تردد في اذنيه اخر تعبير اطلقه ذلك الرجل الغريب: “عشر ورقات سوداء لك”. حل الصمت، قليلا. كانت تلك الكلمات اشبه بالتعويذة التي شلت عضلات ساقيه ويديه، لترجعه بعد وقت قصير الى كرسيه.

اشرقت اسارير الاخر، وهو يفرش الورقات امامه: “هذه هي اللعبة الوحيدة التي تخفف عني مرض الضجر، لن تصدق اذا قلت لك انها اقتراح احد اطباء الدماغ الكبار”. سحب سالم ورقة، انتفض قلبه، انحبس الهواء في صدره، وحينما رفعها الى عينيه انشطرت علامات البستوني السوداء الى فقاعات زاهية، ترقص في فضاء الحجرة الباردة. دفع خصمه اليه برزمة  ضخمة من النقود، مشدودة بشريط اخضر. اضاف، حينما شاهد “سالم” يتململ تهيؤا للخروج: “يمكنك الاستمرار في اللعب اذا احببت، بالاوراق الباقية”. بعد لحظات من الصمت، مد سالم يده اليسرى الى الورقة الثالثة ليقلبها فورا على صفحة المكتب المعدنية. كان اللون الاسود لرسومها ناصعا تحت ضوء المصباح الغازي.

هل هي القناعة الزائفة التي تصيب المقامرين بعد فوزهم الاول، بان قوى علوية تقف الى جانبهم، كانت وراء استمرار سالم في اللعب، ام انه الشعور الوهمي بامتلاك حاسة اضافية خارقة، تمكنه من قراءة المجهول؛ بعد الورقة السوداء

الثالثة، اندفع محموما بفتح الاوراق واحدة بعد اخرى، وحينما بقيت ورقتان، تلكأ قليلا. قال الاخر:”توقف عن اللعب اذا احببت.. تسعة ملايين جنيه مبلغ جد ضخم”. لكن الشعور بالقوة المتنامية، اجتاح كيانه. ها هي يده اليمنى، تمتد بكل جرأة، لتنتقي ورقة. ظهرت له صورة الكبّة الحمراء على زوايا ورقة اللعب الاربع، فاخترقه شعور بانه سجين كابوس ثقيل.

قال “سالم” متلعثماٌ: “مارأيك لو انني ارد لك النقود كلها مقابل..” فاجابه الاخر غاضبا: “انا لا احتاج الى نقودك.. هل تعرف انني اربح كل يوم اضعاف هذا المبلغ. ان ما يهمني هو معالجة نفسي قبل كل شيء”. اضاف مخففا، بعد ان اعتلى شحوب حاد وجه “سالم”: “لا تخف، احتمال عبورك الى الخارج، معافى، كبير جدا، بل هو شبه مؤكد، اضافة الى ذلك، فالعامل الجديد الذي اخترته لتأدية “المهمة” مصاب بقصر النظر، ومع انقطاع الكهرباء اليوم، سيكون شبه مستحيل ان يصيب الهدف”.

اخرج كيسا من احد جرارات مكتبه، واعطاها لسالم، كي يضع نقوده فيها. تظاهر سالم بالاذعان، فراح يدخل الرزم في الكيس ببطء متعمد، لكنه حال شعوره بشرود الاخر، للحظة، انقض عليه ضاربا اياه باكداس النقود الثقيلة، لينطلق راكضا صوب الباب.

اندفع صوب شقته، عبر اقصر الطرق، مخترقا حديقة صغيرة، خشخشت تحت قدميه، اوراق الشجر، مختلطة بحميم انفاسه المتسارعة، كانت اذناه تلتقطان، بحرص شديد، تلك الهمهمات الغامضة التي ما انفكت تلاحقه، وعيناه تتابعان شرر الضوء المنبعث من مصابيح اليد. وصل الى بنايته، اقتحم دون تردد، سلّمها الغارق في ظلمة مطبقة، تعثر عدة مرات، حتى عثر على درابزون السلم ، تشبث به، وراحت ساقاه تقفزان السلالم اثنتين اثنتين، ووراءه راحت الاصوات تتضح اكثر فاكثر، بين لحظة واخرى، كان شعاع ضوء خافت يخترق الظلمة ليرسم بقعا باهتة متحركة فوق الجدران.

عند الطابق الثالث، انحرف الى اليمين، اجتاز الشقتين المجاورتين لمسكنه. فتح الباب بارتباك كبير، وعيناه تتابعان تلك الاشباح التي بدأت ملامحها تتضح، وفي لحظة دخوله الى البيت، انفجر صوت صاعق كالرعد وراءه. اغلق الباب بكل الاقفال والمزاليج. ثم اسنده بطاولة ثقيلة.

حل صمت طويل، جعله يشك بحقيقة ما جرى له،  لكن قبل ان يسرقه النوم، تسرب الى سمعه  صرير منشار، يقطع، بدأب،  زجاج نافذة المطبخ المجاورة للممشى الاسمنتي.

*   *   *   *   *

قرأ الكاتب المقطع الاخير، عدة مرات، شعر خلالها باضطراب متصاعد في انفاسه، وحينما حاول البدء بمقطع جديد، ارتعش القلم بين اصابعه، تسربت الى  ظهره نوبة  برد غريبة، اجبرته على النهوض من كرسيه، وارتداء روبه الشتائي، مضى في خطوات منتظمة داخل حجرته، ذهابا وايابا. كان السكون عميقا حوله، اذ تجاوز الوقت الثالثة، زوجته وطفلاه يغطون الان في اعمق طبقات النوم. ومن النافذة لاحت له البيوت الانيقة المقابلة له نجوما مفروشة فوق سطح الهضبة المظلم. لم تكن فكرة هذه القصة واضحة لديه في البدء، بل هي كانت ثمرة تخطيط عشوائي، لصورة رجل، أُنجِزت في لحظة اكتئاب عابرة، اذ كعادته كان يمسك بقلم فحمي، كلما شعر بالضجر، ليخط على صفحات دفتر كبير دوائر واقواس ومثلثات، وعبر تداع حر ليده تتضح ملامح الاشكال الغريبة، احيانا ينتهي بشخابيط اطفال وحشية، واحيانا تظهر وجوه مثيرة فوق الورق، مهرجون، وقتلة، وحالمون. لكن الرسم الاخير الذي خطه كان مختلفا عن غيره: هنا ظهر له لاول مرة وجه حقيقي، تحمل ملامحه مزيجا من عناصر متعارضة ببعضها: سخاء مفرط ممزوج بقسوة دموية، حب طفولي للعب مشدود الى جدية قاتلة، ارادة حديدية وعبث هائل.. حينما كتب اول جملة في قصته، ظن بأنها ستقوده بعيدا عن الرعب الذي زرعته الصورة في نفسه، لكن قلمه قاد البطل  تدريجيا الى مخلوقه المخيف، ليوقعه في شراك افخاخه الغريبة.

رجع الى طاولته، سحب دفتر رسومه المركون الى يساره. قلع الصورة الاخيرة، تمعن بها قليلا، فاندفع الخوف في عروقه. مزق الورقة الى قطع صغيرة، ثم امتدت يداه الى صفحات القصة القليلة، لتحيلها الى كرة صغيرة.

في المطبخ انجز الكاتب اخر وجود مادي لكابوسه: احرق قطع الصورة وصفحات القصة المعكوشة، ثم ملأ كأسه بالنبيذ، استعدادا للنوم. انذاك، سمع دقات منتظمة، خافتة، على الباب، وحينما فتحه واجهه صاحب الكاسكيتة الحمراء، برفقة  اربعة رجال، ينبعث الجحيم من اعينهم.

*من كتاب “رمية زهر”، دار المدى، 1999، دمشق

 

شاهد أيضاً

مملكة النمل

من سيصدق منكم حكايتي؟ أعلم أنكم سترددون حال انتهائي منها: “هذيان مجنون”. وانا ينتابني مثلكم، …