الرئيسية / تراجم / أعمال وعناكب

أعمال وعناكب

من كتاب ميلان كونديرا: خيانة الوصايا

ترجمة: لؤي عبد الإله

(1)

زرع نيتشة الشك بعبارة (انا افكر) الناجمة عن تقليد نحوي يفترض بأن لكل فعل فاعل. يقول نيتشه إن “الفكرة تأتي عندما تريد هي لا عندما اريد “أنا”، لذلك فانها حقيقة  مزورة تلك التي تدّعي أن الفاعل “أنا” ضروري للفعل “افكر”. فكرة تأتي للفيلسوف من خارج، “من فوق أو من تحت؛ مثل الصدمات أوالصواعق؛ تتجه نحوه”، انها تأتي على عجالة الى نيتشه فهو يحب ثمار العقل شديدة الجرأة والغزارة؛ ولن يكف عن السخرية بالمتفيقهين الذين يرون التفكير “فعالية بطيئة وثقيلة شبيهة بالاعمال البدنية؛ وبالكاد تساوي قيمة العرق المنسكب من هؤلاء العلماء الابطال؛ مقابل الحصول عليها؛ بدلا من اعتبار فعل التفكير شيئا خفيفا مقدسا قريبا الى الرقص ومشاعر البهجة الروحية.”

يكتب نيتشه؛ في مكان آخر؛ ان على الفيلسوف “الا يسعى الى تزييف الاشياء والافكار التي توصل اليها بطريق آخر؛ بواسطة ترتيب مزيف للاستدلال والديالكتيك… علينا الا نخفي او نفسد الطريق الحقيقي الذي وصلت افكارنا

 الينا عبره. ومن المؤكد ان الكتب الاكثر عمقا واستمرارية في البقاء تتضمن اقوالا مأثورة واستنتاجات  مفاجئة، مشابهة لتلك الموجودة في كتاب باسكال

الشهير: “افكار”.”

“علينا الا نفسد الطريق الحقيقي الذي وصلت الافكار الينا عبره “:أجد هذه الوصية متميزة؛ وألاحظ انه منذ كتابه “الفجر” اصبحت فصول كل كتبه تحتل فقرة واحدة: وهذا الاسلوب يسمح بترديد الفكرة بنفس واحد؛ لذلك يجب مسكها بالطريقة التي تظهر؛ حال اندفاعها السريع صوب الفيلسوف.

(2)

تصميم نيتشه على الاحتفاظ  “بالطريق الحقيقي” الذي حضرت اليه الافكار، غير منفصل عن مبدأ آخر، يسحرني مثل الاول: انه مقاومة الاغراء بتحويل افكار الشخص الى نظام. تعيش الانظمة الفلسفية “هذه الايام وضعا بائسا لا تُحسَد عليه، هذا اذا كانت فعلا مازالت حية”. هذا الهجوم موجه صوب تحول الافكار داخل النظام الى دوغما، مثلما هي الحال مع شكل  النظام نفسه: ” انه فعل ناجم عن رغبة مبتكري الانظمة الفلسفية، بحشو الفراغات الموجودة في النظام، اذ بدملكة الوسط المحيط بها يسعون الى عرض النقاط الضعيفة بنفس الاسلوب الذي تُعرض به النقاط القوية.”

تظل الاطروحة الفلسفية التي تعرض نظاما ما، محكومة بتضمين مقاطع ضعيفة فيها؛ ليس لان الفيلسوف غير موهوب بل  لان شكل الاطروحة يحتاج الى هذه المقاطع؛ لان على الفيلسوف، قبل عرض افكاره المبتدعة،  ان يشرح ما قاله غيره حول المسألة التي تناولها بحثه، ان يقوم بدحضهم، ان يقترح حلولا اخرى، وان يختار افضلها عبر ايراد حجج داعمة – حجة مدهشة الى جانب حجة بيّنة ومسلم بصحتها، الخ-. سيقلب القارئ المتحرق صفحات كثيرة قبل الوصول الى جوهر القضية، الى فكرة الفيلسوف الجديدة. في كتابه “علم الجمال”، قدم هيجل لنا صورة للفن ذات تركيب رائع، يجعل القارئ مسحورا بتلك الرؤية الشمولية والعميقة؛ لكن النص نفسه بعيد عن ان يكون جذابا، اذ انه لا يجعلنا نرى كيف تبدو الفكرة، وهي تقترب مسرعة صوب الفيلسوف. في ميله لملء نظامه، شرح هيجل كل شيء، وبشكل مفصل، مربعا مربعا، انجا انجا، لذلك فان كتابه “علم الجمال” ظهر لنا كمزيج من عمل شارك بانجازه  نسر ثاقب البصيرة ومئات من العناكب البطلة التي راحت تغزل بانسجتها كي تغطي الشقوق.

(3)

اعتبر اندريه بريتون (في البيان السريالي) الرواية “جنسا ادبيا دون المستوى”، ذا اسلوب يستند على “معلومات صافية وبسيطة”؛ وطبيعة المعلومات المعطاة ” محددة بطريقة لا مبرر لها” ( ” انا لا اعطى اي امكانية للشك بطبيعة الشخصية: هل سيكون اشقر؟ وماذا سيُدعى؟…”)؛ والوصف: “ليس هناك شيء فارغ عقلياً مثل

تلك المقاطع؛ انها ليست سوى اكداس من الصور المبتذلة”؛ بعد هذا الحكم القاطع، نقرأ مثالا ينتقيه بريتون من رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي، وصفا لحجرة راسكولينكوف، مع هذا التعليق “البعض سيجادل بان هذا  الوصف الاكاديمي مناسب هنا، وان الكاتب محق في هذا المكان من احداث الرواية ان يغرقني بالتفاصيل”. لكن بريتون يعتبر هذه الاسباب غير مقنعة، لانني “لا اسجل اللحظات الفارغة من حياتي.” ثم اعتراضه على الجانب السيكولوجي في الرواية: الكشوفات الطويلة التي تخبرنا، كل شيء مقدما: “على هذا البطل، الذي افعاله ورود افعاله، متوقعة سلفا، الا يفسد – مع ذلك فيبدو انه على الاكثر سيفسد- حسابات الكاتب التي جعلته في موقع المفعول به”.

على الرغم من تطرف هذا النقد، لكننا لا نستطيع اهماله؛ انه يعبر بالضبط عن تحفظات  الفن الحديث تجاه الرواية. يمكن ايجاز اعتراضات بريتون كالتالي: المعلومات؛ الوصف؛ الاهتمام غير المجدي بلحظات الوجود الفارغة؛ السيكولوجية التي تجعل كل حركة يقوم بها البطل متوقعة؛ باختصار يمكننا وضع كل هذه العناصر بنقطة واحدة، انه فقدان الشعر من الرواية، الذي دفع بريتون كي يضع الرواية منتمية الى جنس ادبي متدنٍ. انا اتكلم عن الشعر الذي كان موضع تباهي السرياليين وكل المنتمين الى الفن الحديث – لا اعني بالشعر كصنف ادبي، كنظم للشعر، بل كمفهوم معين للجمال، كانفجار لما هو جد رائع، للحظة الحياة المتسامية، للعاطفة المكثفة، للرؤية الجديدة، للمفاجأة الخلابة. بالنسبة لبريتون، الرواية جنس ادبي لاشعري بكل معنى الكلمة.

(4)

فن الفيوغfugue: ثيمة واحدة تطلق سلسلة من الالحان melodies في هيئة كونتربوان (او طباق) counterpoint، تيار يحافظ خلال فترة عزفه على نفس الخاصية، نفس النبض الايقاعي، ككيان واحد. بعد باخ، وفي الفترة الكلاسيكية للموسيقى، تغير كل شيء، اذ اصبحت الثيمة اللحنية قائمة بذاتها وقصيرة؛ وهذا القصر جعل من التأليف الموسيقي المبني على ثيمة واحدة مستحيلا؛ ولغرض انشاء عمل ذي مقياس واسع (وما اعنيه هنا: التنظيم المعماري لفرقة العزف

المتحد ذات الصوت الضخم)، على مؤلف الموسيقى ان يلحق ثيمة باخرى؛ وبذلك ظهر فن جديد من التأليف، وهذا تطور، على  سبيل المثال، الى السوناتا، التي ظلت الشكل الاوسع انتشارا في المرحلتين الكلاسيكية والروماتيكية.

يتطلب الحاق ثيمة باخرى الى معابر او جسور للربط، كما يسميها سيزار فرانك. المفردة “جسر” تكشف عن مدى اهمية بعض المعابر في التأليف الموسيقي، (كثيمات قائمة بذاتها) ووجودها هو في خدمة الثيمات السابقة، ولها نفس الاهمية او الكثافة. عند الاستماع الى بيتهوفن، يستطيع المرء ان يحس بتغير الكثافة المستمر: في اوقات مختلفة من العزف هناك شيء جديد يبرز الى السطح، يتقدم صوبنا، ثم يختفي تدريجيا، ملاحقا بشيء جديد.

تناقض جوهري وقع في موسيقى “الشوط الثاني” (المرحلتين الكلاسيكية والرومانتيكية)، اذ اعتُبر سبب وجودها كامن  في قدرتها على التعبير عن العواطف، لكنها  في الوقت نفسه، كانت معنية باتقان بناء جسورها، ومقاطعها الختامية coda، واجزائها المتنامية  داخل العمل، وفق ما يتطلبه الشكل الموسيقي نفسه. هذه العناصر تدخل ضمن الحرَفيّة، الخالية من اي بعد شخصي، والتي يجب تعلمها، لكن من الصعب ايضا، اقصاءها عن الروتين او عن الصياغات الموسيقية العادية (وهذا يحدث احيانا حتى مع موسيقيين كبار كموتسارت او بيتهوفن، لكنه يحدث كثيرا مع موسيقيين معاصرين لهما  واقل موهبة منهما). لذلك فان الروحية والتكنيك هما دائما واقعان تحت خطر الانفصال عن بعضهما. بين ما هو آني وما هو مشغول عليه مرارا. بين المادة التي تسعى الى التعبير عن العاطفة مباشرة وبين النمو التكنيكي للعاطفة داخل العمل الموسيقي؛ بين الثيمات ومواد ملء الفراغات (ملء الفراغات افقيا بين الثيمات المختلفة، والملء العمودي للصوت الاوركسترالي).

هناك حكاية حول مَسورغْسكي Mussorgsky؛ في اثناء عزفه لاحدى سيمفونات شومان على البيانو، توقف بالضبط قبل فصل التنمية ليصرخ عاليا: “هنا تبدأ الرياضيات الموسيقية!” انه هذا الجانب المتحذلق، المبالغ في اتقانه، والذي هو ثقافي، اكاديمي، فاقد لاي الهام – وهذا ما جعل ديبوسي يقول بان السيمفونيات بعد بيتهوفن اصبحت “تمارين متقنة الصنعة ومتصلبة في آن واحد”، وان موسيقى برامز وتشايكوفسكي تتنافس على  “احتكار الضجر”.

(5)

لا يجعل هذا الانفصال بين الروحية والتكنيك،  الموسيقى الكلاسيكية او  الرومانتيكية، اقل شأناً من  موسيقى  المراحل الاخرى؛ اذ لكل فن منتم الى  مرحلة معينة مشاكله البنيوية؛ وهذا ما يغري الفنان للبحث عن حلول اصيلة، تقوده الى ايجاد اشكال جديدة. وموسيقى الشوط الثاني على علم بهذه المشكلة. بيتهوفن على سبيل المثال، نفث في الموسيقى  كثافة تعبيرية لم يسبق لها مثيل، في الوقت نفسه قام بتطوير فن السوناتا الى اعلى درجة حرفية، اكثر من اي شخص اخر. لذلك كان لهذا الانشقاق (بين التعبير الآني للعواطف  واستخدام التكنيك المناسب -المترجم) تأثيره الكبير عليه، وللتغلب عليه (لم يكن ناجحا دائما في سعيه)، ابتكر عدة استراتيجيات:

– على سبيل المثال، منح المادة الموسيقية المختلفة عن الثيمات- السلّم، ألاربيجو

arpeggio، التسليم coda والتنقل transition تعبيرية غاية في الروعة.

– او (على سبيل المثال) اعطاء بعد جديد للشكل الموسيقي المسمى بالتنويعات  variarion، اذ قبله كان هذا النمط مجرد براعة تقنية، تتكرر في الكثير من الاعمال الموسيقية، وكأنها موديل ملابس واحد يقدم في عرض ما، عبر  كل ما ترتديه عارضات الازياء. بيتهوفن قلب هذا الشكل من الداخل الى الخارج، وذلك  باخذه بنظر الاعتبار ما هو متخفٍّ داخل الثيمة من امكانيات نغمية وايقاعية وهارمونية؟ الى اي مدى يبلغ المرء في تحويل صوت الثيمة دون تغيير جوهرها؟ بطرح هذه الاسئلة موسيقيا، ما عاد  بيتهوفن بحاجة الى شكل السوناتا السائد في عصره، او الى الجسور او الى اقسام التنمية او حتى الى الحشوة( التي تملأ الفراغات الفاصلة بين الثيمات)، وهذا التكنيك جعله لا يخرج حتى للحظة واحدة عما هو جوهري بالنسبة اليه، خارج عالم الثيمة الغامض.

سيكون شيئا طريفا اختبار كل موسيقى القرن التاسع عشر كجهد متواصل للتغلب على مشكلة الانشقاق داخل بنيتها. بما يخص هذه الاشكالية، تأتي الى ذهني استراتيجية شوبان في التأليف الموسيقي، اذ مثلما ان تشيخوف لم يكتب ابدا رواية، كذلك هي الحال مع شوبان الذي ازدرى التأليف الموسيقي ذا المقياس الواسع (السيمفونيات على سبيل المثال -المترجم)، مفضلا على الاغلب اعمالا صغيرة ( قطع المازوركا والبولونيز، مقطوعات ليلية nocturn، الخ…بعض الاستثناءات اثبتت صحة هذه القاعدة: تعتبر اعمال كونشرتو البيانو التي الفها ضعيفة.). هذا المنحى كان مضادا لروح عصره. انذاك كانت السيمفونية، الكونشرتو، الرباعي، المعيار القسري لاختبار اهمية هذا الموسيقي او ذاك. لكن بوضع هذا المعيار جانبا استطاع شوبان ان يبدع مجموعة متجانسة من الاعمال التي تقف لوحدها من ذلك العصر، محتفظة بحيويتها لعصرنا وللعصور القادمة. بالنسبة لي، تكشف استراتيجية شوبان  الاسباب التي  جعلت القطع الموسيقية الاصغر حجما، والاخفت صوتا، لكل من  شومان، شوبرت، دفوراك وبرامز، اجمل بكثير من السيمفونيات واعمال الكونشرتو التي الفوها. هذا يعود باعتقادي الى ان الانشقاق الجوهري في موسيقى الشوط الثاني (بين التكنيك والروحية) كان في التأليف الموسيقي ذي المقياس الواسع (السيمفونيات واعمال الكونشرتو).

(6)

بانتقاده لفن الرواية، هل كان بريتون يعني نقاط ضعفها او ما هو جوهري فيها؟ دعونا اولا نثبت بان انتقاداته موجهة لجماليات الرواية التي ترسخ شكلها في بدايات القرن التاسع عشر مع بلزاك. كانت الرواية في قمة حيويتها انذاك، حيث احتلت لاول مرة موقعا متميزا كقوة اجتماعية ذات تأثير كبير؛ مسلحة بقوة اغراء مماثلة لقوة التنويم المغناطيسي، وممهدة لظهور الفن السينمائي: هكذا اصبحت المشاهد المشابهة لما يجري في الحياة، قادرة على النفاذ الى شاشة مخيلة القارئ لتختلط بمشاهد من حياته الخاصة؛ لتحقيق شد القارئ واستعباده، كانت تحت يد الكاتب عُدّة كبيرة تسمح له بفبركة وهم الحقيقة؛ مع ذلك فان هذه العدة  التي استخدمها الروائي خلقت انشقاقا بنيويا مثلما هي الحال في الموسيقى الكلاسيكية والرومانتيكية.

بما ان منطق السببية الدقيق يساعد على جعل الاحداث اكثر اقناعا، لذلك اصبح غير ممكن حذف اي جزء من سلسلة الاحداث ( مهما يكن ذلك الجزء خاليا من الاهمية اذا اخذ لوحده).

وبما ان الشخصيات يلزمها ان تظهر كأنها “حية”، اصبح ضروريا حشد اكبر كمية من المعلومات حولها في الرواية( مهما تكن هذه المعلومات خالية  من الاهمية).

ثم هناك التاريخ: استخدام حركته البطيئة بالشكل الذي يكون تقريبا غير مرئي، ثم تبدأ الحركة بالتسارع، ثم فجأة ( هنا تجربة بلزاك العظيمة)، وفي اثناء فترة حياة الافراد، يبدأ كل شيء بالتغير – الشوارع التي يمشون عليها، اثاث بيوتهم، المؤسسات التي يعيشون قريبا منها؛ هكذا تفقد خلفية الحياة الانسانية استقرارها؛ بدلا من ان تكون مسرحا ذا احداث متوقعة؛ هنا  كل شيء في طور التغير، واذ تتغيرصورة اليوم غداً، يصبح القبض على هذه الصورة ورسمها جد ضروري (مهما تكن صور الوقت العابر مضجرة).

اكتُشفت خلفية  اللوحة في الرسم  خلال عصر النهضة Renaissance، اضافة  الى المنظور، الذي يقسم اللوحة الى ما هو امامي وما هو خلفي. وقد خلق هذا

الاكتشاف  مشكلة خاصة بالرسم: البورتريت، على سبيل المثال: يحتل الوجه موقعا اكثر اهمية واكثر جاذبية من الجسد، واكثر من الستارة الخلفية. هذا شيء طبيعي، اذ هكذا نحن نرى العالم المحيط بنا، مع ذلك، فما هو طبيعي في الحياة لايتماثل مع متطلبات الفن الاصولية: عدم التوازن في الرسم، بين المساحات المميزة، وبين تلك التي تعتبر ثانوية، لكنه بحاجة للمعالجة كي يتحقق التوازن في اللوحة. او الغاء كل هذا التعارض القائم، باقتراح  جماليات جديدة للرسم.

(7)

بعد عام 1948، وخلال اعوام الثورة الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا، راقبت الدور الكبير الذي لعبه العمى  الغنائي في زمن الرعب. بالنسبة لي، كانت تلك الفترة

التي فيها تسلط “الشاعر جنبا الى جنب مع الجلاد” (الحياة هي في مكان اخر). كنت افكر بماياكوفسكي انذاك؛ كم كانت عبقريته ضرورية للثورة الروسية  مثل ضرورة شرطة  جيرزيفنسكي. الغنائية، الاجواء الغنائية، الحديث الغنائي،  الحماس الغنائي هي جزء  متكامل مع العالم الاستبدادي، ذلك العالم هو ليس عالم الكولاك gulag الحقيقي، بل هو كولاك  يمتلك اشعارا  مكتوبة على الجدران ويرقص الناس امامها.

بالنسبة لي، كان التحويل الغنائي للرعب اكثر من الرعب نفسه، لكنه في الوقت نفسه اكسبني مناعة دائمية ضد اغراءات الغنائية. الشيء الوحيد الذي اردته  بقوة هو رؤية واضحة متحررة من الوهم. وانا في الاخير عثرت عليها في فن الرواية. لهذا السبب، بالنسبة لي، ان يكون المرء روائيا  هو اكثر من كونه  شخصا يعمل في “صنف ادبي معين” دون غيره؛ انه امتلاك وجهة نظر ما، حكمة ما، موقع ما؛ موقع يلغي اي تطابق مع سياسة معينة، مع دين معين، مع ايدولوجيا معينة، مع نظرية اخلاقية معينة، مع اي مجموعة. هذا اللا تطابق العنيد والغاضب، لا يُنظَر له كهروب او موقف سلبي بل كمقاومة، كتحدي، كتمرد. هذا الموقف قادني الى حوارات شاذة كهذه: “هل انت شيوعي يا سيد كونديرا؟ “لا، انا روائي.” “هل انت منشق؟.”لا، انا روائي.” “هل انت يميني او يساري؟” ” لست هذا او ذاك، انا روائي.؟

منذ شبابي المبكر، وانا مشغوف بالفن الحديث- رسما وموسيقى وشعرا. لكن  الفن الحديث موسوم “بروحه الغنائية”، باوهامه حول التقدم، بايديولوجيته الداعية الى  الثورة المزدوجة  سياسيا وجماليا، وكل هذه الاشياء بدأت امقتها تدريجيا. مع ذلك فان شكوكيتي بروحية الفن الطلائعي، لم تؤثر قط على شغفي بالاعمال الفنية المعاصرة. انا احبها جميعا، واحبها اكثر لانها كانت الضحية الاولى  للاضطهاد الستاليني؛ في روايتي “المزحة” يرسَل البطل جينك الى وحدة عسكرية تأديبية بسبب حبه للرسم التكعيبي؛ هكذا كانت الامور انذاك: الثورة اعتبرت ان الفن الحديث عدوها الايديولوجي الاول، على الرغم من ان ما كان يريده هؤلاء  الحداثيون هو السماح لهم بالتغني بمحاسنها. لن انسى  ابدا كونستانتين بيبل، ذلك الشاعر البارع، الذي حفظت الكثير من ابياته، والذي دُفع تحت وطأة حماسه الشيوعي، الى كتابة  قصائد دعائية هابطة المستوى، بعد 1948. ولن تمر سوى فترة قصيرة، حتى يقوم بالقاء نفسه من النافذة ليموت على احد ارصفة  براغ؛ في هذا الكائن المرهف، رأيت الفن الحديث موضوعا للخيانة، للزنى، للاستشهاد، للقتل، للتدمير الذاتي.

ولائي للفن الحديث مبني على عاطفة قوية مثلما هو حبي للرواية اللاغنائية. القيم الشعرية القريبة الى روح بريتون، هي قريبة الى روح الفن الحدثي بشكل عام

( التوقد، الكثافة، المخيلة الجامحة، احتقار “لحظات الحياة الفارغة” وتجنب نقلها الى العمل الادبي)، مضيت باحثا في الارض غير المخدوعة للرواية. لكن هذا ما جعلها اكثر اهمية لي، ولعله لهذا السبب اجدني مصابا بحساسية مشابهة لذلك الضجر الذي كان ديبوسي يشعر به لدى سماعه سيمفونيات برامز وتشايكوفسكي: مصابا بحساسية من قرقعة العناكب اثناء عملها الصعب، وهذا قد يفسر سبب اعراضي عن فن بلزاك لفترة طويلة، وسبب انشدادي الخاص لرابليه.

(8)

لم يكن التعارض القائم بين الثيمات والجسور، بين المنظر وخلفيته، معروفا من قبل رابُليه.  انه يتحرك برشاقة من موضوع شديد الجدية الى قائمة الاساليب التي ابتكرها غارانتوا الصغير في تنظيف حماره، ومع ذلك، فان كل هذه العناصر، سواء كانت رصينة او عابثة، فهي جماليا تمتلك نفس الاهمية في عمله، وتمنحني متعة متساوية. هذا ما يعجبني فيه، وفي روائيين مبكرين اخرين: انهم يتكلمون عما اثار اعجابهم الشديد، ثم يتوقفون حال نفاد ذلك الشعور لديهم. الحرية التي يتمتعون بها اثناء التأليف تطلق عنان احلامي: في الكتابة دون فبركة الشعور بالترقب لدى القارئ، بدون خطة، بدون العمل على جعلها قابلة للتصديق، في الكتابة دون وصف لفترة ما، لوسط ما او مدينة ما؛ في ترك كل هذه العناصر والتمسك فقط بما هو مهم؛ بصيغة اخرى: خلق عمل تكون فيه الجسور والحشوات لا مبرر لوجودها، حيث يكون الروائي غير مجبر – من اجل الشكل ومتطلباته- للتخلي حتى عن سطر واحد مما هو مهم بالنسبة له، ومما هو مسحور به.

(9)

الفن الحديث: ثورة ضد تقليد الواقع، باسم قوانين الفن المستقلة ذاتيا. وأحد المتطلبات العملية لهذه الاستقلالية، هو ان جميع اللحظات، جميع الاجزاء الصغيرة في العمل لها اهمية جمالية متساوية.

الانطباعية: المشهد الطبيعي يُنظر له ببساطة كظاهرة بصرية، لذلك فان الانسان ليس له اهمية اكثر من غابة. الرسامون التكعيبيون والتجريديون ذهبوا خطوة ابعد بازالتهم البعد الثالث، الذي يقسم اللوحة بشكل قسري  الى مستويات متعددة ذات اهمية مختلفة.

في الموسيقى، التوجه نفسه صوب تحقيق المساواة  الجمالية لكل لحظات العمل: ساتي Satie، الذي تكمن بساطته في رفض استفزازي للبلاغة الموسيقية المتوارثة. ديبوسي،  الطارد لكل العناكب العاملة على ربط فواصل العمل الموسيقي. ياناتشيك الذي اقصى كل نوتة  لا تكون جد ضرورية في موسيقاه. سترافنسكي الذي  ابتعد عن الارث الكلاسيكي والرومانتيكي، واتجه للبحث عن نماذجه بين موسيقى تاريخ  “الشوط الاول”. ويبرن، الذي رجع الى الثيمة الاحادية الخاصة به (باستخدام نظام الاثنتي عشرة نغمة)، ليبلغ درجة في الايجاز لم يبلغها احد قبله.

وفي الرواية: مساءلة شعار بلزاك الشهير: ” على الرواية ان تتنافس في دقتها مع سجل الاحوال المدنية”.

اذا كان على الشخصية  ان تتنافس مع سجل الاحوال المدنية، فعليها اولا  ان تتخذ اسما. من بلزاك وحتى بروست، الشخصية التي لا اسم لها غير ممكن تصورها. لكن بطل رواية ديدرو “جاك القدري” بلا كنية، ومعلمه لا اسم ولا كنية له.  بانورَج – هل هو اسم اول ام الاسم العائلي؟  الاسماء الاولى بدون الاسماء العائلية، والاسماء العائلية بدون الاسماء الاولى، هي محض رموز. ليس اسم بطل رواية كافكا “المحاكمة” جوزيف كوفمان او كرامر او كول، بل جوزيف ك. البطل في رواية “القلعة” يفقد حتى اسمه ليكتفي بحرف واحد. يدعى  احد ابطال رواية “الابرياء” لبروك، بـ “أ”، وفي رواية “المشاة النائمون” ليس لـ “ايش” او “هوغونو” اسم اول. “اولرش” بطل رواية “رجل بلا مناقب” لموزيل، بلا اسم عائلي. في قصصي الاولى، تجنبت، وبشكل غريزي، اعطاء اسماء لابطالي. في رواية “الحياة هي في مكان آخر” البطل له اسم اول فقط، وامه معروفة باسم”ماما” فقط، وصديقته “صاحبة الشعر الاحمر” وصديقها يعرف باسم “الكهل”. هل هو اسلوب خاص؟ في ذلك الوقت كانت اختياراتي عفوية، ولم افهم ما تعنيه الا لاحقا: انا كنت اطيع جماليات الفترة  الثالثة (او الوقت الاضافي): لم اكن اريد ان اجعل القراء يظنون بان ابطالي حقيقيون ولديهم سجل عائلي.

(10)

تتضمن رواية “الجبل السحري” لتوماس مان، مقاطع طويلة جدا من المعلومات عن الابطال، عن ماضي كل واحد فيهم، عن طريقة ارتدائه للملابس، عن طريقة حديثه؛ وصف تفصيلي لحياة المصح؛ وصف للحظة التاريخية  التي سبقت الحرب العالمية الاولى: على سبيل المثال، العادات الاجتماعية لذلك العصر؛ الولع الشديد بالتصوير المكتشف حديثا، الهوس بالشوكولاته، الرسم والعينان معصوبتان، لغة الاسبيرينتو، العزلة، الاستماع الى الفونوغراف، الجلسات الروحانية (روائي حقيقي، مان شخّص مرحلة نُبذت بعد فترة قصيرة دون وجود تاريخ مصور لها).

الاسهاب الشديد في الحوار يكشف عن دوره الاعلامي في الرواية، كلما ابتعد هذا الحوار عن ثيمات الرواية  الاساسية، ومع توماس  مان حتى الاحلام تقوم بالوصف: بعد قضاء يومه الاول في المصح ينام البطل هانز كاستروب، وفي حلمه المألوف والدقيق، يشاهد احداث اليوم ثانية في شكل محوّر قليلا. هذا الحلم بعيد جدا عن بريتون، الذي كان يرى في الحلم منبعا للمخيلة المتحررة من اعماقنا. هنا الحلم له وظيفة واحدة: لجعل الوسط مألوفا للقارئ، ليرسّخ الصورة الوهمية لحقيقة الواقع.

هكذا  تم بناء خلفية شديدة الاتقان، تسمح، بتحقق قدر كاستروب كاملا، وبتحقق النزال الايديولوجي بين شخصيتين مصابتين بالسل: ستمْبريني ونافتا، الاول ماسوني ديمقراطي والثاني راهب واوتوقراطي، وكلا الشخصين مريضان الى نقطة اللاشفاء، وتوماس مان باسلوبه التهكمي الهادئ يضع حقائق هذين المتنافسين المتعلمين ضمن اطار نسبي، حيث ليس هناك منتصر بينهما. لكن طابع الرواية التهكمي في الرواية يبلغ  قمته، في المشهد الذي يظهر كل واحد من البطلين  محاطا بمجموعة من المستمعين، حيث  يبدو كل منهما مهووسا  بمنطقه العتيد، ومهووسا بدفع حججه الى الحد الذي يصبح عسيرا تحديد من منهما  يقف الى جاتب التقليد، ومن منهما الى جانب الافكار التقدمية، مَن مع ما هو عقلاني ومن مع ما هو لاعقلاني، من هو لصالح الروح ومن هو لصالح الجسد. على عدة صفحات نشهد قدرا هائلا من البلبلة الذهنية، حيث  تفقد  الكلمات معانيها، وحيث  الحوارات تصبح اعنف فاعنف بسبب التغير المستمر في مواقع المحاورين. في المائتي صفحة الاخيرة من الرواية(الحرب ستبدا قريبا) ، يقع جميع نزلاء المصح في حال، من الهياج اللاعقلاني، والحقد غير المبرر، ثم يقوم “ستَمْبريني” بشتم

“نافتا”، وهذا يقود الى مبارزة تقع بين المريضين لتنتهي بانتحار احدهما؛ ولنفهم بطريقة مفاجئة ان سبب العداوة بين هذين الشخصين لاتعود الى العداء الايديولوجي غير القابل للمصالحة بل الى عدوانية تتجاوز حدود المعقول، قوة غامضة لا تقبل التفسير، حيث لا تكون الافكار الا شاشة، حجة او قناعا. لذلك يمكننا اعتبار هذه الرواية الرائعة رواية افكار، وفي الوقت نفسه، فيمكن اعتبارها ( خصوصا بالنسبة الى قارئ في  نهاية هذا القرن) اعادة بحث رهيبة في افكار من هذا النوع،  وداع عظيم لمرحلة كانت تؤمن بالافكار وبقدرتها على تسيير العالم.

على الرغم من تقارب تاريخي ميلاد مان وموزيل، لكن جماليات كل منهما تنتمي الى مرحلتين مختلفتين في تاريخ الرواية. كلا الروائيين مفكران واسعا الرؤية. في رواية توماس مان، تظهر الافكار فقط عبر الحوارات المتحققة على خلفية  العمل الروائي الوصفية، بينما نجد في رواية “رجل بلا مناقب” لموزيل، الافكار تتجلى في كل نقطة من العمل، وباتقان عال؛ فمقابل رواية مان الوصفية، يمكن

اعتبار رواية موزيل فكرية. هنا ايضا الاحداث تقع في وسط  حقيقي (فينا) وفي لحظة حقيقية ( نفس الفترة التي تقع فيها احداث رواية “الجبل السحري”: تماما قبل ابتداء الحرب العالمية الاولى في عام 1914)، لكن بينما نجد ان المكان في رواية مان، موصوفا بكل دقة، نجد مقابل ذلك، ان اسم فينا في رواية موزيل يكاد يكون معدوما، بل ان  الكاتب لم يتنازل حتى عن الاشارة الى شوارعها، وساحاتها وحدائقها (انه بكل بساطة اسقط هذه العُدّة المساعدة على خلق الايهام بحقيقة الواقع). نحن في عصر الامبرواطوية النمساوية – المجرية، لكنها سميت، باسم ساخر قصير: كاكانيا. كاكانيا: الامبراطورية، بصيغتها الهلامية العامة، مختصرة الى عدد قليل من الاوضاع. الامبراطورية متحولة الى نسخة تهكمية عن الامبراطورية. هذه الـ “كاكانيا” لا تحتل موقع الخلفية للرواية مثلما يكون عليه المصح “دافوس” في رواية توماس مان، انها تشكل احدى ثيمات الرواية الكثيرة؛ انها لاتوصف، بل يتم تحليلها واعادة التفكير فيها.

يعتبر توماس مان  رواية “الجبل السحري” ذات  تركيب موسيقي، مبني على ثيمات تنمو مثل نمو العمل السيمفوني، على اساس التكرار والتقاطع ومصاحبة احداث الرواية. هذا صحيح، لكن من الضروري التنبيه على  ان الثيمة لا تدل على الشيء نفسه بالنسبة  لمان وموزيل. كبداية، يمكن التنويه بان ثيمات “الجبل السحري” ‎ الزمن، الجسد، المرض، الخ.) تنمو امام خلفية لا ثيمية (وصف المكان، الوقت، العادات، الناس) شبيهة بنمو الثيمات في السوناتا في وسط موسيقي مختلف عن الثيمة – الجسور والتحويلات. اضافة  الى ذلك فان ثيمات مان “متعددة الفروع” في طبيعتها، بصيغة اخرى: يستثمر مان كل الوسائل التي توفرها فروع المعرفة المتعددة – سوسيولوجيا، علوم سياسية، طب، نبات، فيزياء، كيمياء- لاضاءة هذه الثيمة اوتلك؛ كما لو انه يأمل ان يحقق عن طريق جعل المعرفة شعبية خلق  قاعدة تعليمية  صلبة لتحليل الثيمات؛ على ما اراه،

غالبا، ما تسبب  هذه التمديدات الطويلة انحراف الرواية عما هو جوهري – دعونا نتذكر، بان الجوهري في الرواية، هو الشيء الذي لا يمكن ان تقوله الا الرواية.

في رواية موزيل: “رجل بلا مناقب” تحليل الثيمة، شيء اخر: اولا، الثيمة لا صلة لها بحقول المعرفة المتعددة الفروع؛ الروائي لايضع نفسه في  موضع العالم، او الطبيب، او  السوسيولوجي، او المؤرخ، بل هو يقوم بتحليل  تلك الاوضاع الانسانية غير المنتمية الى اي حقل معرفي، بل هي بكل بساطة جزء من الحياة.

يشارك بروك الروائي موزيل هذه الرؤية، التي حددت المهمة التاريخية  للرواية بعد عصر الواقعية السيكولوجية: اذا كانت الفلسفة الاوروبية عاجزة عن تناول حياة الانسان، وتناول “ميتافيزيقه الحقيقي”، يصبح قدر الرواية انذاك ان تحتل هذا الموقع الفارغ، حيث لا شيء يمكن التعويض عنها( الفلسفة  الوجودية اثبتت ذلك بواسطة البرهان السلبي؛ بما ان تحليل الوجود لا يمكن ان يتحول الى نظام فلسفي؛ لذلك فان الوجود لا يمكن تحويله الى نظام، وهايدجر، عاشق الشعر، كان على خطأ حينما استهان بتاريخ الرواية، متجاهلا ما يتضمنه من كنوز الحكمة الوجودية العظيمة).

ثانيا، وكشيء معارض لتوماس مان، في رواية موزيل كل شيء يصبح ثيمة (الاستفسار الوجودي). واذا كان كل شيء ثيمة، عند ذلك تختفي الخلفية، ومثلما هي الحال في التكعيبية، ليس هناك خلفية للوحة بل كل شيء بارز فيها. انه هذا الالغاء لخلفية الرواية، الذي اعتبره ثورة بنيوية قام موزيل بتحقيقها. لا تكتسي التغييرات الكبيرة عادة مظهرا شديد الوضوح. اذ يعطي بطء ايقاع “رجل بلا مناقب”، وتأملاتها الطويلة انطباعا بكونها عملا تقليديا. لا قلب لمسار الاحداث، لا مونولج داخلي على طريقة جويس. لا الغاء لعلامات الترقين. لا ابادة لشخصية ما

او لفعل محدد. خلال ما يزيد عن الالفي صفحة، نتابع قصة متواضعة تدور حول الشاب المثقف، اورلش، الذي يقوم بزيارة عشيقاته المتعددات، ويلتقي ببعض اصدقائه، ويعمل لمنظمة رصينة وغريبة في آن ( هنا تنحرف الرواية بصورة تدريجية عما هو قابل للتصديق قريبة جدا من عالم المسرح)، هدفها هو تنظيم احتفال سنوي يخص الامبراطور.”مهرجان للسلم” مخطط (وهذه هي القنبلة الكوميدية المرمية تحت اسس الرواية) لعام 1918. كأن كل وضع في الرواية مجمد في مساره (يستحضر موزيل في الايقاع البطيء احيانا جويس) كي يتم التأمل فيه والبحث عن معناه، كيف يمكن ادراكه واعادة التفكير فيه.

في رواية”الجبل السحري”، حوّل مان السنوات القليلة السابقة لعام 1914  الى حفلة وداع  رائعة للقرن التاسع عشر، الذي ذهب الى الابد. احداث رواية “رجل بلا  مناقب” تدور في نفس السنوات لكنها تختبر الاوضاع البشرية  للسنوات المقبلة: العصر الحديث الذي ابتدأ سنة 1914، والذي نشهد الان نهايته. كل شيء موجود، في “كاكانيا” موزيل: سيطرة  التكنولوجية الجامحة التي تحول الناس الى احصائيات (تبدأ الرواية من حادث سيارة؛ رجل مرمي على  الارض، وشخصان من المارة يعلقان على حوادث المرور، ذاكرين عدد المصابين في كل سنة). السرعة التي اصبحت القيمة العظمى في عالم مشبع بالتكنولوجيا، وبيروقراطية سريعة الانتشار ومعتمة (مكاتب موزيل شبيهة كثيرا  بمكاتب كافكا). عقم الايديولوجيات المضحكة، التي لا تفهم اي شيء، والتي لا تقدم اي دليل (العصر الذهبي لبطلي “الجبل السحري” المريضين قد انتهى)؛ الصحافة، الوريث لما كان يسمى بثقافة؛ المتواطئون مع الحداثة؛ التعاطف مع المجرمين كتعبير باطني (روحاني) عن ديانة  حقوق الانسان (الشخصيات كلاريس وموسبراغر).

(11)

حال انتهائي من كتابة “حفلة الوداع” في بداية السبعينات؛ شعرت بأن مهنتي ككاتب قد انتهت. ذلك كان تحت الاحتلال الروسي؛ وكانت لدينا أنا وزوجتي هموم اخرى. ولم اعد الى الكتابة الا بعد مرور عام على اقامتي في فرنسا. آنذاك كانت قد مضت ستة اعوام على انقطاعي كليا عن الكتابة. بدأت اكتب من دون حماس في البدء. وتحت وطأة شعور بالخوف من العجز عن الكتابة؛ ولكي

استرجع لياقتي؛ قررت العمل على شيء سبق لي ان أنجزته: كتابة جزء ثان من “غراميات مرحة”  أي تقهقر الى الوراء! هذه القصص وضعتني في طريقي ككاتب قبل عشرين عاما…لحسن الحظ وبعد انجاز قصتين او ثلاث اكتشفت انني اكتب شيئا مختلفا: ليست مجموعة قصصية بل رواية(وهذه الرواية سميت لاحقا “كتاب الضحك والنسيان”)؛رواية بسبعة اجزاء مستقلة عن بعضها لكنها مشدودة الى بعضها، بحيث ان اي جزء وحده يكون خالي المعنى.

في هذا العمل اتبعتُ استراتيجية كان شوبان يستخدمها، الا وهي التأليف بمقياس اصغر، حيث لن تكون هناك ضرورة لايجاد معابر تربط بين الثيمات. (هل ذلك يعني ان القصة القصيرة هي شكل مصغر للرواية؟ نعم، ليس هناك فارق بين القصة والرواية، او بين الرواية والشعر او بين الرواية والمسرح). كيف تكون هناك آصرة بين هذه القطع السبع المستقلة، اذا لم يكن هناك فعل مشترك يجمعها ببعضها، ويجعل منها رواية؟ ومع عملي على هذه النصوص، وقعت بين يدي استراتيجية التنويعات الموسيقية variation (حينما تتكرر ثيمة موسيقية عبر تبدل الايقاع والنغم او زخرفته -المترجم-) التي كان بيتهوفن يستخدمها في  تأليف بعض اعماله. هذه الطريقة سمحت لي بالبقاء مرتبطا، مباشرة، ببعض الاسئلة الوجودية المثيرة لي، والتي تستثمرها هذه الرواية، عبر اسلوب التنويعات الموسيقي، ومن زوايا مضاعفة ضمن سلسلة واحدة.

هذا الاستثمار لسلسلة من الثيمات له منطق، وهو يقرر الاواصر بين الاجزاء. على سبيل المثال: الجزء الاول “رسائل مفقودة” تقدم ثيمة الانسان والتاريخ بشكلها الاولي: الانسان يصطدم بالتاريخ ويتحطم به. في الجزء الثاني “ماما” الثيمة حرِّكت باتجاه معاكس: بالنسبة للام فإن وصول الدبابات الروسية اقل اهمية، مقارنة بشجر الكمثرى في حديقتها (الدبابات  عمرها قصير، بينما اشجار الكمثرى ازلية)، الجزء السادس “الملائكة” وفيها تغرق البطلة تامينا، فيبدو هذا الحدث كأنه نهاية للرواية، مع ذلك فهي لا تنتهي هنا، بل في الجزء اللاحق، الذي لن يكون عنيفا او دراميا او تراجيديا. إذ ان هذا الفصل يسرد الحياة الجنسية لشخصية جديدة هي “جان”. ثيمة التاريخ تظهر بشكل مختصر وللمرة الاخيرة: “كان لجان اصدقاء مثله، ممن تركوا وطنهم وكرسوا كل وقتهم للنضال لاسترجاع حريته المفقودة. ينتاب كل منهم الاحساس، احيانا، بأن الاصرة التي تجمعه بالوطن ليست سوى وهم، وأنه ليست سوى العادة المديدة التي جعلته مستعدا للموت من اجل شيء لم يكن يهتم به من قبل”؛ هذا النص يمس المعنى الميتافيزقي للحدود ( الحدود: ثيمة اخرى اشتغلت عليها) التي وراءها يفقد كل شيء معناه. يسيطر “الضحك” على الجزيرة التي تنتهي حياة تامينا فيها بطريقة تراجيدية

( وهذه ثيمة اخرى) لجزء “الملائكة” بينما يتردد في الجزء السابع، صدى “ضحكات الشيطان” الذي يقلب كل شيء (كل شيء: التاريخ، الجنس، التراجيديات) الى دخان. فقط في تلك النقطة، يصل مسار الثيمات الى نهايته، ويصبح بالامكان غلق الكتاب.

(12)

في الكثير من كتبه، نجد نيتشه، انما، يتابع، يطور، يفصل، يبرهن، ويحسن اسلوبه في التأليف. القواعد لديه هي التالية: الوحدة الاولية للكتاب هي الفصل، وطوله يختلف من جملة واحدة الى صفحات عدة، ومن دون استثناء تتكون الفصول من فقرة واحدة فقط، وهي دائما مرقمة. في كتابي “العلم المرح” و”انسان كله انسانية”، اعطى لكل فصل عنوانا اضافة الى  الترقيم. من عدد معين من الفصول يتكون الجزء، ومن عدد معين من الاجزاء يتكون الكتاب. الكتاب مبني على ثيمة رئيسة محددة بعنوان الكتاب نفسه (ما وراء الخير والشر، العلم المرح، علم انساب الاخلاق، الخ)، الاجزاء المختلفة تعالج ثيمات مشتقة من الثيمة الرئيسة. بعض هذه الثيمات الفرعية مرتبة بطريقة عمودية (تناقش كل منها في جزء واحد يحمل عنوان تلك الثيمة الفرعية)، بينما هناك ثيمات تناقش بشكل افقي على امتداد فصول الكتاب. هذه الطريقة تجعل الكتاب ذا بناء معماري شديد التمفصل (منقسم الى عدد مناسب من الاجزاء القائمة بذاتها) وفي اعلى درجات الوحدة (تتكرر الثيمات باستمرار). هذه الطريقة تجعل التأليف موشحا بايقاع رائع مستندا على تناوب الفصول القصيرة والطويلة مع بعضها: على سبيل المثال، يتضمن الجزء الرابع من كتاب ما وراء الخير والشر، حصرا، اقوالا مأثورة قصيرة (تؤدي دورا مسليا شبيها برقصة الباليه بين فصول تمثيلية او غنائية). لكن قبل كل شيء: هذا هو التأليف الذي لا يحتاج الى حشو، او فصول انتقالية، او معابر ضعيفة، وحيث التوتر لايتراخى ابدا، لاننا لا نحصل  إلا على افكار تتسارع في  حركتها  صوبنا، من الخارج، من فوقنا او تحتنا، كصدمات او صواعق.

(13)

اذا كانت فكرة الفيلسوف مشدودة باتقان شديد الى بناء نصه الصارم، هل بامكانها ان توجد خارج النص؟ هل هو ممكن  انتزاع فكرة نيتشه من نثره؟ بالتأكيد غير ممكن. الفكرة، التعبير والتأليف عناصر غير قابلة للانفصال عن بعضها. وهل ماهو صحيح بالنسبة لنيتشه، صحيح بصورة عامة؟ بصيغة اخرى: هل بامكاننا القول ان فكرة (معنى) العمل هي دائما، وبشكل مبدئي، غير قابلة للانفصال عن تركيب النص؟

الجواب هو بالنفي. في الموسيقى، اعتبرت اصالة المؤلف الموسيقي محددة بشكل خاص في ابتكاره الهارموني- الميلودي (اللحني)، الذي يقوم بانشائه وفق مخططات تأليفية غير مصممة من قبله بل هي بشكل او بآخر موجودة سلفا: الاجزاء المكونة لسويتات وقطع كونشرتو الباروك، على سبيل المثال، هي مرتبة وفق نظام تقليدي، شبيه بنظام الساعة، لذلك نجد السويتات دائما تنتهي برقصة سريعة، وهلم جرا.

تغطي سوناتات البيانو لبيتهوفن، والبالغ عددها اثنتين وثلاثين قطعة، كل حياته ابتداء من سن الخامسة والعشرين وحتى الثانية والخمسين، وفي اثناء هذه الفترة تحقق تطور هائل للسوناتا على يد بيتهوفن. السوناتات السابقة لم تذهب بعيدا وراء تفكير هايدن وموتسارت التأليفي: اربع حركات؛ اليغرو allegro (السريع)، اغنية lied في سرعة بطيئة slow tempo؛ مينيوت minuet  او اسكرتزو scherzo في ايقاع اسرع؛ روندو rondo في سرعة عالية.

المؤثرات السلبية في هذا النمط من التأليف واضحة مباشرة: يكون الجزء الاول هو اطول الاجزاء واكثرها اهمية ودرامية؛ سلسلة الحركات هي تحوّل: من شيء جدي وثقيل الى شيء خفيف؛ واكثر من ذلك، كانت السوناتا، قبل بيتهوفن، واقعة بين تشكيلة من القطع (تُعزَف آنذاك كحركات منفصلة في الحفلات) وبين ان تكون تأليفا موسيقيا احاديا وغير قابل للانقسام. ومع تطور سوناتاته الاثنتين والثلاثين، قام بيتهوفن وبشكل تدريجي بتبديل مخطط التأليف القديم بآخر اكثر تركيزا( غالبا ما يختصر الى ثلاث حركات او حتى الى  حركتين) واكثر درامية ( بازاحة مركز الثقل الى الحركة الاخيرة)، واكثر توحدا ( عبر استخدام المناخ العاطفي المتواصل بشكل اساسي). لكن المعنى الحقيقي لهذا التطور ( الذي اصبح في الحقيقة ثورة) لا يكمن بتبديل مخطط غير مرض بآخر افضل منه، بل بتحطيم مبدأ مخططات التأليف الموسيقي المنشأة سلفا.

يبعث الالتزام بالمخططات الموضوعة مسبقا، في تأليف السوناتا او السيمفونية، على السخرية. تصوروا كل اولئك السيمفونيين العظام، بضمنهم موتسارت وهايدن، شومان وبرامز، يبكون في الاداجيو adagio (لحن بطيء) ثم يتحولون الى  صبية صغار عند ابتداء الحركة الاخيرة، مندفعين الى ساحة المدرسة كي يرقصوا ويقفزوا مهللين. هذا ما يمكن تسميته “بغباء الموسيقى”. رأى  بيتهوفن بان  الطريقة الوحيدة التي يجب اتباعها للتغلب على هذه المشكلة هي بجعل التأليف الموسيقي ذا طابع فردي متطرف.

هذه الفكرة هي الجزء الاول من وصيته الفنية، المقدمة لكل الفنون، لكل الفنانين، والتي بامكاني ان اصيغها بهذا الشكل: يجب الا يكون التأليف (التنظيم المعماري للعمل) قالبا موجودا سلفا، يستأجره الكاتب كي يملأه بابتكاره؛ بل يجب ان يكون نظام التأليف نفسه ابتكارا، ابتكارا يستنفد كل اصالة  الكاتب.

لا استطيع القول الى اي درجة التزم الفنانون بهذه الرسالة، لكن بيتهوفن استفاد من كل نتائجها -وبشكل رائع- في سوناتاته الاخيرة التي ألِّف كل منها بطريقة فريدة لم يسبق لها مثيل.

(14)

سوناتا رقم 111 لها حركتان فقط: الاولى، وهي درامية ومنجزة بالشكل الكلاسيكي للسوناتا؛ الثانية، ذات طابع تأملي، مكتوبة وفق اسلوب التنويعات  variation ( هذا الشكل غير مألوف في السوناتات قبل بيتهوفن): ليست هناك تعارضات او فروق بين الاعمال المؤلفة  وفق اسلوب التنويعات، بل هناك فقط تكثيف يستمر باضافة تنويعات جديدة للتنويعات السابقة، وهذا يعطي للحركة الطويلة وحدة استثنائية للنغمة.

كلما كانت الحركة موحدة في  اجزائها كلما كانت مختلفة عن غيرها. غياب التناسب في الطول: الحركة الاولى:8 دقائق و14 ثانية، الحركة الثانية:17  دقيقة و 42 ثانية. يستغرق الجزء الثاني من السوناتا  اكثر من ضعف الوقت الذي تستغرقه الحركة الاولى( هذه حالة لم يحدث لها مثيل في تاريخ الموسيقى من قبل)! واكثر من ذلك: الحركة الاولى درامية، بينما الثانية هادئة  وتأملية. هذا الاسلوب الذي يبتدئ بحركة درامية وينتهي بحركة تأملية طويلة، يتعارض مع جميع مبادئ المعمار الموسيقي، ويحكم على السوناتا بفقدان التوتر الدرامي الذي كان عنصرا جد مهم لبيتهوفن في اعماله المبكرة.

لكن هذا التبديل غير المتوقع في موقعي هاتين الحركتين، قد منح هذه السوناتا

قدرة بلاغية خاصة، وحوّلها الى دلالة ايمائية للسوناتا، حيث يستثير حسها

المجازي صورة الحياة القصيرة القاسية، واغنية الشغف اللامتناهي التي تعقبها. ذلك الحس المجازي، يقع خارج قبضة قوة الكلمات، لكنه مع ذلك قوي ودؤوب، وقادر على منح الحركتين وحدة فريدة غير قابلة للتقليد. ( يمكن تقليد تأليف السوناتا غير الشخصي لدى موتسارت بلا حدود؛ بينما تأليف السوناتا رقم111 جد شخصي، واي تقليد لها سيكون محض تزوير).

تجعلني سوناتا 111 افكر في كتاب فوكنر “راحات الايدي البرية”: في ذلك العمل،  هناك قصة حب تتناوب مع قصة سجين هارب، وليس بين هاتين القصتين اي شيء مشترك، او اي شخصية مشتركة، او حتى تماثل في الثيمات او الموتيفات. هذا  الاسلوب في التأليف لايصلح لاي مؤلف اخر، وهو لا يمكن ان

يوجد الاّ مرة واحدة؛ عشوائي، وغير مبرر له؛ غير مبرر له وفق عبارة بتهوفن الشهيرة: “يجب ان يكون هكذا”es muss sein والتي تجعل اي سعي للتبرير فائضا عن الحاجة.

(15)

برفضه الانظمة، حقق نيتشه تغييرات عميقة للكيفية التي تنشأ فيها الفلسفة: ومثلما قالت حنة ارنت Hanaa Arendt فإن نيتشه ذو تفكير تجريبي… يقول نيتشه إن فيلسوف المستقبل بنزوعه الاول لكسر ما هو متصلب وجاف لتقويض الانظمة المقبولة جماهيريا، يفتح  ثغرة تسمح بالمغامرة داخل المجهول، سيكون تجريبيا، وحرا في الذهاب باتجاهات مختلفة، تؤول الى الصراع في ما بينها.

مع انني افضل حضورا قويا للفكر في الراوية، لكن ذلك لا يعني انني افضل ما يسمى بالرواية الفلسفية، او اخضاع الرواية للفلسفة، او  جعل “صناعة الحكاية” ناتجة عن افكار اخلاقية او سياسية، الافكار القائمة في الرواية (مثلما عرفت منذ عصر رابليه) هي دائما غير منتمية الى نظام فكري معين، غير منضبطة، انها شبيهة بافكار نيتشه، انها تجريبية، وتسبب شقوقا في كل افكار الانظمة المحيطة بنا، انها تستغل (خصوصا خلال شخصياتها) كل عناصر الفكرة بالسعي الى متابعتها حتى نهايتها.

وهناك شيء آخر حول الفكرة المنتمية الى نظام: الشخص الذي يفكر، هو بشكل اوتوماتيكي، مدفوع صوب جعل افكاره منتمية الى نظام، ذلك هو الاغراء الابدي (وهذا ينطبق علي وانا اكتب هذا الكتاب): الاغراء بوصف كل ما تعنيه افكاره، بمواجهة الاعتراضات عليها، ودحضها مسبقا، اي بتحويل افكاره الى عائق. ما يلزم الشخص الذي يفكر، هو  تجنب اقناع الآخرين بما يؤمن به، وإلا فإنه سيكون متجها صوب النظام. يحب السياسي ان يُنعَت باسم  “رجل اليقين الراسخ”،

لكن ماذا نعني باليقين الراسخ؟ انها تلك الفكرة التي توقفت وجمدت، وان رجل اليقين الراسخ هو انسان محدد؛ الفكرة التجريبية لا تسعى الى الاقناع بل الى الالهام، الى الهام فكرة اخرى، لتجعل الفكرة  في حال حركة؛ لذلك على الروائي ان يفكك افكاره ويبعدها عن اي تشكيلة نظامية، ان يسقط اي حاجز يكون قد بناه حول افكاره.

(16)

لرفض نيتشه تحويل افكاره الى نظام فلسفي نتيجة اخرى: توسيع هائل لحدود

الثيمة، عبر اسقاط الحواجز القائمة بين الفروع الفلسفية المختلفة التي منعت من جعل العالم يُرى بكامل افاقه، ومن هذه النقطة اصبح كل ما هو انساني موضوعا لتفكير الفيلسوف. هذا التحول جلب الفلسفة ايضا اقرب الى الرواية: للمرة الاولى اصبحت الفلسفة لا تدور حول المعرفة او علم الجمال اوالاخلاق فحسب، بل حول كل شيء انساني.

بعرض فلسفة نيتشه، لا يقوم مؤرخو واساتذة الفلسفة بتقليصها فحسب، بل بتشويهها، وذلك عبر تحويلها الى  النقيض، الى ان تكون نظاما، هل هناك موقع لافكاره حول المرأة، حول الالمان، حول اوروبا، حول بيزيه، حول غوته، حول اريستوفان، حول الضجر، حول  روح الطاعة، حول اختيار الآخر؟ هل هناك موقع لآلاف الملاحظات السيكولوجية التي لا يمكن ايجاد مثيل لها إلا عند القليل من الروائيين النادرين.

مثلما قام نيتشه بتقريب الفلسفة الى الرواية، نجد ان الروائي موزيل دفع بالرواية صوب الفلسفة. لا يعني هذا الفعل  التقريبي بان موزيل روائي اقل شأنا من الروائيين الآخرين، بالضبط، مثلما هو الحال مع نيتشه الذي لا يقل شأنا كفيلسوف عن الفلاسفة  الآخرين.

حققت رواية موزيل الفكرية ايضا توسيعا لم يسبق له مثيل للثيمة، إذ اصبح اي شيء يُفكَّر به، قابل لادخاله في الرواية. وهذه هي الحال نفسها مع نيتشه: كل

شيء في الحياة اصبح موضوعا للفلسفة.

شاهد أيضاً

القلوب الرقيقة / جاك بْرَيل

  Y en a qui ont le couer si large Qu’on y entre sans frapper …