أغنية ج . ألفرد بروفروك العاطفية

تي. أس. إليوت

(أنام ملءَ جفوني عن شواردها..)

على الرغم من مرور أكثر من قرن على صدورها لأول مرة في مجلة “شعر” الأميركية ما زالت هذه القصيدة موضع اهتمام القراء والنقاد والأكاديميين دراسة وتحليلاً ليس في البلدان الناطقة بالإنجليزية فقط بل في الكثير من بلدان العالم، حيث ظلت صورها الوصفية وأفكارها وأسلوبيتها قابلة لتأويلات جديدة، على الرغم من بساطة لغتها ووضوح مفرداتها.

366

ترجمة وتقديم: لؤي عبدالإله

بالنسبة إليّ، ظلت هذه القصيدة هي الأكثر جاذبية في دواوين الشاعر الأميركي الأصل تي. أس. إليوت، ولعل ذلك يعود إلى عدة أسباب، أهمها هو المقاطع الوصفية التي تقترب من لندن في أوائل القرن العشرين، حيث المصانع ما زالت منتشرة فيها، وما زال الدخان المنبعث من أبراجها يختلط بالضباب مكوناً مزيجاً أصفر، علامة على سيادة التكنولوجيا والرأسمال والبنوك مع بداية القرن العشرين.

في المقابل، جلب القرن السابق معه ملامح جديدة، منها بروز ظاهرة الحشود والتجمعات الكبيرة ووسائل النقل الجديدة وموسيقى الجاز والسيارات، واندثار ذلك العالم الذي تحكمت في فنونه المدارس الرومانسية سواء في الشعر أو الموسيقى خلال القرن التاسع عشر. فكأن هذه القصيدة هي قطع حاد مع تلك التقاليد التي ظلت تمجد الطبيعة والعاطفة وقوى الإنسان الروحية، والاقتراب أكثر من الإنسان الذي أصبح تحت سطوة النظام الجديدة، وفقد معها تلك الروحية التي سادت قبل ذلك، ليتحول تدريجاً إلى شخص محكوم بما هو مؤقت وعابر، وفقدان للفردية ضمن سوق عمالة جعلت الجميع متشابهين في اختياراتهم وأنماط عيشهم.

شدني الوزنان الشعريان اللذان استخدمهما إليوت في هذه القصيدة: البنتاميتر ذو الخمس ضربات في السطر الواحد والهكساميتر ذو الست ضربات في السطر الواحد، وهذا ما سهّل على الذاكرة حفظ مقاطع منها، أو ترديدها حتى من دون القدرة على مسك الكلمات بالكامل دائماً.

كذلك كان اتباع أسلوب تيار الوعي، الذي ابتدعه بعض معاصريه الروائيين وأبرزهم الكاتب الأيرلندي جيمس جويس، في القصيدة فتحاً جديدا في الحداثة الشعرية، ما جعل الشاعر والناقد الأميركي عزرا باوند يكتب عنه في تقديمه لمحررة مجلة “شعر” آنذاك، هارييت مونرو، لإقناعها بنشر هذه القصيدة التي بقيت في جرارها أربع سنوات تقريباً بأنه “درب نفسه حقاً وحدَّث نفسه بنفسه”.

غير أن إليوت جلب معه في “حداثته” موروثا أدبياً ينتمي إلى عصور مختلفة، وهذا يتضمن الأساطير بشكل عام والإغريقية بشكل خاص، وما تضمنه الكتاب المقدس من قصص ونصوص، وبالطبع شكسبير والشاعر الإغريقي هسيود، والأكثر تأثيراً: دانتي في ثلاثيته “الكوميديا الإلهية”. هنا من السطر الأول يرافق بطل القصيدة “بروفروك” شخص شبحي آخر شبيه بمرافقة الشاعر الروماني فيرجيل لدانتي في رحلته عبر “الجحيم”.

هناك اقتباسات عديدة في هذه القصيدة من مسرحيتي “الليلة الثانية عشرة” و”هاملت” ومن الشاعر هسيود، ومن سفر “الجامعة” في كتاب العهد القديم، ومن بيت شعري لعمر الخيام في رباعية ترجمها إدوارد فيتزجيرالد، واستحضار لرأس يوحنا المعمدان، وغيرها الكثير.

عنصر آخر شدني في القصيدة هو غياب صوت الشاعر تماماً، فبطل القصيدة “بروفروك” يستحضر حياته اليومية عبر أسلوب تيار الوعي حيث الخواطر تتداعى بشكل حر وليست بترتيب تتوافق مع حركة الزمن المستقيمة.

وبرفروك هذا شخص في منتصف العمر تسكنه مخاوف من بلوغ الشيخوخة، ويشعر بالعجز أمام النساء للتعبير عن رغباته فيهن، لكنه في الوقت نفسه يعيش انفصالا كاملا بين العالم المثالي الذي (ربما) عاشه خلال سنوات صباه وشبابه في أواخر القرن التاسع عشر والعالم الواقعي الذي يعيشه الآن.

كم يشبه بروفروك بطل قصيدة إليوت هذه “هاري هللر” بطل رواية “ذئب البوادي”، للشاعر والروائي الألماني هيرمان هيسه، في محنتهما وهما يعيشان نفس الأزمة الروحية الناجمة، عن الانتقال من روحية القرن التاسع عشر الرومانسية إلى روحية القرن العشرين التي تجلّى أهم مظهر لها في حربيها العالميتين.

لوحة

قد يبدو غريباً أن القصيدة التي بدأ تي أس إليوت بنظمها في شهر فبراير 1910 وانتهى منها في شهر أغسطس 1911، كانت أول ما نشر من شعر، غير أن ذلك تطلب أكثر من أربع سنوات والقصيدة حبيسة جرّار محررة مجلة “شعر”، ولم يأت نشرها إلا بعد تدخل عزرا باوند الذي كان يعمل محررا في المجلة عن بعد بشكل شخصي.

وكم واجهت “أغنية ج. ألفريد بروفروك” انتقادات حادة وساخرة إثر صدورها، وكان عليها أن تنتظر سنوات قليلة قبل أن تصبح فناراً حقيقياً يهدي الشعراء الضالين سواء السبيل.

 

لنذهب إذن، أنت وأنا

حين يمتد المساء صوب السماء

كمريض مخدَّرٍ على طاولة؛

لنذهب، عبر شوارع  شبه مهجورة،

حيث همهمات العابرين مع أنفسهم

لليالٍ قلقة في فنادق رخيصة لليلة واحدة

ومطاعم أرضيتها مغطاة بنشارة الخشب وأصداف المحار:

شوارع تتتابع مثل مماحكة مضجرة

ذات نية ماكرة

لتقودك إلى سؤال ممضّ

أوه، لا تسأل، “ما هو؟”

لنذهب ونقُم بزيارتنا

في الصالة تروح وتجيء النساء

متحدثاتٍ عن مايكل أنجلو

الضباب الأصفر الذي يفرك ظهره على زجاج النافذة،

الدخان الأصفر الذي يفرك خطمه على زجاج النافذة،

لعق لسانه في زوايا المساء،

تباطأ فوق البرك القائمة في المجاري

جعل السخام المتساقط من المداخن يسقط على ظهره،

تزحلق بجانب الشرفة، قام بقفزة مفاجئة،

أدركَ آنذاك أنها ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة

فدار حول البيت مرة واحدة، ثم خلد إلى النوم.

وفي الحقيقة سيكون هناك وقت

للدخان الأصفر الذي ينزلق على امتداد الشارع،

فاركاً ظهره على زجاج النوافذ؛

سيكون هناك وقت، سيكون هناك وقت

لإعداد وجه للقاء الوجوه التي ستلتقيها؛

سيكون هناك وقت للقتل والخلق؛

ووقت لكل أعمال وأيام الأيدي

التي ترفع وتُسقِط سؤالا على صحنك؛

وقت لك ووقت لي،

ووقت حتى لمئات الترددات،

ومئات التصورات والمراجعات،

قبل تناول خبزة محمصة وشاي.

في الصالة تروح وتجيء النساء

متحدثات عن مايكل أنجلو.

وفي الحقيقة سيكون هناك وقت

للتساؤل، “هل أجرؤ؟” و”هل أجرؤ؟”

وقت للرجوع وهبوط السلّم،

ببقعة صلعاء وسط شعري –

(سيقولون: “كم أصبح شعره خفيفا!”)

بمعطفي الصباحي، وياقتي المرفوعة بحزم إلى الحنك،

بربطة عنقي الغالية والمتواضعة، لكنها مثبتة بدبوس-

(سيقولون: “لكن كم ذراعاه وساقاه نحيلتان!”)

هل أجرؤ

أن أقلق الكون؟

في دقيقة واحدة هناك وقت

للقرارات والمراجعات التي ستقلبها دقيقة أخرى.

فأنا سلفاً أعرفها كلها، أعرفها كلها:

أعرف المساءات، والصباحات، وأوقات ما بعد الظهيرة،

وحياتي أقيسها بعدد ملاعق القهوة؛

أعرف أن الأصوات تتلاشى مع خريف محتضر

تحت سطح الموسيقى القادمة من الغرفة الأبعد.

إذن كيف لي أن أفترض؟

وأنا أعرف العيون سلفاً، أعرفها كلها

العيون التي تثبِّتك بعبارة مقولبة

وحين أُقَولَبُ منفرج الأطراف على دبوس،

حين أكون مثبَّتا ومتذبذباً على الجدار،

عند ذلك كيف لي أن أبدأ

ببصق كل أعقاب أيامي وطرقي؟

وكيف لي أن أجرؤ؟

أنا أعرف كل الأذرع سلفا، أعرفها كلها –

أذرع بأساور وبيضاء وعارية

(لكنها تحت ضوء المصباح، منمَّشة بشعر بني خفيف!)

لوحة

هل هو عطر من ثوب ما

يجعلني أستطرد؟

أذرع تمتد على طاولة، أو مغطاة بشال.

فهل عليّ أن أجرؤ؟

وكيف عليّ أن أبدأ؟

هل عليّ أن أقول، إني ذهبت عند الغسق عبر شوارع ضيقة

وراقبتُ الدخان الذي يتصاعد من غلايينَ

رجال وحيدين يرتدون قمصاناً فقط، وهم مطلون من النوافذ؟

كان عليّ أن أكون سرطان بحر بمخلبين خشنين

يجري سريعاً عبر قيعان بحار هادئة.

وعند العصر، والمساء، ينام بكل هدوء!

مصقولاً بأصابع طويلة،

نائماً.. متعباً.. أو يتظاهر بالمرض،

ممدداً على القاع، هنا جنبك وجنبي.

هل يجب، بعد الشاي والكعك والمثلجات،

أن تكون لديّ القوة لدفع اللحظة إلى أزمتها؟

لكن على الرغم من أنّي بكيت وصمتُّ، بكيتُ وصلَّيتُ،

على الرغم من أني رأيت رأسي (المُصْلَع قليلا)

مجلوباً على صينية،

أنا لست نبياً – وهذه ليست قضية مهمة؛

أنا رأيت لحظة عظمتي تومض،

ورأيت “البواب الخالد” يحمل معطفي، ويكتم ضحكة،

وباختصار، كنت خائفاً.

وهل كان الأمر يستحق كل هذا العناء، في نهاية المطاف

بعد الأكواب، والمربى، والشاي،

وسط الخزف، وسط بعض الحديث بيني وبينك،

هل كان ذا قيمة،

أن تلغي الموضوع وأنت تبتسم،

أن تعصر الكون في كرة

لتدحرجه صوب سؤال ممضٍّ،

لتقول: “أنا لست لعازر، جاء من الموت،

عاد ليخبركم بكل شيء، سأخبركم بكل شيء “-

إذا كان على المرء، وهو يسوّي وسادة بجانب رأسها، أن يقول: “هذا ليس ما قصدته إطلاقاً؛ هذا ليس المرتجى، إطلاقاً.”

وهل كان الأمر يستحق ذلك، في نهاية المطاف،

هل كان ذا قيمة ما،

بعد غروب شمس متكرر، وبعد الباحات والشوارع المرشوشة بالملح،

بعد الروايات، بعد أكواب الشاي، بعد التنورات التي تلامس الأرضية-

وهذا، وأكثر بكثير؟ –

إنه من المستحيل القول فقط ما أعنيه!

لكن كما لو أن مصباحاً سحرياً أثار الأعصاب  في أنساق على شاشة:

هل كان ذا قيمة ما

إذا كان على المرء، وهو يسوّي وسادة أو يرمي شالا، ويلتفت صوب النافذة، أن يقول: “هذا ليس المرتجى على الإطلاق،

هذا ليس ما قصدته، على الإطلاق.”

لا، أنا لست الأمير هاملت، وليس مقدَّرا أن أكون؛

أنا لورد مرافق، شخص كل ما يقوم به

هو تضخيم عرض ما، البدء بمشهد أو مشهدين،

تقديم النصح للأمير؛ ومن دون شك، وسيلة سهلة،

متنوعة، راضية أن تكون مستعمَلة،

حصيف، حذر، ودقيق؛

بليغ جدا، لكن بليد الذهن قليلاً؛

أحياناً، في الحقيقة، مثير للسخرية تقريبا –

وتقريباً، في أوقات أخرى، عبيط.

أنا أتقدم في السن… أتقدم في السن…

لذلك سأرتدي سروالي بحافة مقلوبة.

هل سأفرُق شَعري إلى الخلف؟ وهل أجرؤ على قضم درّاقة؟

سأرتدي سراويل قطنية بيضاء، وأمشي على الشاطئ.

أنا سمعت حوريات البحر يغنين، بعضهن لبعض،

لكني لا أظن أنهن سيغنين لي.

أنا شاهدتهن يَركبن على الأمواج، صوب البحر،

وهنّ يمشطن شعر الأمواج الأبيض المرتد إلى الخلف

حين يحوّل هبوب الريح الماء إلى بياض وسواد.

نحن تلبَّثنا في حجيرات البحر

على يد فتيات بحر ملفَّعات بأعشاب بحرية حمراءَ وبنيةٍ

بانتظار أن توقظنا أصوات بشرية، فنغرق.

اقرأ ايضاً