الرئيسية / مقالات / بوب ديلِن: التروبادور الأخير

بوب ديلِن: التروبادور الأخير

اعتذر الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2016، بوب ديلِن Bob Dylan، عن حضور حفل منح الجوائز في استوكهولم في العاشر من كانون الأول المقبل، وقد سبق أن بقي ديلِن صامتا بعد الإعلان عن فوزه بالجائزة خمسة أيام قبل “قبوله” بها على موقعه الانترنتي. وقد برر اعتذاره لوجود التزامات فنية أخرى تمنعه من القدوم إلى العاصمة السويدية لحضور مراسم تسلم الجائزة بما فيها إلقاء كلمة .

قد تكون هناك تفسيرات عديدة لعدم المبالاة التي عكستها ردود فعل ديلن، أولها يعود إلى طبيعته المنزوية التي جعلته يتجنب الأضواء لأكثر من خمسين سنة، عدا عن حضوره الحفلات الموسيقية التي تُنظم له وبشكل دوري في الكثير من بلدان العالم، وتجنبه الوقوع في مطب الشعارات والتصنيفات السياسية حتى حين تحمل أغانيه رسائل سياسية واضحة. وقد يكون ذلك لكثرة الجوائز والألقاب التي منحت له، إذ حصل على جوائز الأوسكار وغولدن غلوب والبولتزر مرة واحدة لكل منها وجائزة غْرامي الموسيقية لاثنتي عشرة مرة، عدا ألقاب دكتوراه شرفية في الموسيقى (وهو الذي ترك دراسته الجامعية باكرا دون أن يكملها) من أبرز الجامعات في العالم مثل برنستون، والجامعة الاسكتلندية سانت اندروز، وعشرات الجوائز العالمية البارزة. وغالبا ما كان ينتابه الارتباك والانفعال في شبابه عند حضوره مراسم أي جائزة مثلما حدث حين مُنح شهادة الدكتوراه الفخرية في مبنى جامعة برنستون عام 1970.

كذلك قد يكون هناك أكثر من سبب لاختيار لجنة جائزة نوبل للآداب بوب ديلن لهذه السنة، فقبل الإعلان عن قرارها، ساد العالم خوف من وقوع حرب عالمية ثالثة، بسبب تزايد احتمال وقوع تصادم مسلح بين روسيا وأميركا، وما رافقه من تصريحات لصقور البنتاغون بضرورة مواجهة روسيا عسكريا، وهذا قد ترافق مع تزايد نشر صواريخ الناتو بالقرب من الحدود الروسية والاستعداد المنتظم لمواجهة أميركية محتملة في سوريا. كل ذلك، جعل رد فعلالأكاديمية السويدية  المشرفة على جائزة نوبل ميالة لإعادة التذكير بحقبة الستينيات وأوائل السبعينيات حيث كادت الحرب الأميركية – الفيتنامية، وأزمة الصواريخ في كوبا، أن تشعلا فتيل حرب عالمية ثالثة تنتهي الحياة فيها على الأرض مع احتمال استخدام الأسلحة النووية خلالها من جانب القوتين العظميين آنذاك. ولعل أغاني بوب ديلِن التي ساهمت في خلق وعي في العالم الانجلوساكسوني بالدرجة الأولى ضد الحروب وتجار الأسلحة  قد تنجح مرة أخرى بعد مرور عقود عليها لخلق رؤية ضاغطة بين الأجيال الشابة رافضة لحرب عالمية كارثية وتجديد تلك العواطف التي أثارتها الأغاني نفسها في أوساط الشباب آنذاك. وقد سبق للأكاديمية السويدية أن منحت الجائزة في مناسبتين ضمن هذه الرؤية، فجائزة الأدب لعام 2005 كانتللكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر الذي كان من أشد المعارضين لغزو العراق، ومن أشد المتعاطفين مع الفلسطينيين، كذلك هو الحال مع منح جائزة السلام للرئيس الأميركي باراك أوباما في أول سنة له بالبيت الأبيض، وهذا لموقفه المعارض لغزو العراق عام 2003 قبل وقوعه. وقد بررت لجنة نوبل منحه الجائزة عام 2009 لـ “جهوده في تقوية الدبلوماسية والتعاون الدوليين بين الشعوب”.

قالت سارة دانيوس السكرتيرة  الدائمة للاكاديمية السويدية إن اختيار بوب ديلن جاء “لخلقه تعابير شعرية جديدة ضمن التقاليد العظيمة لللأغنية الأميركية”.

ولعل هذا أقل ما يمكن قوله عما حققه بوب ديلن في خلقه حساسية وذائقة جديدتين للأغنية التي تتجاوز حدودها على مستوى الكلمات كي تصبح قابلة للقراءة بصوت عالٍ كقصيدة شعرية، ففي التقاليد الانغلوساكسونية (حسب علمي) ظلت القصيدة مكتفية بأن تُقرأ بصوت عالٍ ومترفعة على ما تتميز به كلمات الأغنية من كونها أكثر وضوحا وأقل مجازية في صورها مع وجود اللازمة التي تتكرر في نهاية كل مقطع منها. ولذلك جاءت كلمة lyrics (التي تعني كلمات أغنية) متميزة عن كلمة poem (القصيدة) على الرغم من وجود الوزن والقافية في كليهما في أغلب الأحيان.

كان وصول ذلك الشاب النحيل الحامل لجيتاره وهارمونيكته من بلدة دولوث الصغيرة في ولاية مينيسوتا إلى نيويورك عام 1960 بعد تركه الجامعة التي لم يمض على التحاقه بها أكثر عام، خاليا من أي إثارة، ولم يكن قد تجاوز سن التاسعة عشرة. ولن تمضي أكثر من أربع سنوات حتى يكون قد أصدر خمس ألبومات وأصبح العديد من أغانيه محفورة في ذاكرة الشبيبة المتمردة في شتى أنحاء أميركا وبريطانيا وأوروبا، وكأنها علامتهم المتميزة في نشدانهم لثقافة مضادة للثقافة السائدة آنذاك سواء في المجال السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي.

يقال إنه حين ذهب بوب ديلِن أول مرة إلى ستوديو شركة كولومبيا، طلب المسؤولون فيها منه أن يجلب موافقة ذويه لصغر سنه، فما كان على بوب ديلن إلا أن يكذّب عليهم مدعيا أنه يتيم.

جاء بوب زمرمان (الذي غير اسمه للتو إلى ديلان) إلى نيويورك ليقيم في”قرية غرينتش” التي كانت نقطة استقطاب للتمرد بكل اشكاله وموطئ قدم شعراء حركة “النبضة” Beat  المجددة التي على رأسها الشعراء ألان غينسبرغ Alan Ginsberg، وويليام باروز William Burroughsوجاك كيرواك Jack Kerouacوالحركات الفنية والثقافية الأخرى. ومن هناك دخل إلى الحياة من أوسع أبوابها، فقد ساعدت علاقته بالوسط الناشط سياسيا التعرف عن كثب على حركة الحقوق المدنية للسود وحركة السلام المعارضة للحرب في فيتنام.

ومن وسط تلك الحركة الجامحة ظهر صوت ديلِن البسيط بكلمات أغان لم تألفها الأذن الغربية آنذاك حيث ظلت حتى ذلك الوقت الأغنية العاطفية هي السائدة، وجاءت موسيقى الروك لتكرس ذلك الاستمتاع الذاتي باللحظة في أواخر الخمسينات، عبر صوت الفيس بريسلي، مقابل موسيقى الجاز والبلوز الأقدم التي كرست أصواتا رائعة مثل فرانك سيناترا وأيلا فيتزجرالد ونات كينغ كونغ.

لكن مع بوب ديلِن دخل عنصر جديدة للأغنية: إنه الشأن الاجتماعي والحرب وقضايا التمييز العنصري والفلسفة وتجار الأسلحة  وغيرها. وكأن الموسيقى والغناء أصبحا مكملين لكلمات الأغنية. كذلك فإن بوب ديلن دفع بكلمات أغانيه لتتنافس مع القصيدة في مجازاتها واستعاراتها وصورها ليحررها من أي طابع سياسي نمطي مباشر، مع الالتزام بكل مواصفات القصيدة من وزن وقافية، وهذا ما يجعل قراءته بصوت عال أقرب إلى الأغنية وكل ما هو مطلوب نمط موسيقي ما وسرعة إيقاع محددة كي تتحول إلى اغنية. يقول ديلن إن اختياره للموسيقى الشعبية المعروفة باسم الـ folk قد مكنه آنذاك من التعبير عن كل هذه المواضيع التي ما كان بالإمكان التعبير عنها بأنماط موسيقية أخرى.

يقال إن الشاعر غينزبرغ استمع أول مرة إلى أغنية “مطر ثقيل”Hard Rain على اسطوانة عند عودته من الهند، فاندفع بالبكاء، مرددا بما معناه: لقد حان الوقت لتسليم الراية إلى جيل جديد.في هذه الأغنية يصور بوب ديلن لحظة متخيلة عن سقوط ذلك الغبار الذري بعد وقوع كارثة حرب كونية لكنه يحررها من واقعها العادي ليسكنها في مناخ اسطوري أشبه بيوم دينونة متخيل.( وكأنه كتب هذه القصيدة عن عراق عاش أبناؤه لاحقا أيام دينونة كثيرة على يد طائرات وصواريخ وعساكر بلده أكثر من أي بلد آخر بعد فيتنام).

وهكذا أصبحت أغاني بوب ديلن لا تنتَج أولا في ألبوم بل كأغان مفردة فتنتشر كالنار في الهشيم في العالم الانجلوساكسوني وأوروبا بشكل عام، وأصبح الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة أسرى لذلك الصوت العادي الذي فرض نفسه عبر كلمات الأغاني القابلة لأكثر من تأويل وأكثر من مجاز. وهذا ما منح أغاني بوب ديلن قدرة على مخاطبة أكثر من جيل وأكثر من ذائقة لغنى التأويل فيها، وما تثيره من نقاشات بين جمهوره الواسع.

في أغنية “ضارب الدف” Mr Tambourine Man التي صدرت في ألبوم عام 1965 تعددت التأويلات، إذ اعتبر البعض ضارب الدف رمزا لبائع المخدرات وآخرون أعتبروه رمزا لإلهات الإلهام الإغريقية وغيرهم رأوه رمزا ثوريا، وحين سئل بوب ديلن في مقابلة عما يعنيه كان جوابه مراوغا وربما صحيحا: ما عنيت بضارب الدف هو ضارب الدف نفسه.

قد أكون مخطئأ تماما إذا قلت أن الموسيقى لم تعط بعدا إمتاعيا لقصيدة بوب ديلن لكن في أغلب الأحيان يحتاج المرء أن يقرأ كلماتها من دون موسيقى كي يستمتع أكثر عند استماعه للأغنية مرة ثانية وثالثة.

لم يتوقف بوب ديلن عن كتابة الأغنية – القصيدة، ولعل تبدل المناخ العام وانحسار حركة اليسار الجديد قد ولدت دوافع أخرى في نفسه لاستكشاف مساحات ذهنية وعاطفية جديدة عبر عنها بأنواع موسيقية أخرى كالجاز والروك والبلوز وغيرها.

يقول ديلن في إحدى مقابلاته إن فترة الستينيات كانت الأغنى من حيث كثافة حالات الإلهام التي جعلته ينتج جزءا كبيرا ومهما من أعماله خلال أقل من عشر سنوات، ثم جاءت الفترات اللاحقة لتصبح كتابة الأغنية أبطأ كثيرا، إذ قد تستغرق أسبوعين مقارنة بما كانت ستستغرقه خلال الستينيات من ساعات. ولعل ولعه بالاستكشاف دفعه إلى الرسم والكتابة في أدب المذكرات واليوميات، وهي تظل وسائل ثانوية عن التعبير مقارنة بكتابة الأغنية ووضع اللحن المناسب لها ثم تأديتها.

لعل عدم وصول بوب ديلن إلى العالم العربي يكمن في غنى المجازات والاستعارات التي تمنحها اللغة الإنجليزية، واللهجة الأميركية له في خلق النصوص الشعرية وما يزيد من جماليتها الوزن الشعري والقافية فيها وما يواجهه المترجم العربي هو أن عليه أن يقدم تأويلا ما لبعض أجزائها لقدرتها على أكثر من تأويل، إضافة إلى اختفاء الموسيقى والقافية فيها.

في أغنية “تذروه الرياح” blowing in the Windالتي أصبحت نشيدا تردده الانتلجنسيات في شتى أنحاء العالم وعبر أجيال متعددة يثور السؤال في الذهن: كيف يمكن لشاب خرج للتو من سن المراهقة أن يملك هذه الحكمة المصاغة بهذه البساطة وهذا الاتقان.

في بريطانيا استقبل أغلب الأدباء والكتاب والموسيقيين منح بوب ديلن جائزة نوبل بتقدير عال، بل أن بعضهم اعتبر منح الجائزة كان متأخراً.  قال البروفسور شيموس بيري، رئيس قسم اللغة الانجليزية في جامعة اكسفورد: “إنه أكثر من غيره، شاعر عصرنا، مثلما كان تنيسون لعصره، ممثلا له ومع ذلك فرديا بالكامل، إنسانياً، وغاضباً، ومرحاً، ورقيقا بالمقابل؛ إنه حقا نفسه بالكامل، واحد من العظماء”.أما الموسيقي وكاتب الأغاني الكندي ليونارد كوهين فقال: “بالنسبة إلي، منحه الجائزة يشبه  تعليق ميدالة على قمة ايفرست لأنها الأعلى”.

ولعل هذا الاعتراف اعتراف بدور بوب ديلن على أجيال من كتاب الأغاني في العالم الانغلوساكسوني، الذي فتح لهم الباب على مصراعيه كي يدخلوا كل القضايا الكبرى والصغرى فيها من البيئة إلى الحب إلى العدالة الى الأسئلة الوجودية إلى الإيمان، ومن هذا الباب عبر جون لينون وبول ماكارني وستينغ وليونارد كوهين وغيرهم.

قالت سارة دانيوس السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية معلقة على منح بوب ديلن جائزة نوبل للآداب لعام 2016: “إذا التفتُّ إلى الوراء لـ 2500 سنة، سأكتشف أن هوميروس أو سافو كتبا شعرا كي يُستمع إليه، وكان مقصودا أن يؤدى (مسرحياً)، وغالبا مع آلات موسيقية، وهذه هي الطريقة نفسها مع بوب ديلِن، لكننا ما زلنا نقرأ هوميروس  وسافو.. ونحن نستمتع بأشعارهما، وهذا نفس الشيء مع بوب ديلِن. من الممكن أن يُقرأ، ويجب أن يُقرأ”.

هذه ثلاث أغانٍ مبكرة لبوب ديلن ترجمتها للمساعدة على سماعها وهي متوافرة على العديد من مواقع الانترنت:

 

“تذروه الرياح”Blowing in the Wind

 

كم من الطرق على الانسان أن يقطع

قبل أن تستطيع تسميته  إنساناً ؟

كم بحراً على اليمامةِ البيضاءَ أن تجتازَ

قبل أن تستطيع النومَ على الرملْ؟

وكم مرةً يجبُ أن تتطايرَ كراتُ المدافعِ

قبل تحريمِها إلى الأبدْ؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

وكم سنةً يستطيعُ الجبلُ البقاءَ

قبل أن يُجرَفَ إلى البحر؟

وكم سنةَ يستطيع بعض الناس أن يعيشوا

قبل أن يُسمَحَ لهم بأن يكونوا أحراراً؟

وكم  مرة يستطيع الإنسان أن يدير رأسه

متظاهرا بأنه لا يرى؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

وكم مرة على الإنسان أن ينظر إلى أعلى

قبل أن يستطيع رؤية السماء؟

وكم أذناً يجب أن يملك إنسان واحد

قبل أن يستطيع سماع بكاء الناس؟

وكم موتاً يجب أن يقع، حتى يعرف

أن كثيراً من الناس قد ماتوا؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

 

 

“مطر ثقيل موشك على السقوط”A Hard Rain’s A-Gonna Fall

أين كنت، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

أين كنت يا صغيري الأعز؟

تعثَّرتُ على سفوح اثني عشر جبلاً غارقة في الضباب

مشيتُ وزحفتُ على ستة طرق متلوية

خطوتُ وسط سبع غابات حزينة

وكنتُ هناك أمام دزينة من محيطات ميتة

كنت على بعد عشرة آلاف ميل في جوف مقبرة

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل،

موشك على السقوط

وماذا رأيتَ ياولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا رأيتَ يا صغيري الأعز؟

رأيتُ طفلا مع ذئاب تحيط به من كل جانب

رأيت طريقا من الألماس لا أحد فيه

رأيتُ غصناً أسود يقطر دم منه

رأيت غرفة ملأى برجال حيث لا تكف مطارقهم على النزف

رأيتُ سُلَّماً أبيض مغطى كله بالماء

رأيتُ عشرة آلاف متحدث، السنُهم جميعاً معطَّلة

رأيت بنادق وسيوفاً حادة في يد أطفال صغار

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط

وماذا سمعتَ، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا سمعتَ يا صغيري الأعز؟

سمعتُ صوت الرعد يهدر محذراً

سمعتُ هدير الموج القادر على إغراق العالم

سمعتُ مائة ضارب طبل، أيديهم كانت مضطرمة

سمعتُ الف متهامس ولا أحد يسمع

سمعتُ شخصا جائعاً، سمعتُ كثيرا من الناس يضحكون

سمعتُ أغنية شاعر مات في المجاري

سمعتُ مهرجاً يبكي في الزقاق

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط

وبمن التقيتَ، يا ولدي، يا صاحبَ العينين الزرقاوين؟

بمن التقيتَ، يا صغيري الأعز؟

التقيتُ طفلاً بجانب فرس قزم ميتة

التقيتُ رجلاً أبيض يمشي مع كلب أسود

التقيتُ فتاة شعرها يحترق

التقيتُ بنتاً صغيرة أعطتني قوس قزح

التقيت رجلاً مجروحاً من الحب

التقيت رجلا مجروحاً من الكراهية

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط

وماذا ستفعل الآن، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا ستفعل الآن، يا صغيري الأعز؟

أنا سأعود قبل أن يبدأ المطر بالهطول

سأمشي إلى عمق أعماق الغابة المعتمة

حيث الناس كثار وأيديهم فارغة

حيث حبات السم تطفو فوق مياههم

حيث البيت في الوادي يلاقي السجن القذر الرطب

حيث وجه الجلاد مخفيّ دائماً

حيث الجوع بشع، حيث الأرواح منسية

حيث السواد هو اللون، حيث اللا شيء هو الرقم

وأنا سأحكيها، وسأفكر فيها، وأتكلم عنها وأتنفسها

وأتأملها من الجبل كي تستطيع الأرواح أن تراها

ثم سأقف على المحيط حتى أغطس تماماً

لكني سأعرف جيداً أغنيتي قبل البدء بالغناء

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط

 

 

 

ضارب الدف Mr Tambourine Man

مرحباً، ضاربَ الدفِّ، اضرب لي لحناً

أنا لستُ نعسان وليس لي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

في الصباح المجَلجِل المُصلصِل سآتي لأتبعك

على الرغم من أني أعرف أن أمبراطورية المساءات قد تحولت إلى رمل

اختفت من يدي

تاركة إياي في حالة عمى هنا كي أقف لكن من دون أن أنام

ضجري يدهشني، أنا موسوم على قدميّ

فليس هناك أحد لالتقيه

والشارع الفارغ القديم ميت أكثر مما ينبغي لأحلم فيه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

أنا لست نعسان وليس هناك أي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

في الصباح المجلجِل المصلصِل سآتي لأتبعك

خذني في رحلة على سفينتك السحرية الدوارة

فحواسي قد نُزعت عني

ويداي لا تشعران كي تمسكا بأي شيء

وأصابع قدميّ مخدرة كي تخطو إلى أمام

انتظر فقط كعبي جزمتي كي يمشيا تيهاً

أنا على استعداد للذهاب إلى أي مكان، أنا على استعداد كي أتلاشى

في عرضي

القِ تعويذة رقصك على طريقي، أنا أعد بأن أذهب تحتها

أنا لست نعسان وليس هناك أي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

ففي الصباح المجلجِل المصلصِل سآتي لأتبعك

على الرغم من أنك قد تسمع، ضحكاً، دوراناً، تأرجحاً، بجنون عبر الشمس

لا أحد مقصود بذلك

إنه مجرد هروب خلال الركض

لكن بالنسبة إلى الشمس ليس هناك حواجز تواجهني

وإذا سمعت خطوات مبهمة لقافية بكرات تتقافز

لدفك أخيرأً

إنه مجرد مهرج رث وراءك

أنا لن أعطيه أي اهتمام

ما تراه مجرد ظل يطارده

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

فأنا لست نعسان وليس هناك مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحنا

في النهار المجلجل المصلصل سآتي لأتبعك

دعني اختفي بين دوائر دخان ذهني

على خرائب الزمن المضبَّبة

بعيدا عابرا الأوراق المجمدة

الأشجار الخائفة المسكونة بالجن

إلى الخارج نحو الشاطئ العاصف

بعيدا عن المكان المتلوي للأسى المجنون

نعم، للرقص  تحت سماء ماسية

مع يد واحدة تلّوح بحرية

مظللة بالبحر

وحولها تلتف دوائر الرمل

مع كل الذاكرة والقدر

منسحبة عميقا تحت الأمواج

دعني أنسى اليوم حتى غدٍ

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

أنا لست نعسان وليس لي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

في الصباح المجلجل المصلصل سآتي لأتبعك

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …