الرئيسية / قصص / تاء التأنيث

تاء التأنيث

 

(1)

“ماذا كان سيسميك أهلك لو وُلِدتَ بنتاً؟”

سألتُ “مصيب” من دون سابق إنذار، وهذا ما جعل عينيه ترمشان قليلا وراء نظارتيه السميكتين. ارتسمت على شفتيه ابتسامة معاتبة كأنها تقول لي: “حتى أنت..؟ لم أكن أتوقع ذلك منك..”. لكن الثقة عادت إليه بسرعة، ولا استبعد أن ذلك راجع إلى ندرة اسمه، فكل المترجمين  الآخرين الذين يعملون في مكتبه يحملون اسماء شائعة، ولن يشعر صاحب الوكالة ذو الأصل الهندي بالحرج إذا أخطأ في إطلاق اسم أحدهم على الآخر، إلا مدير مكتب الترجمة العربية “مصيب”. ولجعل مهمة لفظ اسمه على لسان غير العرب سهلا بدّل حرف الصاد إلى سين. مع ذلك فهو يغضب حين يناديه أحدنا بمسيب، اذ تحمر اذناه وتظل عيناه مسلطتين على الورقة احتجاجا على تلك السخرية الخفيفة.

لعل السبب الآخر الذي جعله غير مبال بسؤالي المتخابث هو المسافة الإدارية الشاسعة التي تفصلني عنه، فإذا افترضنا أن مكتب صاحب الشركة “امريت” مركز الكون فسأكون في هذه الحالة عند حافته بينما سيكون”مصيب” جرما قريبا منه يدور دون توقف حوله، منه يكسب القوة والدفء ومعنى الحياة. ولهذا السبب كان مدير مكتبنا حريصا على الحصول (بطرق غامضة) على أجمل صورة فوتوغرافية معبرة لصاحب الوكالة وتكبيرها ثم تعليقها فوق رأسه.

كذلك، ظلت تلك الدعوات المتكررة لـ “أمريت” له للذهاب إلى مكتبه مثيرة للانتباه، إذ حال اتصال “ماندي”، سكرتيرة صاحب الوكالة، به داعية إياه للقدوم، ينطلق في ترديد المعوذتين، متأتئاً بصوت منخفض: “يا رب استر..” آنذاك يتلبس وجهه قناعا شاحبا وتتحول شفتاه إلى شريحتي ليمون خاويتين من العصير ترتعشان بانتظام. لكنه حين يعود من مكتب صاحب العمل يبدو شخصا آخر وكأنه مُنح للتو كنوز النبي سليمان. قد يسأله احدنا من باب الاطمئنان: “كيف كانت المقابلة؟” فيجيبه وعيناه مغمورتان بدموع الفرح: “كل شي تمام. قد لا تصدقون إذا قلت لكم ان حضرته قدم لي شايا”.

لا أحد يعلم متى التحق “مصيب” بوكالتنا هذه. مع ذلك يجزم بعض العاملين أنه ابتدأ منذ اليوم الأول لافتتاحها، حين أسسها رجل أعمال من أصل صيني، وخلال الثلاثين عاما من عمرها انتقلت ملكيتها بين عدد من الأثرياء، بعضهم من أصول آسيوية مختلفة، ومع كل صاحب عمل جديد كان “مصيب” حريصا على تعلم كلمات وجمل من لغة الآخر الاصلية، والحصول (بطريقة غامضة) على صورة فوتوغرافية له، ليكبرها ويعلقها فوق رأسه. بل هو يمضي أبعد من ذلك بقراءة مبادئ الفلسفة او الديانة التي يؤمن بها صاحب الوكالة، وبفضل ذلك تراكمت لديه معارف واسعة في الهندوسية والبوذية والطاوية، طبقة فوق طبقة حسب خلفية الآخر الثقافية.

وها هو اليوم في عهد “أمريت” اسمعه يردد من وقت إلى آخر مقاطع من كتاب الأوبانيشاد المقدس، وحينما يتحدث عن الوكالة أو صاحبها يستخدم ضمير المتكلم “نحن”.

هل هذا التماهي المطلق مع “الزعيم” ناجم عن جينة استثنائية ورثها “مصيب “أبا عن جد أم هو مسعى للتحرر من الشعور بالضآلة عبر الذوبان الكامل برب العمل؟ نوع من النرفانا عندما تنطفئ الشرارات الصغرى بالنار الكبرى؟  أو لعله رهاب من المجهول المكشر عن أنيابه له في عالم الغيب؟

وكأن هذ الوحش المجهول حل أخيرا، رغم مساعي “مصيب” الدؤوبة لتجنبه طوال سنوات حياته، عبر سلسلة حوادث تشبه في ندرة وقوعها معا الفوز بجائزة اليانصيب الأولى أو سقوط صاعقة على رأس شخص من بين عشرة مليارات انسان.

ظل مديرنا يتجنب التمتع بعطله السنوية دفعة واحدة. فالانقطاع عن العمل ثلاثة أو أربعة أسابيع يحمل بالنسبة إليه مخاطر فقدان وظيفته. إذ كيف سيكون موقف صاحب الوكالة إذا شعر بأن العمل سائر من دون “مصيب” كما ينبغي؟ لذلك فهو ظل يتمتع بإجازاته على شكل جرعات صغيرة: يومين أو ثلاثة أيام ثم العودة إلى العمل، ليجلس مبتهجا على كرسيه الذي لم يفقد بعد كل حرارة بشرته.

مع ذلك، كان عليه أن يكسر هذه القاعدة الذهبية عند بلوغه خبر احتضار أبيه، فلم تمض على مهاتفة أخيه الأصغر له، أكثر من ثماني ساعات حتى وجد نفسه في مطار هيثرو. وما شجعه على السفر قدوم “أمريت” بنفسه إلى غرفتنا: “آسف على هذه الأخبار”، قال صاحب الوكالة، ثم ربت على كتفه: ” سافِر اليوم، ولا تفكر في العمل. نحن ممتنون لجهودك”. وهذا ما فعله مديرنا على مضض.

 

(2)

بعد مضي سنوات على إغلاق الوكالة النهائي، أدركتُ كم كنا نتبسط في الحديث مع مديرنا  الطيب، إلى حد قلب العلاقة بيننا وبينه، فكأن كلا منا كان رئيس القسم و”مصيب” هو المرؤوس الوحيد فينا. مع ذلك، كنا نخضع لإرادته في نهاية المطاف، بفضل سلاح ظل يستخدمه بنجاح ضدنا كي ننجز المهام المنوطة بنا بأسرع وقت: إنه سلاح زرع الشعور بالذنب؛ فمن وراء طاولته الغاصة بالملفات، وعبر زجاج نظارته السميك، كان “مصيب” يتلصص علينا، رغم تظاهره بالانكباب الكلي على عمله. فحالما يجد أحدنا يتململ قليلا تعبيرا عن ضجره من ترجمة مقالة ثقيلة حتى يقفز من  كرسيه صوبه عارضا عليه المساعدة، وإذا أصر الزميل على إنجاز المهمة وحده، سيرتفع صوت المدير متوسلا بعبارة ظل يكررها في كل مناسبة: “علينا ألا نعطي انطباعا سيئا”، ولن يجد الآخر مناصا من تقاسم الصفحات معه.

أدركُ الآن كم كنا واقعين تحت تأثير “مصيب”، حتى حين يلتزم الصمت، فكأنه مُنوِّم مغناطيسي لا يكف عن إرسال ذبذبات في الفضاء تجعلنا تحت وطأة هاجس بالتقصير. كأننا كنا في قلعة محاصرة ولن تمضي دقيقة واحدة حتى يطل صاحب الوكالة برأسه ليمسكنا بالجرم المشهود. ولعل غياب مديرنا الطويل منحنا، وللمرة الأولى، شعورا بالاسترخاء والاستمتاع بالعمل والمناخ المرح، ولا أستطيع نكران تبادل النوادر حول “مصيب”: نحن ما زلنا نشهد إصراره على حمل مظلة كل يوم حتى لو كانت كل نشرات الأنواء الجوية تؤكد سيادة الصحو أسبوعا بأكمله، أو حضوره اليومي المبكر، حتى قبل فتح الوكالة أبوابها خوفا من وقوع عطل ما في قطارات الانفاق اللندنية.

أخبرني زميل عمِلَ مع “مصيب” منذ البداية في الوكالة، كيف اقترن مديرنا بزوجته  الانجليزية.  لقد جاء أولا من مدينته، مرسلا من شركة تأمين على الحياة ليحضر دورة تدريبيةً مكثفة نظمتها الشركة الأم في لندن، وفي مبناها تعرف على “مرغريت”. وكأن لكلمات الترحيب، التي اعتادت موظفة الاستعلامات ترديدها مع زوار الشركة، فعل السحر عليه.

لا يعرف الزميل تفاصيل كثيرة عن نشوء العلاقة بينهما، لكن ما هو متأكد منه أن نجاح “مصيب” في اختبار الترجمة الذي نظمته وكالتنا الناشئة للتو، شجعه على المضي خطوة أبعد: طلب يد “مرغريت” على الرغم من فارق السن بينهما.

كانت أيامه القليلة تلك في لندن أشبه بالحلم، تجري وفق إيقاع خارج عن إرادته: عمل جديد براتب مغر؛ امرأة ناضجة تفتح له أبواب لندن الغامضة؛ انتقال من الفندق إلى شقتها الصغيرة. ولعله تحت جناحي الحلم الذي كان يعيشه لم يشكل وجود آنّا، ابنة مرغريت، ذات العشر سنوات، معهما رادعاً أمام قراره بالمضي قدما في قرار زواجه، أو لعله علم أن عمله في وكالة الترجمة مرتبط بحصوله على إقامة دائمة، والأخيرة لا يمكن الحصول عليها من دون اقترانه بامرأة بريطانية.

 

(3)

 

حين بلغنا خبر مكوث “مصيب” في قسم العناية المشددة، قابلناه بعدم التصديق، إذ كنا حتى تلك اللحظة على قناعة بوجوده بعيدا عن مدينتنا بآلاف الأميال. وقبل السماح لنا بزيارته، انتشرت قصص متضاربة في الوكالة عما حدث له يوم وصوله إلى لندن. ولعل هذه القصة التي  سمعتها مراراً أقربها إلى الحقيقة:

قبل مغادرته مطار “سين” عائدا إلى لندن، اتصل “مصيب” بزوجته عبر هاتفه الجوال، ففاجأه صمت، مدة ثوانٍ، بدت له أطول من ذلك بكثير، ثم أعقبه صوت امرأة على مسجل: “الجوال الذي هاتفته غير متوفر”.

إنها المرة العاشرة التي يحاول فيها التكلم مع مرغريت دون جدوى، إذ حاول خمس مرات أمس واربع اخرى أول من امس، وفي كل مرة يستقبله صوت جهاز التسجيل بنبرة نسائية محايدة: “الجوال الذي هاتفته غير متوفر”.

عند هبوطه في مطار هيثرو فجرا، لم يدر في خلده قط أن لندن هيأت له مفاجأة بغيضة كهذه: انغلاق المترو في وجهه بسبب إضراب عماله. وكأن ذلك ايقظ في نفسه تطيرا باقتراب وقوع الصاعقة التي حاول تجنبها طوال حياته على رأسه. هاتف مرغريت قبل عبوره الباب الدوار إلى الخارج، ومثلما هو الحال في كل محاولاته السابقة كرر صوت المرأة المسجَّل الجملة نفسها: “الجوال الذي هاتفته غير متوفر”. انتابه ندم عميق لإنهاء خدمة الخط الارضي تقليلا للنفقات كما اقترحت مرغريت.

كان الطريق السريع غاصا بالعربات مما جعل سيارة التاكسي التي كان يقلها “مصيب” تزحف ببطء قاتل. لا أستبعد أن رغبة القفز منها، والانطلاق ركضا على قدميه قد راودته آنذاك، لكن خجلا من السائق أو تفكيرا بحقيبته الثقيلة (أو معا) منعاه من التململ، مكتفيا بإطلاق تلك الآهات التي اعتاد إطلاقها في المكتب كلما تباطأ أحدنا في عمله.

استغرقت رحلته إلى البيت أكثر من ساعتين. ولم تصدق عيناه حين اخترقت السيارة اخيرا الشارع الضيق الذي ظلت قدماه تذرعانه كل يوم منذ ربع قرن. تنقلت عيناه بين صفي واجهات البيوت الممتدة على جانبيه كقطع الدومينو: كل شيء بقي على حاله كما تركه: الألوان الباهتة نفسها، الغيوم الرمادية الجاثمة فوق اشجار السنديان العارية، النوافذ الواسعة بستائر الساتان نصف الشفافة، والصمت نفسه. في لحظة تجاوزه باب الحديقة الأمامية، خرج جاره من بيته، وعَبْرَ الحاجز الفاصل بينهما، رسم الآخر ابتسامة تشير كأنه رأى “مصيب” قبل ساعات قليلة لا أسابيع ثلاثة.

قبل أن يقرع جرس الباب كانت خطته واضحة: بعد احتضان زوجته والتربيت على رأس كلبهما “فْلاي” سيترك حقيبته في المدخل، ويعود فورا إلى السيارة التي طلب من سائقها انتظاره،  كي يقله إلى مبنى الوكالة. لا بد أن “أمريت”  يتوقع قدومه اليوم إذ بعث “مصيب” أمس لسكرتيرته رسالة الكترونية  يعلمها فيها التحاقه بالخدمة اليوم.

توقع وهو يقرع الجرس،  جوابا فوريا من “فْلاي”: نباحا وعويلا تعبيرا عن فرحته بعودة صاحبه، لكنه لم يستلم سوى صمت مطبق غريب، حتى بعد تكرارفعله مرارا.

كم مضى عليه واقفا أمام البيت قبل مد يده في جيبه وإخراج مفتاح الباب الخارجي؟ لعله ظل مترددا في دفعه داخل القفل، فالبيت الذي اشتراه ووفى عقاره تشاركه السكن فيه أنّا،   وطفلاها وصديقها الجديد اندرو، وهذا ما يجعله حريصا على عدم خرق خصوصيتهم، على الرغم من أنهم يحتلون الطابق الأعلى في البيت. حتى مع حرص زوجته مرغريت الشديد على إرضائه وجعله يشعر بأنه السيد، كان مصيب (كما سمعتُ) يعيش عزلة عميقة عن الآخرين، ولعل ما يجمعه بساكني بيتهم جميعا الكلب، الذي تدور معظم احاديثه معهم عنه. ولا أستبعد أن “فْلاي” يعي حالة سيده، فكثرة ترديد اسمه في قسمنا على لسان “مصيب” تشير إلى مدى التعلق المتبادل بينهما.

انتابه للحظة شعور بأنه أخطأ البيت أو الشارع حين أبى المفتاح الدوران داخل قفل الباب. لعله قام آنذاك بإخراجه وتفريشه مرارا بِكمّ سترته وفي كل مرة كان الفشل نصيبه. لا استبعد حضور هذا السؤال في ذهنه: هل قررت زوجته طرده من حياتها بعد بقائه بعيدا عنها كل هذه الفترة؟ إذ ليس هناك ما يجمعهما سوى “فْلاي” الذي أصبح بمثابة ابنهما المتبنى بعد فشل زوجته في الحمل. وحتى لو قررت الانفصال أليس له حصة في بيته؟ وهل سيستطيع الكلب تحمل العيش من دونه؟ هو الذي تملأه البهجة كل مساء عند عودة سيده إلى البيت فيمضي متحلقا حوله مسندا ساقيه الأماميتين على فخذي “مصيب” في وقت تظل عيناه مسلطتين على عينيه، كأنهما تحاولان التعبير عن حب لا حدود له.

لا بد أن السائق قطع تيار هواجسه، ليبرز فجأة واقفا وراءه: “هل بدلتَ رأيك، وقررت البقاء يا سيدي؟” وكأنه كان يقول له بشكل آخر: “ادفع لي أجرتي ودعني أذهب”.

ما الذي كان يدور في رأس “مصيب” خلال رحلته إلى الوكالة؟ هل تبادل مع السائق شكوى الكثيرين من طقس لندن المتقلب؟ من إضرابات عمال المترو المنتظمة؟ هل شرح للآخر سبب إعادة حقيبة السفر الكبيرة إلى السيارة؟ لا أظن ذلك. فهو شديد الحرص دائما على إعطاء صورة مزهرة عن حياته الخاصة. كم تباهى بذوق زوجته الرفيع باختيار الاثاث، فهي (كما قال ذات مرة) تُبدل قطع البيت من ستائر وكنبات وأسرّة كل عامين لتتماشى مع الموضة. فسر أحد الزملاء ذلك تعبيرا عن ضجرها، فهي كما ذكر “مصيب” قد تركت عملها بعد زواجهما. وها هو الآن جالس في المقعد الخلفي للسيارة بينما تسكن حقيبته في صندوق السيارة الخلفي، حقيبة واحدة معه، مثلما هو الحال عند قدومه أول مرة إلى لندن قبل ثلاثين سنة!

وقف السائق أخيرا أمام مبنى الوكالة، فانفرجت أسارير “مصيب”. راحت عيناه تتطلعان بلهفة وفخر إلى زجاج واجهاته الداكنة العملاقة كأنه مالكه الحقيقي، ففي هذا المكان فقط عاش حياته الحقيقية في لندن، وأي وقت قضاه خارجه كان مجرد حلم يقظة تمسحه أحداث اليوم اللاحق في وكالة الترجمة هذه. من هذه القلعة سيبدأ معركته مع “مرغريت”  لاسترجاع بيته منها. كان عليها أن تتفاهم معه بدلا من تبديل قفل البيت ورميه، دون أي سبب، خارج حياتها.  بعد بيته سيسترجع “فْلاي” وصورة “أمريت” التي ظلت زوجته تحتج على تعليقها في غرفة نومهما.

ها هو يقرع جرس الطابق الثالث الذي تحتله وكالتنا. مرة، مرتين، ثلاثا، أربع، خمساً.. لا بد أن موظف الاستقبالات، جيمس، يشاهد الآن صورته على شاشة التلفزيون، يرفع يده إليه: “مرحبا جيمس أنا “مصيب” أنا عدت للتو من بلدي”، قال متضرعا، “وأمس أخبرت سكرتيرة السيد “أمريت” بالتحاقي اليوم بالعمل. اذهب واسألها إن كنت تشك بكلامي”. وأمام صمت المذياع الصغير المثبت على حافة البوابة الزجاجية الخارجية، وجد “مصيب” نفسه يضرب بشدة على الزجاج، لعل أحدا في العمارة ينتبه إليه فيفتح له الباب. توقف بعض العابرين وراءه وهم يراقبون كهلا وسيما ببدلة أنيقة وحقيبة كبيرة واقفا أمام صورته الباهتة التي يعكسها الزجاج، وعلى عينيه ارتسمت علائم ذعر وجزع، تخرج من فمه كلمات مفككة: “أرجوك جيمس، افتح لي الباب. سأشرح للسيد “أمريت” سبب تأخري اليوم… أنا دائما اجيء إلى العمل قبلك أليس كذلك؟ افتح ولا تخف، أنا متأكد من طيبة صاحب شركتنا.. اِفـ..”

وكأن سلسلة المصائب بحاجة إلى ذروة كي تبدأ بالتلاشي، ولم تكن تلك الذروة سوى جملة أطلقها أحد السابلة المتجمعين وراءه: “انظروا إلى حقيبته…” ولم يكن ذلك الشخص بحاجة إلى إعطاء شروحات عما يعنيه، فلون بشرة “مصيب” كافٍ ليكشف أصله المثير للشبهات.

بدأ الحشد بالتراجع تلقائيا، مما دفع مدير قسمنا بالالتفات تلقائيا صوبه ورفع الحقيبة بيده اليمنى استعدادا للمغادرة، وما كاد يرمي خطوة إلى أمام حتى ارتفعت صرخات الذعر، التي جذبت أعدادا جديدة من المارة ودفعت آخرين منهم للتراجع وعبور الشارع دون الالتفات إلى السيارات المتحركة ببطء سلحفاتي، حيث حركة المرور تبلغ عادة الذروة آنذاك.

هل جاء زعيق سيارات الشرطة بعد اتصال أحد المارة الفزعين برقم الطوارئ؟ ها هو “مصيب” يواجه ما ظل يخشاه طوال حياته: تحقق ذلك الكابوس الذي ظل يزوره بانتظام؛ إنه يراه الآن أوضح من السابق: رجال شرطة يحاصرونه وفي أيديهم مسدسات وبنادق آلية، ومنهم تنطلق صرخات حادة آمرة إياه برمي الحقيبة جانبا ورفع يديه فوق رأسه .وإذا كان الصحو قد أنقذه من كوابيسه المستنسخة في السابق، فإن الإغماء الناجم عن أزمة قلبية حادة كان المنقذ له هذه المرة.

 

(4)

كانت الدمدمات التي راحت أذناه تلتقطانها دليلا على استرجاعه الوعي، ولعل روائح الطعام ومواد التعقيم والتنظيف التي فغمت انفه جعلته يوقن أنه في مستشفى ما، ورب سؤال حضره في تلك اللحظة: هل في سجون لندن مستشفيات؟ فضل إبقاء عينيه مغمضتين، تجنبا لصدمة أخرى، لكن الاصوات بدأت تتضح اكثر فاكثر، انها تتحدث عنه، ومن بينها صوت نسائي أليف على أذنيه لا يكف عن طرح أسئلة تتعلق بصحته: “هل تجاوز مرحلة الخطر، دكتور؟”، وكأنه تحت شعور بالحرج من أن يكون موضع اهتمام الاخرين، فتح عينيه أخيرا.

ها هو يرى، بدلا من أفراد شرطة يحيطون بسريره، شخصين لم يلتقيا أبدا من قبل. إنهما يتطلعان إليه بحنو، من كرسييهما المقابلين له، ليتعمق في نفسه شعور بأن ما يراه ليس سوى حلم سيختفي حال استيقاظه. همست زوجته بنبرة فرحة متحفظة تجنبا لازعاج المرضى الآخرين أو ربما تجنبا للظهور بمظهر المبالغ في التعبير عن مشاعره: ” أنت بخير، حبيبي، الطبيب أخبرني بكل شيء: لم تكن سوى أزمة قلبية عابرة..”

قال صاحب الوكالة، “أمريت”: “لا أريدك أن تعود إلى العمل قبل استرجاع عافيتك تماما: شهرا، شهرين، ثلاثة، لا يهم”.

قالت مرغريت: “كنت على بعد 50 ياردة منك حين ركبت التاكسي، وناديتك لكنك لم  تسمع.. ذهبتُ إلى الدكان القريب، ولم أعلم أنك آتٍ”.

أضاف أمريت بنبرة اعتذارية: “وفوق ذلك، أنا أعطيتُ الموظفين في ذلك اليوم عطلة مدفوعة الأجر بسبب الإضراب”.

حدثني “مصيب” عند زيارتي له عما جرى حقيقةً؛ وكأنه بذلك أراد أن يفرغ ما في داخله من مشاعر، جراء ارتطام عالمين مختلفين تماما: الواقع كما هو، وصورته الوهمية التي تشكلت في رأسه فقط. لكنه لم ينس تذكيري قبل البوح: “هذا سر بيننا فقط”.

قبل وصوله بيوم واحد إلى لندن، أضاعت “مرغريت” حقيبة الكتف الجلدية. كانت جالسة في المترو واضعة إياها على المقعد المجاور لها. وكأن سِنة سرقتها من عالم اليقظة، وعند إفاقتها بعد دقائق قليلة كانت الحقيبة قد اختفت عن ناظريها.

وشاءت المصادفة أن تضع هاتفها الجوال ومفاتيح البيت في الحقيبة المنحوسة، وأنْ تكون ابنتها وطفلاها وصديقها في رحلة سياحية خارج بريطانيا.

كان عليها أن تذهب إلى مركز الشرطة المحلي لتسجل دعوى ضد مجهول، ومن هناك اتصلت بشركة  متخصصة في كسر أقفال الأبواب وتركيب بدائل لها.

مع ذلك، بدا “مصيب” وكأنه قلق على مستقبله في وكالة الترجمة، رغم كل الوعود التي قطعها “أمريت” له. سألني لحظة نهوضي للمغادرة: “هل جلبوا بديلا عني؟”، وحين طمأنته بأننا عوضنا غيابه دون بديل، ازداد الشحوب على وجهه. ولا أدري ما كان يدور في رأسه حين سألني راجيا: “إذا احتجتُ إلى سكن مؤقت، هل تستطيع استضافتي”؟

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

كذبة بيضاء

  استرجع الشاعر، وهو يراقب أصدقاءه من أعلى، ذلك السؤال الذي طرحه عليه الصحافي في …