الرئيسية / تراجم / دروب وسط الضباب – الجزء السابع

دروب وسط الضباب – الجزء السابع

من كتاب خيانة الوصايا لميلان كونديرا

ترجمة: لؤي عبد الاله

الجزء السابع

دروب وسط  الضباب

 

ما هو اسلوب التورية التهكمية Irony ؟

في الجزء الرابع من رواية “كتاب الضحك والنسيان”، تحتاج البطلة تامينا الى مساعدة من صديقتها، بيبي، المهووسة بفكرة انجاز كتاب، ولكسب ودها، قامت بترتيب لقاء لها بكاتب يعيش في نفس الحي، يدعى باناكا. سيشرح هذا الكاتب لصديقة تامينا، بان كتّاب اليوم قد نبذوا فن الرواية العتيق: “انت تعلمين بان الرواية هي ثمرة الوهم البشري. وهم قوة فهم الاخرين. لكن ما الذي يعرفه احدنا عن الاخر؟… كل ما يستطيع المرء ان يقوم به هو تقديم تقرير عن نفسه… أي شيء آخر هو محض كذبة.” اما صديق باناكا، استاذ الفلسفة فيضيف: “منذ جيمس جويس بتنا نعلم بان المغامرة الكبرى في حياتنا هي غياب اي مغامرة… واوديسة هوميروس لا تجري الاّ في دواخلنا.” وجدتُ، بعد مرور وقت عن صدور الكتاب، بان هذه الكلمات اصبحت كأنها شعار للرواية الفرنسية. وقد شعرت بالغبطة والانزعاج معا، اذ انه حسب رأيي، لا يعدو ما قاله باناكا وصديقه سوى سخافات مركبة بشكل معقد. ففي فترة  السبعينات، كنت اسمع هذه الكلمات في كل مكان: النقاشات الجامعية الممزوجة بنتف مقتبسة من البنيوية والتحليل النفسي.

نُشر الفصل الرابع من “كتاب الضحك والنسيان”، في تشيكوسلوفاكيا، ككتاب

صغير منفصل (وهو اول شيء يُنشر لي بعد منع استمر عشرين عاما)، وقد أُرسلت لي قصاصة جريدة، الى باريس، وفيها يعبر الكاتب اعجابه بعملي، ولكي يثبت ذكائي، انتقى  في مقالته هذه العبارة التي اعتبرها رائعة: “منذ جيمس

جويس اصبحت المغامرة الكبرى في حياتنا هي غياب المغامرة”، والى  آخره، وقد شعرت بشيء من المتعة الخبيثة، لكأن كتاباتي نفسها يساء فهمها حتى في بلادي.

بالامكان ادراك سوء الفهم هذا، لانني لم اسخر بباناكا او صديقه البروفسور، ولانني لم اكشف تحفظاتي حول افكارهما. بل بالعكس، انا بذلت كل ما استطيعه لاخفاء ارائي تجاههما، وهذا عبر اعطاء ارائهما شكلا انيقا متوافقا مع الخطاب الثقافي، الذي كان في تلك الفترة، محترما وموضة لتقليد الكثير من المثقفين. ولو انني جعلت احاديثهما مبعثا للاستهزاء، عبر المبالغة بها، لكنت قد انتجت ما يمكن تسميته بالاهجوة Satire. الاهجوة هي فن يستند على القناعة بصحة اطروحة ما، قناعة مطلقة، وتسعى الى محاربة نقيضها عبر السخرية. لكن علاقة الروائي بشخوصه لا يمكن ان تكون ابدا ذات طابع هجائي ساخر satiric؛ بل فيها تورية تهكمية ironic. لكن كيف يمكن لاسلوب التورية التهكمية irony، والذي هو

حسب التعريف ذو طبيعة كتومة، ان يكون ملموسا؟ الجواب: ضمن السياق: لم تأت ملاحظات باناكا وصديقه، الا ضمن مناخ محكوم باشارات وافعال وكلمات، يجعلها نسبية ومقبولة. فالعالم الريفي الصغير الذي يحيط بتامينا متميز بانانية بريئة: الكل يحمل ودا صادقا لها، لكن مع ذلك لا احد يحاول ان يفهمها،  بل حتى معرفة ما يعنيه “الفهم”. وعندما يقول باناكا بان فن الرواية اصبح عقيما لاستحالة فهم الاخر، فانه لا يعبر فقط عن موقف جمالي شائع انذاك، بل وبدون ان يدري،  فهو يعبر عن بؤسه وعن محيطه ايضا: فقدان الرغبة بفهم الآخر؛ عمى اناني تجاه العالم الحقيقي.

يعني اسلوب التورية التهكمية irony بانه لايمكن اخذ اي وجهة نظر في الرواية بمعزل  عن غيرها، لان كلا منها يقف في تراصف معقد ومتناقض مع وجهات نظر اخرى، مع اوضاع واشارات وحوادث اخرى. وربما القراءة  البطيئة، لمرتين او اكثر، تساعد على اظهار اواصر التورية التهكمية داخل الرواية، والتي بدون الكشف عنها تظل الرواية عسيرة على  الفهم.

سلوك “ك” الغريب في اثناء اعتقاله

 استيقظ “ك” ذات صباح، ومن فراشه دق الجرس طالبا احضار الفطور، لكن بدلا من الخادمة، ظهر رجلان غريبان، لا يوحي مظهرهما باي شيء غريب، حتى ملابسهما كانت عادية، مع ذلك، راحا على الفور يمارسان سلطة جعلت “ك” يشعر بقوتهما. لذلك فعلى الرغم مما سببه حضورهما من ارهاق، لم يكن بامكانه طردهما، وبدلا عن ذلك سألهما بنبرة مهذبة: :من انتما؟”

منذ البدء، بدا سلوك “ك” مذبذبا بين ضعفه، الذي جعله على استعداد لتقبل  وقاحة المتطفلين الفظيعة (هما قد جاءا لاعلامه بانه تحت الاعتقال)، وخوفه من الظهور  بمظهر باعث على الهزء. على سبيل المثال، نجده يردد وبشكل حاسم: “انا لن ابقى هنا ولن ادعكما تكلمانني حتى تعرّفا بنفسيكما.” سيكون كافيا اجتزاء هذه الكلمات من موضعها الغريب  داخل النص، اي اخذها بشكل حرفي (مثلما فعل بعض قرائي عند اخذهم كلمات باناكا مأخذ الجد) حتى يصبح “ك” عندنا ( مثلما رآه اورسون ويلز في فيلم المحاكمة) رجلا ثائرا ضد العنف. مع ذلك، فيكفي قراءة النص بعناية لاكتشاف ان هذا الشخص المتمرد كان يطيع وبشكل مستمر الرجلين المتطفلين، واللذين لم يكتفيا برفض التعريف بنفسيهما بل هما اكلا فطوره واجبراه على البقاء طيلة الوقت مرتديا بيجامته.

في نهاية هذا المشهد الحافل بالاذلال الشاذ (يمد “ك” يده لمصافحتهما لكنهما يرفضان اخذها)، قال احد الرجلين لـ “ك”: “اعتقد انك ذاهب الى البنك؟” فسأله “ك” مستغربا: “الى البنك؟ ظننت انني تحت الاعتقال.”

ها هو الرجل المنتفض ضد العنف مرة اخرى! انه تهكمي! انه استفزازي! مع ان كافكا يجعل الامر واضحا في ملاحظته التالية: ” وجّه “ك” السؤال مع قدر من التحدي، اذ بعد اهمال عرضه بالمصافحة، انتابه شعور بالاستقلال عن هؤلاء، شعور راح يزداد اكثر فاكثر. انه الان قادر على  اللعب معهم، خصوصا، بعد نهوض المفتش من كرسيه، واذا هم قرروا الخروج، فسيقوم بملاحقتهم حتى الباب ليضع  نفسه امامهم رهن الاعتقال.”

هنا نجد تورية تهكمية شديدة الغموض: “ك” في حالة استسلام  كامل لكنه في

الوقت نفسه يريد ان يشاهد نفسه كشخص قوي، قادر على “اللعب معهم”، فهو يسخر منهم، عبر التظاهر بانه يأخذ موضوع اعتقاله جديا؛ لكنه في الحقيقة كان

مستسلما كليا لهم، لذلك فهو يحاول ان يفسر استسلامه، لنفسه، بطريقة تجعله يحافظ على كرامته تجاه نفسه.

قرأ الناس كافكا، اول الامر، وعلى وجوههم تعابير مأساوية، لكنهم سمعوا من بعد بان كافكا قد قرأ الفصل الاول من المحاكمة على اصدقائه، وجعلهم جميعا يغرقون بالضحك. سيبدأ القرّاء بعد ذلك بقراءة “المحاكمة” ليقسروا انفسهم على  الضحك دون معرفة ما المضحك في ذلك الفصل؟ هل هو سلوك “ك”؟ لكن ما الذي يبعث على الضحك في سلوكه؟

المحاكمة الثانية لجوزيف ك

كانت قراءة النقاد الاوائل لرواية  المحاكمة مختلفة تماما عن قراءة وتأويل

المخرج اورسون ويلز الذي رأى “ك” كشخص بريء منتفض ضد ما هو استبدادي، فعلى سبيل المثال، لم يكن ماكس برود ليعتبر بطل المحاكمة جوزيف ك بريئا باي حال من الاحوال. لكن ما هو ذنب “ك”؟ حسب ما جاء في كتاب برود (اليأس والخلاص في اعمال فرانز كافكا، الصادر سنة 1959):” ك مذنب لعدم قدرته على الحب. اذ انه لا يحب احدا، وكل ما يستطيعه هو التلاعب، لذلك عليه ان يموت.”( دعونا لا ننسى ابدا هذه العبارة المتعالية الغبية!) يقدم برود حجتين لدعم رأيه، الاولى مستندة على فصل غير مكتمل، ولم يُنشَر ضمن الرواية بل كملحق لها. هنا نجد ان “ك” لم يقم بزيارة امه لمدة ثلاثة اعوام، بل كان يرسل لها المال ويحصل على المعلومات حول صحتها عبر قريب له (تشابه غريب: اتُّهم ميرسو بطل رواية “الغريب”، لكامو، بعدم حبه لامه). الحجة الثانية تستند على علاقة “ك” بالسيدة “بارستنير” التي يصفها برود بانها “علاقة جنسية منحطة”. ” السيدة بارستنير التي انجذب “ك” اليها، تحت وطأة رغبة ما، ظلت مخلوقا شبحيا بالنسبة اليه، لا ككائن انساني، اذ ان كل ما كان يشده اليها هو الجنس”.

يكتب الكافكالوجي التشيكي، غولدستاكر، في تقديمه لطبعة” المحاكمة” الصادرة في  براغ، عام 1964، منتقدا “ك” بنفس قسوة ماكس برود، على الرغم من ان معجمه غير مستند على علم اللاهوت، بل على السوسيولوجيا الماركسية: “جوزيف ك مذنب لانه سمح لحياته ان تصبح ميكانيكية، واوتوماتيكية ومستلبة، وبذلك تكون متوافقة مع الايقاع الرتيب للماكنة الاجتماعية، وهذا ما جعلها محرومة من كل صفة انسانية؛ لذلك فان “ك” قد خرق القانون، الذي حَسْب رؤية كافكا، يتحكم بالجنس البشري: ان تكون انسانا”. في فترة الخمسينات، عاش غولدستاكر، محاكمة ستالينية رهيبة، حيث وُجّهت له تهم خيالية، وقضى اربعة اعوام في السجن. انا اسأل نفسي: كيف يمكن لهذا الانسان، الذي كان نفسه ضحية محاكمة، ان يقيم محكمة اخرى لمتهم، لا يتجاوزه في الذنب؟

حسب وجهة نظر الكسندر فيالات Alexander Vialatte (التاريخ السري للمحاكمة، الصادر عام 1947)، المحاكمة في رواية كافكا هي تلك التي اقامها كافكا ضد نفسه، اذ ان “ك” ليس سوى الانا الاخر لكافكا: كان كافكا قد فسخ خطبته مع فيليس، وابو الخطيبة قد جاء من مدينة مالمو خصيصا لمحاكمة هذا الشخص المذنب، وغرفة الفندق التي التقى كافكا فيها (في تموز 1914) هي التي بنى  عليها مشهد… وفي اليوم التالي ابتدأ في كتابة عملين معا: “مستعمرة العقاب” و”المحاكمة”. نحن لا نعرف ماهو ذنب “ك”، واخلاقية اليوم تتسامح معه.

مع ذلك، فان “براءته” ذات طابع شيطاني… بطريقة  غامضة، خرق “ك” قوانين عدالة غامضة لا تمت بصلة الينا… القاضي هو الدكتور كافكا، والمتهم هو الدكتور كافكا. وقد اعترف في كونه مذنبا ببراءة شيطانية.”

في المحاكمة الاولى ( التي ينقلها كافكا في روايته) توجه  لجنة المحققين التهمة  لـ “ك” بدون تحديد الجريمة. ولم تترك مسألة ان يتهم شخص ما بدون اي سبب، الاستغراب في نفوس الكافكالوجيين، او حتى لم تستفزهم للتفكير بالحكمة التي تقف وراء هذه الصورة او للتأمل بهذا الابتكار الادبي غير المعروف من قبل. بدلا عن ذلك، يبادرون الى تلبس دور المدعي العام لاجراء محاكمة جديدة لـ “ك”، وفي هذه المرة يسعون لمعرفة الجريمة الحقيقية للمتهم. سيقول برود: انه عاجز عن الحب! ويقول غولدستاكر: انه وافق على مكننة حياته! اما فيالات فيعلل الذنب بفسخ خطبته! هؤلاء  النقاد يستحقون تقديرا واحدا، اذ كانت  محاكمتهم لـ “ك” ذات طابع كافكاوي شبيه بالمحاكمة الاولى، لانه في الاولى، لم يكن هناك اي اتهام موجه لـ “ك”، وفي المحاكمة الثانية فهو متهم باي شكل من الاشكال، وفي كلتا الحالتين هناك شيء واضح: “ك”، مذنب لا لانه ارتكب جريمة ما بل لانه متهم فقط. انه متهم ولذلك يجب ان يموت.

 

 

استقطاب الذنب

لفهم روايات كافكا، هناك طريقة واحدة يلزم اتباعها، وهذه تتحدد بقراءتها كروايات بدلا من ان تكون استقصاء حول شخصية  “ك”، في كونها صورة للمؤلف او بحثا في كلمات “ك” عن رسالة مشفّرة غامضة، وهذ الطريقة تتطلب من القارئ ان يتتبع سلوك الابطال بعناية شديدة، ان يتأمل في ملاحظاتهم وافكارهم، ثم ليحاول ان يتخيلهم امامه. بقراءة  “المحاكمة” وفق هذه الطريقة، سيُصدَم مباشرة برد فعل “ك” الغريب تجاه التهمة: بدون ان يكون قد قام باي فعل خاطئ (او  دون ان يعرف ما الذي فعله) سيبدأ “ك” بالتصرف  وكأنه  مذنب.  ان يشعر بالذنب. ان يُجعَل منه شخصا يشعر بالذنب، شخصا جديرا بتوجيه اللوم اليه.

اعتاد الكثيرون على الاقتناع  بوجود آصرة بسيطة بين ” ان يكون المرء مذنبا” وبين “ان يشعر بالذنب”: انه الشخص المذنب الذي لديه شعور بالذنب. وفي الحقيقة، فان الكلمة الفرنسية culpabiliser – يستقطب شعورا بالذنب- قد استُعمِلت بهذا المعنى مؤخرا؛ اذ انها استخدمت لاول مرة في عام 1966 في حقل التحليل النفسي وابتكاراته في حقل المفاهيم، اما الاسم المشتق من هذا الفعل(culpabilisation ) فقد ابتُكر بعد عامين، وذلك في سنة 1968. لكن قبل هذا التاريخ بفترة طويلة، كانت مشاعر الذنب المستقطبة قد طُرحت، ووُصفت، وطُورت في رواية كافكا “المحاكمة” من خلال شخصية “ك”، وفي هذه الرواية ظهرت هذه المشاعر في جميع مراحل تطورها المختلفة:

المرحلة  الاولى: النضال غير المجدي من اجل الكرامة  الضائعة. بعد توجيه اتهام سخيف  للبطل، الذي لا ينتابه اي شك ببرائته، يكتشف “ك” بانه بدأ يتصرف

كشخص  مذنب، وهذا ما يشعره بالاهانة، التي يحاول اخفاءها. بعد رسم هذه الحالة في المشهد الاول، سيقوم المؤلف بتكثيف هذا الوضع وتحويله الى دعابة تهكمية هائلة: يتصل شخص مجهول بـ “ك” ليعلمه بانه سيتم التحقيق معه يوم الاحد المقبل في احد البيوت الواقعة في ضواحي المدينة. يقرر “ك” الذهاب دون ان ينتابه اي تردد. هل كان ذلك ناجما عن روح الطاعة؟ عن الخوف؟ كلا، بل انه بكل بساطة، بفعل خداع الذات، اذ يرغب “ك” بالذهاب الى ذلك المنزل لانهاء الاشكال القائم مع اولئك المزعجين الذين لا يكفون عن تضييع  وقته في تلك “القضية” الغبية ( “اخذت القضية  مجراها وعليه ان يقاتل لكسبها؛ وهذا التحقيق يجب ان يكون الاول والاخير”). بعد المكالمة مباشرة، دعاه مديره في البنك الى حفلة ستجري في نفس يوم التحقيق، وكان حضورها ضروريا لعمله ايضا، فهل عليه ان يتجاهل دعوة التحقيق؟ كلا، بل هو اعتذر عن الذهاب الى حفلة مديره، اذ أنه،  وبدون ان يرغب في الاعتراف لنفسه بالامر، اصبح تحت سطوة المحاكمة.

وهكذا، يتجه “ك” الى المنزل يوم الاحد. وفي الطريق يدرك بان الصوت الذي اعطاه العنوان عبر التلفون لم يحدد وقتا لبدء التحقيق. لكن ذلك غير مهم، اذ ينتابه شعور بان الوقت لديه ضئيل، وهذا ما يدفعه للركض عبر شوارع المدينة كلها. انه يركض للوصول الى ذلك المنزل في الوقت المضبوط، على الرغم من عدم تحديد ساعة معينة لبدء التحقيق. واذا كان “ك” قد سلّم بتوفر الاسباب لبلوغ ذلك المكان مبكرا، فلماذا لا يستقل عربة بدلا من الركض؟ السبب في عدم ركوب عربة راجع الى “انه لا يرغب في اذلال نفسه امام لجنة التحقيق بالظهور بمظهر  الحريص على تنفيذ المواعيد بدقة شديدة.” انه يركض الى جلسة التحقيق، لكنه يركض باباء رجل لا يقبل  الذل ابدا.

المرحلة الثانية: اثبات القوة. اخيرا يصل “ك” الى الغرفة التي كان الاخرون ينتظرونه فيها. يسأله حاكم التحقيق: “اذن، انت صباغ البيوت؟” لكن “ك” يندفع بحمية شديدة للاجابة على هذا السؤال الساخر، امام جمهور ضاقت به الصالة:

” كلا، انا مدير في احد البنوك الكبيرة،” ثم ينطلق في خطاب طويل، يتهم فيه المحكمة بعدم الكفاءة. يغمره شعور بالقوة تحت تأثيرالتصفيق الذي لاقته كلماته، حيث استخدم صياغات جاهزة، يتحول وفقها المتَّهم الى متهِّم، تحديا للقضاة. لكن الصدمة الاولى تصيبه حينما يكتشف بان كلا من الحاضرين  قد وضع

اشارة على ياقته، وهذه تؤكد على ان الجمهور الذي ظن “ك” بانه كسبه لجانبه، لا يعدو ان يكون مجموعة موظفين. سيقول قبل مغادرته: ” لا شيء هنا سوى الانصات والتجسس”. وعند وصوله الباب يرتفع صوت حاكم التحقيق محذرا:

” انت دفعت بيدك الفوائد التي يقدمها التحقيق دائما للمتهمين”. ليجيبه “ك” غاضبا: ” احتفظوا ايها الحثالة بفوائد التحقيق لانفسكم!”

لن يستطيع القارئ ان يفهم اي شيء حول هذا المشهد بدون ان ينظر الى اواصره  التهكمية التي تتبع انفجار “ك” المتمرد الذي ينتهي معه الفصل الاول. هذه هي بداية الفصل الثاني: “خلال الاسبوع اللاحق، ظل “ك” ينتظر يوما بعد يوم استدعاء جديدا؛ ولم يكن بامكانه الاعتقاد بان رفضه لاجراء التحقيق معه قد أُخِذ حرفيا، لذلك فعلى الرغم من انه لم يستلم اي شيء بحلول مساء السبت، لكنه افترض بانه مطلوب منه الحضور ضمنيا الى نفس البناية وفي نفس الوقت. لذلك  قام “ك” بشق طريقه يوم الاحد….”

المرحلة الثالثة: التآلف مع المحاكمة. وصل عم “ك” ذات يوم تحت وطأة الخوف من نتائج القضية التي اثيرت ضد ابن اخيه. حقيقة ملفتة للنظر؛ اذ على الرغم من الاشارة الى سرية القضية الشديدة، اتضح بان الجميع يعلمون بها. والحقيقة الاخرى، هي انه لا احد يشك بان “ك” مذنب. اذ ان المجتمع قد تبنى الاتهام ضمنيا ليعطي له وزنا اضافيا. نحن كقراء نتوقع اندهاشا حانقا من العم: “كيف يتجرأون على اتهامك، ولاي جريمة بالضبط؟” لكن لم يكن العم مندهشا على الاطلاق، بل كان بالاحرى خائفا من تأثير المحاكمة على اقارب “ك”.

المرحلة الرابعة: النقد الذاتي. لاجل الدفاع عن نفسه في محاكمة يرفض قضاتها اعلان التهمة، ينتهي بـ “ك” المطاف الى البحث عن الجريمة بنفسه. اين تختبئ؟ من المؤكد انها ساكنة في طيات حياته الماضية. “كان عليه ان يستدعي كل حياته، بضمنها دقائق الاحداث والافعال، ثم القيام بمناقشتها  وفحصها من كل زاوية.”

حالة “ك” هذه ليست وهمية باي حال من الاحوال، فهي شبيهة بتصرف امرأة بسيطة المّت بها مصيبة، فراحت تقلّب الامور:  ما الخطأ الذي قمتُ به؟ لتقوم

من بعد بتحري تفاصيل ماضيها، ولن تكتفي بمراجعة افعالها بل حتى كلماتها وافكارها السرية سعيا لفهم غضب الرب عليها.

لوصف هذه الحالة  الذهنية، تربط الممارسة  السياسية الشيوعية بين النقد الذاتي (الذي استخدم بهذا المعنى السياسي منذ فترة الثلاثينات؛ كافكا لم يستخدمه ابدا). فاستخدام هذا المصطلح لا يتوافق مع معناه. اذ ليس الهدف من استعماله التمييز بين ما هو سيء وما هو حسن، للتمكن من تجاوز الاخطاء؛ بل هو من اجل مساعدتك لايجاد جريمتك وهذا سيساعد متِّهمك، لكي يجعلك تقبل وتصادق على الاتهام.

المرحلة الخامسة: التماهي بين الضحية وجلاده. يبلغ اسلوب التورية التهكمية Irony لدى كافكا ذروته الرهيبة في الفصل الاخير: رجلان بمعطفين اسودين يأتيان الى “ك”، ويقتادانه الى الشارع. في البدء يبذل شيئا من المقاومة، لكنه يفكر من  بعد: ” كل ما استطيع القيام به الان… هو الاحتفاظ  بذهن صاف حتى النهاية… هل علي ان اظهر بانني لم اتعلم اي شيء خلال سنة من المحاكمة؟ هل علي ان اموت كبليد بلا احساس؟”

ثم، من مسافة قصيرة، يشاهد “ك” مجموعة من رجال الشرطة وهم يمشون بانتظام. اقترب احدهم من “ك” والرجلين، الذين بدا مظهرهم مريبا. لكن “ك” وبمبادرة منه سيجبر مرافقيه على الهرب، بل هو سيركض معهما للافلات من رجال الشرطة، الذي قد يستطعيون اعاقة او منع اعدام “ك” الوشيك الوقوع.

اخيرا،  يصل الثلاثة الى الموقع المقرر للتنفيذ؛ واذ يتهيأ الرجلان لطعنه، تبرق فكرة في ذهن “ك” (انه نقده الذاتي الاخير): “سيكون واجبا عليه اخذ السكين بيده…ودفعها في جسمه.” لكنه انتقد ضعفه:” انه لا يستطيع ان يكون ذاته تماما، انه لا يستطيع ان يحرر الموظفَّين من اداء مهمتهما؛ ومسؤولية فشله الاخير تقع على ذلك الشخص الذي رفض منحه القوة الضرورية  التي كان يحتاجها.”

كم من الوقت يستطيع الانسان

البقاء متماهيا مع ذاته؟

تتحدد هويات الابطال، لدى  دوستويفسكي، وفق ايديولوجياتهم الشخصية، التي تحدد بشكل مباشر او غير مباشر سلوكياتهم. فكيريلوف، على سبيل المثال، منجذب كليا الى فلسفته حول الانتحار، والتي يراها تعبيرا عن الحرية. كيريلوف: الفكرة تتحول كي تصبح انسانا. لكن في الحياة، هل حقا ان الانسان اسقاط مباشرلايديولوجيته الشخصية؟ بالمقابل، فان شخصيات “الحرب والسلم”  لتولستوي (وبشكل خاص بيير بيزَخوف واندريه بولكونسكي) متميزة ايضا بغناها الثقافي، لكنها تتصف بالتغير المستمر، الى الحد الذي يصعب فيه وصفها وفق افكارها، اذ ان هذه الافكار تتبدل في كل مرحلة من حياتها. لذلك فان تولستوي يقدم لنا صيغة اخرى للانسان: انه مسار رحلة؛ طريق ملتو؛ رحلة لا تتميز فصولها عن بعضها البعض فحسب، بل ينفي كل فصل فيها الفصول السابقة عنها.

انا استخدمت كلمة “طريق”، وقد تكون هذه الكلمة مضللة، لان صورة الطريق تستثير مكانا معينا (او هدفا) يؤول اليه الطريق. لنتساءل الان ما هو هذا المرسى الذي تنتهي اليه الطرق بشكل عشوائي؟ او قد تُقطع بحدوث الموت؟ صحيح، ان

بيير بيزُخوف وصل اخيرا الى الحالة الذهنية  التي يمكن اعتبارها مثالية ونهائية: انه وصل الى الايمان بلا جدوى مواصلة البحث عن معنى لحياته، للنضال من اجل هذه القضية او تلك؛ الرب موجود في كل مكان، في كل ثنايا الحياة، في الحياة العادية، لذلك فيكفي المرء ان يعيش حياته وان يعيشها بشغف: ثم انه يلتفت سعيدا الى زوجته واسرته. لكن هل هو بلغ هدف رحلته؟ القمة التي تجعل كل المراحل السابقة سلالم فوق سلّم؟ اذا كان ذلك هو هدف تولستوي فان روايته تفقد توريتها التهكمية irony وتتحول الى درس اخلاقي. لكن الرواية تأخذ منحى مختلفا تماما عن ذلك. في الفصل الختامي الذي يختصر الاحداث التي تقع خلال السنوات الثماني اللاحقة، سيترك بيير بيزَخوف بيته وزوجته لمدة شهر ونصف،

وفي اثناء ذلك، سينغمر في نشاطات سياسية سرية تدور في بيترسبرغ. انه يبدأ

مرة اخرى، بالبحث عن معنى لحياته، للنضال من اجل قضية. الطريق لا نهاية له وهو لا ينتهي بمرسى.

قد يقول المرء ان المراحل المختلفة  في رحلة ما، لها علاقة تهكمية ببعضها البعض، في عالم التورية التهكمية irony يسود مبدأ المساواة، وهذا يعني ان ليس هناك في اي رحلة، مرحلة متقدمة اخلاقيا عن غيرها. عندما اندفع اندريه بولكونسكي في خدمة وطنه، هل كان يحاول التكفير عن غلطته السابقة  المتمثلة في بغضه للبشر؟ كلا، هنا ليس للنقد الذاتي من موقع. اذ انه في مرحلة ما من طريقه كان يبذل كل جهوده للوصول الى المنصب الذي يأمل بلوغه، وهو يعرف ذلك، فكيف هو يستطيع في هذه الحالة ان يلوم نفسه لعدم تحوله الى الشخص  الذي ليس بامكانه ان يكونه؟ ومثلما ان المرء لا يستطيع اصدار حكم اخلاقي على المراحل المختلفة من رحلته، فانه لايستطيع اصدار حكم على مدى اصالة هذه المرحلة او تلك من رحلة  حياته. من الصعب القول في اي مرحلة  كان بولكونسكي اكثر قربا الى ذاته: في المرحلة التي انسحب فيها من الحياة العامة او في المرحلة التي كرس نفسه فيها الى الصالح العام؟

واذا كانت مراحل الحياة متناقضة مع بعضها الى هذه الدرجة، كيف بامكاننا اذن ان نقرر العامل المشترك القائم فيها؟ ما هو العنصر المشترك الذي يجعلنا نرى في بيزُخوف الملحد وبيزخوف المؤمن الشخص نفسه؟ اين يستقر العنصر الجوهري الثابت في الـ “أنا”؟ وما هي المسؤوليات الاخلاقية التي يحملها بولكونسكي رقم 2، لبولكونسكي رقم 1؟ هل على بيزَخوف عدو نابليون ان يجيب عن بيزخوف الذي كان في فترة ما معجبا بنابليون؟ كم هو طول الفترة الزمنية التي يمكن فيها للانسان التماهي كليا مع ذاته؟

الرواية وحدها قادرة، وبصياغات محددة، استثمار هذا العنصرالانساني  الغامض؛  ولعل تولستوي كان المستثمر الاول له.

 

التفاصيل المتواطئة

لا تقع الانقلابات الحادة في شخصيات تولستوي تدريجيا بل هي عبر تنوير فكري مفاجئ. فبيير بيزَخوفتحول من ملحد الى مؤمن بسهولة مثيرة للدهشة.  كل ما حدث هو الهزة التي تلقاها نتيجة انفصاله عن زوجته ولقائه بماسوني في احد

مراكز الاستراحة المخصصة للمسافرين، حيث تبادل معه الحديث. لم ينجم هذا  التحول السهل عن نزوة عابرة. بل انه، بالاحرى، يكشف لنا عن كون التحول المرئي قد سبقه اعداد داخلي خفي، وفق عملية لا واعية، والذي سيبرز بشكل فجائي تحت ضوء الشمس.

بعد اصابته بجرح خطير في معركة اوستيرلتز،  يسترجع اندريه بولكونسكي وعيه. في تلك اللحظة، يتغير كل عالمه المتماسك والمتألق:  ليس عبر تأملات عقلانية ومنطقية لكن بمواجهة مباشرة مع الموت وتمعّنٍ طويل في  السماء. فكم تلعب تلك التفاصيل (مثل القاء نظرة الى السماء) دورا كبيرا في اثناء  اللحظات الحاسمة التي تعيشها شخصيات تولستوي.

سيقوم اندريه، من بعد، في الخروج من شكوكيته العميقة بالآخرين، بتأدية دور

فعال في الحياة  العامة. وهذا التحول سبقه نقاش طويل مع بيير على ظهر سفينة عبّارة نقلتهم الى  ضفة النهر الاخرى.  كان بيير انذاك شخصا ايجابيا، متفائلا، وناكرا للذات (وهذه هي مرحلة قصيرة في تطوره)، واختلف مع اندريه في نزوعه للشك بالاخرين. لكنه ظهر في النقاش كشخص ساذج مولع بالصياغات الجاهزة، بالمقابل، ظهر اندريه متألقا فكريا في نقاشه. لكن الشيء الاكثر اهمية  هو الصمت الذي تلا نقاشهما: ” نظر، بعد خروجه من العبّارة، الى السماء الى حيث كان بيير يشير. ولاول مرة منذ “اوستيرلتز” رأى  تلك السماء العالية الازلية التي كان قد رآها وهو مضطجع في ساحة المعركة، وها هو ذلك الشيء الذي ظل راقدا طويلا في داخله يستيقظ فجأة، ليبعث بالشباب والبهجة في روحه.” لن يستمر هذا الشعور المتوقد طويلا لكن اندريه كان يعلم “بان ذلك الشعور، الذي لم يعرف كيف يطوره من قبل، مازال حيا في داخله.” وذات يوم، وبعد انقضاء فترة  طويلة على لقائه ببيير، ومثل اهتزاز  الشرر الكهربائي، ستقوم التفاصيل المتواطئة (مشاهدة اوراق شجرة سنديان، استماعه الى حديث الفتيات السعيد القادم من الحجرة الواقعة فوق حجرته، استرجاع بعض الذكريات القديمة) باشعال ذلك الشعور الذي “كان حيا في داخله”. سيقوم اندريه الذي كان سعيدا في عزلته عن العالم بقطع مفاجئ لوضعه “والذهاب الى بطرسبرغ في ذلك الخريف” بل وحتى “الدخول في جهاز الحكومة الوظيفي…واذ راح الامير اندريه يذرع حجرته ذهابا وايابا، واضعا يديه وراء ظهره، تارة كان يعبس، وتارة يبتسم، لكأنه يتأمل كل تلك الافكار اللاعقلانية والتي لا يمكن الافصاح عنها، فهي  سرية كالجريمة، بعضها مرتبط ببيير، بالشهرة، بالفتاة الجالسة  في الشرفة، بشجرة السنديان، وبعضها مرتبط بالجمال والحب، الذي غيّر كل حياته. واذا  حضر اي شخص الى  غرفته في تلك اللحظات فلن يكون معه الا مقتضبا، شديدا، حاسما، وفوق كل شيء منطقيا الى  درجة مزعجة… كأنما بذلك يقوم بمعاقبة شخص ما مسؤول عن كل تلك الافكار السرية واللاعقلانية المتعايشة معه.”

تغيير آخر يحدث لعالم اندريه بولكونسكي الداخلي: بعد اصابته بجرح قاتل في معركة بوردينو، يوضع على  طاولة في مخيم عسكري. فجأة، ينتابه شعور

عميق  بالطمأنينة والتصالح  مع الاخرين، شعور بالسعادة، سيبقى ملازما له؛ هذا الشعور بالسعادة هو الاغرب والاجمل، لما يضمه المشهد من فظائع وآلام في وقت لم تكن الجراحة قد عرفت التخدير؛ والاكثر غرابة هي هذه الحالة الغريبة: عندما يقوم مساعد الطبيب بازالة  ملابسه، “استرجع اندريه ذكريات طفولته القديمة”، ثم بعد عدة سطور يستمر الوصف: “بعد العذاب الجسدي الذي مر به، انتاب الامير اندريه شعور بالسعادة لم يعرفه من قبل قط. استرجع آنذاك كل اللحظات السعيدة في حياته، خصوصا تلك التي تعود الى طفولته المبكرة – حينما تخلع عنه ملابسه ويوضع في الفراش، وعندما تغني له المربية تهويدة فيدفن رأسه في المخدة ليشعر بالسعادة لكونه حيا فقط – حيث تظهر في ذهنه لا كشيء ينتمي الى الماضي، بل كحقيقة حاضرة.”

ولن يدرك اندريه الاّ لاحقا بان خصمه، اناتول،  الذي اغوى ناتاشا، مستلق على طاولة قريبة منه، وان ساقه قد قطعها الطبيب الجراح قبل قليل.

القراءة المألوفة لهذا الفصل : يرى اندريه الجريح، منافسه بعد قطع ساقه، فيملأه ذلك المشهد بالشعور بالشفقة له ولكل انسان بشكل عام. لكن تولستوي يعلم بان هذه الاكتشافات المفاجئة لا تعود الى اسباب جد مكشوفة وجد منطقية. انها صورة

خاطفة تبعث على الفضول (استرجاع ذكريات الطفولة حينما تقوم المربية  بتعريته في نفس الوقت الذي يقوم مساعد الطبيب بنفس الاجراء)  لكنها فجرّت كل شيء – تحولاته الجديدة، رؤيته الجديدة للاشياء. بعد انقضاء ثوان قليلة ستكون هذه التفاصيل المؤثرة قد نساها اندريه نفسه، وربما نساها معظم القراء، الذين يقرأون الروايات بدون روية، والذين هم يقرأون  حياتهم بنفس الطريقة السيئة.

تغيير كبيرآخر يحدث هذه المرة،  لبيير بيزَخوف عندما يقرر قتل نابليون. وقد سبق اتخاذ هذا القرار سلسلة  من الاحداث: من بعض اصدقائه الماسونيين علم بيير بان نابليون قد شُخِّص في الفصل الثالث عشر من سفر الدينونة، باسم عدو المسيح، وان رقمه هو 666. ووفق تحويل الحروف الفرنسية الى ارقام، اتضح ان “الامبراطور نابليون” يحمل هذا الرقم.

“ادهشت هذه النبوءة بيير بشدة، وكان غالبا ما يسأل نفسه ما العمل الذي يجب القيام به لانهاء قوة هذا الوحش، نابليون، وبمحاولاته المتكررة في  تحويل الحروف الى ارقام ثم اضافتها لبعضها، كان يحاول الوصول الى اجابة لسؤاله المعذب. كتب بالفرنسية: الامبراطور الكسندر وبلادروسيا ثم اضاف الارقام، لكن الجمع كان اكثر او اقل من 666. وذات مرة كتب اسمه بالفرنسية لاجراء هذه الحسابات: Comte Pierre Besouhoff، لكن الجمع كان بعيدا جدا عن الرقم الاصلي”. بعد تبديلات كثيرة يصل بيير الىالرقم 666 لكن كان عليه ان يكتب اسمه بهذه الطريقة الغريبة: بيزهوف الروسيL`RusseBesuhoff !

بثير تولستوي الضحك بوصفه الدقيق لتجارب بيير في تبديل قراءة اسمه كي

يتطابق مع الرقم 666. ويظل السؤال مطروحا: هل ان القرارات الشجاعة والجريئة لشخص ذكي ومحبوب مثل بيير متجذرة في فكرة مجنونة؟

وانت ما هي افكارك حول الانسان؟ ما هي افكارك حول نفسك؟

 

تبديل وجهات النظر

كتكيف مع روح العصر

قالت لي امرأة، ذات يوم، وبوجه مشرق: “هكذا اذن، لا ليننغراد بعد اليوم! نحن نعود الى سانت بيترسبرغ القديمة!”وكدت اقول لها بان تبديل اسماء المدن والشوارع لايثير شيئا في نفسي، لكنني تمالكت نفسي في آخر  لحظة، اذ في تحديقة عينيها المندهشتين بمسيرة التاريخ قرأت شيئا من عدم القبول بجوابي، وانا لم يكن  لدي اي رغبة باثارة الجدال. استرجعت انذاك سلسلة من الاحداث التي كانت تلك المرأة قد نستها. في عام 1971 قدمت هذه المرأة، نفسها، من الخارج وزارتنا انا وزوجتي في براغ، وكنا آنذاك ضمن قائمة المنع. واثناء زيارتها لنا اظهرت قدرا كبيرا من التعاطف معنا، فاردنا بالمقابل القيام بتسليتها. حكت لها زوجتي قصة مضحكة (مع ذلك فهي تنبؤية بشكل غريب) عن اميركي ثري كان نازلا في احد فنادق موسكو، وعندما سأله احدهم  ان كان قد زار ضريح لينين،

اجاب مباشرة: “بعشرة دولارات استطيع ان اطلب جلبه الى الفندق”. كيسارية (ومازالت كذلك) كانت زائرتنا ترى الاحتلال الروسي لتشيكوسلوفاكيا خيانة للمثل العليا التي تؤمن بها، لكنها من ناحية اخرى، كانت  تشعر بانه شيء غير مقبول ان يقوم الضحايا، الذين تتعاطف معهم، بالسخرية من اولئك الذين خانوا المثل نفسها. قالت، آنذاك، وبنبرة باردة: “لا اجدها حكاية مضحكة”، ولم يمنعها من قطع

علاقتها بنا شيء سوى وضعنا كمضطَهدين.

استطيع ان اروي حكايات كثيرة من هذا النوع. هذه التغييرات في الرأي  لا تقتصر على السياسة فقط بل على كل السلوكيات الاخرى – كانت قضايا تحرر المرأة، في البدء، تحظى باهتمام كبير لكنها الان في تراجع، الاعجاب الشديد

بـ “الرواية الجديدة” الفرنسية Noveau Roman تبعه ازدراء لها، الطهرانية الثورية اولا ثم حلت محلها اباحية متحللة. النظر الى اوروبا  كعالم رجعي نيوكولونيالي، من قبل اناس، راحوا، اليوم، يبشرون بانها راية لتقدم البشرية. وانا اتساءل مندهشا: الا يتذكر هؤلاء مواقفهم السابقة؟ هل يحتفظون باي ذاكرة لتاريخ تحولاتهم؟ لا يغيظني اطلاقا ان يغير الناس آراءهم. كان بيزَخوف، في البدء،

معجبا بنابليون، لكنه تحول من بعد، بحيث انه اصبح طامحا في قتله، وانا احبه في كلا الدورين. وهل من حق المرأة التي كانت تعبد لينين في سنة1971 ان تحتفل في سنة 1991 بتبديل اسم مدينة ليننغراد الى بيترسبرغ؟ بالتأكيد من حقها ان تحتفل. لكن تبدلها مختلف عن تبدل بيزخوف.

انه بالضبط عندما يتغير عالما بيزخوف وبولكونسكي الداخليين يحدث تأكيد

لهويتيهما كفردين متميزين؛ وهذا عبر مايثيرانه من دهشة في نفوس  الاخرين؛ عبر جعل نفسيهما مختلفين؛ عبر تعميد حريتيهما بالنار، وعبر كل ذلك تتحدد هويتا ذاتيهما؛ وهذه هي اللحظات الشعرية في حياتيهما: فهما يعيشانها بكثافة  شديدة، تجعل العالم كله متهيأً للالتقاء بهما في عرض مدهش للتفاصيل. بالنسبة لتولستوي، يحقق الانسان فرديته  ويكون قريبا لذاته اذا استطاع ان يمتلك، القوة والمخيلة والذكاء، لتغيير نفسه.

اما الناس الذين التقي بهم، فهم نقيض بيزخوف وبولكونسكي، اذ هم يغيرون مواقفهم تجاه لينين واوروبا وقضايا اخرى، مؤكدين  “لافرديتهم”. فهذا التغيير ليس ناجما عن ابداعهم او  ابتكارهم، وليس ناجما عن نزوة او دهشة او  فكرة ما او عن جنون؛ هذا التغيير يفتقد  للشعرية؛ انه لاشيء سوى تكيف مبتذل لروح التغيير في التاريخ. لهذا السبب هم لا ينتبهون لهذا التغيير؛ وفي التحليل الاخير هم يبقون كما هم بدون اي تغيير: دائما في الموقع الصحيح، دائما يكررون

ما يدور من افكار سائدة في وسطهم؛ انهم لا يتغيرون للاقتراب اكثر مما هو جوهري في ذواتهم، بل للذوبان في الاخرين؛ وبالنسبة اليهم التغيير يجعلهم اناسا غير قابلين على التغير.

بتعبير آخر: انهم يبدلون آراءهم، وفق ما ترغبه هيئة تحقيق، قامت هي الاخرى بتبديل ارائها، لذلك فتبدلهم هو رهان على ما ستعلنه هيئة التحقيق من حقيقة غدا. اتذكر شبابي في تشيكوسلوفاكيا. اذ بعد تجاوز مرحلة الافتتان الاولى  بالشيوعية، اصبحنا نعتبر اي خطوة مضادة للنظرية الرسمية  فعلا بطوليا. انذاك قمنا بالاحتجاج على  اضطهاد المتدينين، ووقفنا الى جانب الفن الحديث الممنوع، وحاججنا ضد الدعاية الغبية، وانتقدنا اعتماد البلاد الكلي على روسيا، وغيرها. بالقيام بكل هذه النشاطات كنا نخاطر قليلا، وهذا الخطر القليل منحنا شيئا من الرضا الاخلاقي المفرح. ذات يوم حضرت الى ذهني هذه الفكرة البشعة: ماذا لو ان تمردنا هذا ليس بايعاز من حريتنا الداخلية، ومن شجاعتنا، بل برغبتنا في ارضاء هيئة تحقيقية اخرى تستعد في الظل للقيام يوما باصدار الاحكام؟

 

 

نوافذ

لا احد يستطيع الذهاب ابعد من كافكا في “المحاكمة”؛ فهو قد خلق صورة شديدة الشعرية عن عالم لاشعري. واعني بـ “العالم  اللاشعري” هو العالم الذي ليس هناك مكان فيه للحرية الفردية، لتميز الفرد عن غيره، وحيث الانسان ليس سوى اداة  لقوى فوق انسانية، وهذه القوى هي البيروقراطية، التكنولوجيا والتاريخ. من جانب اخر فما اعنيه بـ “الصورة  شديدة الشعرية” هو ان كافكا دون ان يقوم بتغيير جوهر العالم وطبيعته اللاشعرية، استطاع ان يحول ويصوغ ذلك العالم وفق مخيلة شعرية هائلة.

ظل “ك” غارقا تماما بالورطة التي سببتها المحاكمة له، ولم يكن لديه اي لحظة ليفكر بشيء اخر غيرها، مع ذلك وحتى في هذه الورطة التي لا خلاص منها، كانت هناك نوافذ تفتح فجأة ولوقت قصير امامه. ولم يكن بامكانه الهرب من خلال هذه النوافذ، اذ انها تفتح كاملة ثم تغلق بسرعة؛ لكن للحظة واحدة كان بامكانه على الاقل ان يرى شعرية  العالم الخارجي، تلك الشعرية التي رغم كل شيء، موجودة كامكانية قائمة ولا تكف عن  ارسال بصيص متوهج الى حياته كانسان مطارَد.

على سبيل المثال:  قبل وصول “ك” الى الشارع الذي يقع فيه مقر هيئة التحقيق، كان منغمرا في الركض كي يبلغ البناية في الوقت المضبوط. لكن حال دخوله الشارع، نسي المحاكمة لثوان قليلة وظل يتلفت حوله: “كانت معظم النوافذ مشغولة، حيث اتكأ عليها رجال يرتدون قمصانا باكمام، وهم يدخنون  او يضعون  اطفالهم بعناية ورقة على عتبات النوافذ. اما النوافذ الاخرى فتكدست على حوافها الشراشف والاغطية، ومن وسط احدى النوافذ ظهر وجه امرأة شعثاء الشعر وللحظة واحدة”. ثم يدخل “ك” الى البناية: “بالقرب منه كان هناك رجل حافي القدمين، جالس على سلة وهو يقرأ في صحيفة. شاهد طفلين يلعبان بعربة صغيرة، وفتاة هزيلة البنية، بملابس النوم، تقف جنب مضخة وتحدق في “ك”

اثناء ملء انائها بالماء”.

تذكرني هذه الجمل باوصاف فلوبير: موجزة؛ غنية بصورها، تفصيلية، وخالية من الصياغات الجاهزة. هذه القوة في الوصف تكشف كم كان “ك” عطشانا لحقيقة الواقع. وكيف مضى في شرب العالم بشراهة، هذا العالم الذي كان قبل لحظة مسكونا بمشاعر القلق حول المحاكمة. لكن هذا الانجراف في الواقع جد قصير؛ في اللحظة الاخرى، ما عادت عيناه تتابعان الفتاة الهشة القوام وهي تملأ

اناءها بالماء، اذ يجره تيار التفكير بالمحاكمة مرة اخرى.

تمثل المشاهد الايروتيكية القليلة في الرواية نوافذ تفتح لفترات جد قصيرة: لا يلتقي “ك” الا بالنساء اللواتي لهن علاقة بالمحاكمة، بشكل من الاشكال: على سبيل المثال، يخبر “ك” جارته الانسة بورستنر التي اعتقل في غرفتها عما جرى، وفي الاخير، سينجح في تقبيلها جنب باب حجرتها: “امسك بها وقبلها من فمها، ثم لثم جميع اجزاء وجهها كحيوان عطشان راح يلعق بشراهة من عين ماء كان قد بحث عنها طويلا.” انا اشدد على كلمة “عطشان” لوصف حالة الانسان الذي فقد حياته المألوفة وما عاد بامكانه التماس معها الا عبر المخالسة؛ اي عبر نافذة.

في التحقيق الاول، وخلال القاء “ك” لخطابه، ظهر مشهد غريب امامه اقصاه عن سلسلة افكاره: كانت زوجة الحاجب جالسة في الغرفة، فجأة بدأ احد الطلاب البشعين والهزيلين بممارسة الجنس معها على الارض، ووسط الحاضرين. مع هذين الحادثين المتنافرين والمدهشين ( وهذا ما تتميز به شعرية كافكا من

لا معقولية وتنافر وتضخيم) تنفتح نافذة اخرى على مشهد طبيعي بعيد عن اجواء المحاكمة، لتقحم  شيئا من السوقية المليئة بالحيوية والمرح، انها التعويض  عن الحرية التي صودرت من “ك”.

يذكرني الشعر الكافكوي في المحاكمة، برواية اخرى تدور ايضا حول الاعتقال والمحاكمة، واعني رواية “1984”، لأورويل، وهذا الكتاب اعتُبر ولعدة  عقود مصدرا دائما يرجع اليه المعادون للانظمة الاستبدادية. في هذا الكتاب الذي يرسم صورة  خيالية رهيبة  لمجتمع استبدادي، لا نجد هناك اي نوافذ؛ ولا نجد اي لقطة، لفتاة هزيلة البنية، تقوم بملء انائها بالماء؛ رواية اورويل هي قريبة جدا من الشعر؛ هل قلت رواية؟ انها في الحقيقة فكرة متنكرة بجسم رواية؛ من المؤكد أن الافكار فيها واضحة وصحيحة، لكن تشويهاً لحق بهذه الافكار عندما وُضعت

في  هيئة رواية، فاصبحت غير دقيقة وملتبسة. واذا كان الشكل الروائي يعتّم على تفكير اورويل، فهل يقدم هذا الشكل الفني شيئا آخر بالمقابل؟ هل يقوم هذا الشكل الفني الذي يتبناه  اورويل لنقل افكاره، بتسليط الضوء على اسرار الوضع البشري الذي لا يستطيع علم الاجتماع او السياسة الوصول اليه؟  كلا: الاوضاع

والشخصيات التي ترسمها رواية “1984” مسطحة كلوحة “البوستر”. ثم هل هناك

مبرر يدفع لنشر الافكار الجيدة عبر الرواية ؟ جوابي هنا هو بالنفي ايضا. والسبب ان الافكار المحولة الى رواية ينتهي وجودها كافكار بل تصبح، بدلا عن ذلك، رواية – وفي حالة رواية “1984”،  فانها تكون رواية رديئة، مع كل ما

تسببه اي رواية  رديئة من اضرار.

يكمن التأثير السيء لرواية “1984” في تقليصها المهول للواقع وجعله مقتصرا على البعد السياسي فقط، ثم في تقليص البعد السياسي نفسه الى ما هو سلبي فيه. انا ارفض ان اسامح تقليصا من هذا النوع للواقع  بحجة  انه كان دعاية مفيدة في النضال ضد شرور الانظمة الاستبدادية. اذ ان اكبر الشرور هو تقليص الواقع في

الرواية الى سياسة، ثم تقليص السياسة الى دعاية، لذلك، وعلى الرغم من النوايا الطيبة وراء كتابتها، تمتلك رواية اورويل:”1984″،  روحا استبدادية ايضا. انها تقلّص (وتدفع الاخرين لتقليص) حياة المجتمع المقيت الى قائمة بسيطة من الجرائم.

عبر احاديثي مع العديد من التشيكيين، بعد انتهاء الشيوعية بعام او بعامين، كان الكل يردد وبطريقة طقسية صياغات جاهزة قبل البدء بالحديث عن ذكرياتهم:

“بعد تلك الاربعين سنة من الرعب الشيوعي” او: “تلك الاربعون سنة الفظيعة”، او خصوصا: “الاربعون سنة الضائعة.” فانظر اليهم: لم يُجبَر اي منهم على الهجرة،

ولم يُسجَن اي منهم، او أُقيل من عمله، بل وحتى لم يعامَل اي منهم بازدراء من قبل رجال السلطة؛ جميعهم عاشوا في بلدهم، في منازلهم، وجميعهم عاشوا حياتهم المهنية والعاطفية كاملة؛ لذلك حينما يستخدمون تعبير “الاربعين سنة الفظيعة” فانهم يقلصون حياتهم الى البعد السياسي فقط. وحتى التاريخ السياسي لهذه الاربعين سنة – هل هم عاشوها كقطعة واحدة من الرعب؟ هل نسوا تلك السنوات التي كانوا يشاهدون فيها افلام ميلوس فورمان، ويقرأون كتب بوهوسلاف هاربال، او يذهبون الى المسارح المتمردة الصغيرة، ويحكون مئات من النكات

ساخرين، بروح مرحة، من النظام؟ بوصفهم للاربعين عاما بالفظاعة، يتحولون جميعهم الى “اورويليين”، وتتحول حياتهم السابقة الى شيء لاقيمة له، او غير موجودة (اربعون عاما ضائعة).

حتى عند فقدانه المتطرف لحريته، يستطيع “ك” في المحاكمة ان يمعن النظر بتلك الفتاة الهزيلة الجسم، وهي تملأ اناءها بالماء. انا قلت بان لحظات من هذا النوع هي نوافذ تنفتح على  مشهد طبيعي بعيد جدا من محاكمة “ك”. ما هو  هذا المشهد الطبيعي؟ لجعل المجاز اكثر دقيقا: النوافذ في رواية كافكا تنفتح على مشهد طبيعي قائم في عالم تولستوي الروائي: وفي ذلك العالم، حتى خلال تلك اللحظات شديدة القسوة، بامكان الشخصيات ان تمتلك حريتها في اتخاذ قرار ما  يمنح الحياة  سعادة غير مخطط لها، وهذه الحرية هي مصدر الشعر.  يقف عالم تولستوي، شديد الشعرية، في طرف معاكس لعالم كافكا.  مع ذلك، فبسبب تلك النوافذ نصف المفتوحة في “المحاكمة”  يتبنى عالم تولستوي قصة  كافكا ويدخلها الى شعابه،  كنبضة  توق، كنسيم مضمخ برائحة الشعير.

 

 

محكمة ومحاكمة

يحب الفلاسفة الوجوديون ان يبثوا مغزى فلسفيا في الكلمات المستعملة بشكل يومي. وهذا ما يجعلني عاجزا عن استخدام  كلمات مثل قلق  او كلام بدون التفكير بالمعنى الذي منحه هايدجر لهاتين الكلمتين. ويبدو ان الروائيين قد سبقوا الفلاسفة في هذا الميدان. اذ بتقصي اوضاع ابطالهم اضطروا الى الاشتغال على  مفردات كل شخصية روائية، وغالبا يكون التركيز على الكلمات الرئيسية التي تصبح مفاهيم خارج تعريفات المعاجم اللغوية. لذلك يستعمل كريبليون كلمة اللحظة للاشارة الى ملاحقة النساء ( لحظة الاقتناص عندما تكون المرأة مهيأة للاغواء)، ليورثها من بعد الى ابناء عصره والى اجيال الكتّاب اللاحقين. بالطريقة نفسها، تعامل دوستويفسكي مع كلمة الاذلال اما ستندال فاشتغل على مفردةالاعجاب بالذات vanity، وبفضل رواية المحاكمة اورثنا كافكا مفهومين اصبحا جد ضروريين لفهم عالمنا المعاصر: محكمة ومحاكمة. والقول بانه اورثنا هاتين المفردتين يعني انه تركهما لنا كي نستعلمهما، عبر اعادة النظر فيهما بالشكل الذي يتوافق مع تجاربنا الشخصية.

محكمة: لا تدل هذه المفردة على المؤسسة القانونية التي تقوم بعقاب الافراد الذين خرقوا قوانين الدولة؛ المحكمة لدى كافكا هي القوة التي تحاكم، وهي تحاكم لانها قوة؛ وهي بفضل قوتها فقط تكون قادرة على منح الشرعية لنفسها؛ عندما اقتحم المتطفلان غرفته، ادرك “ك” منذ الوهلة الاولى تلك القوة فاستسلم لهما.

المحاكمة التي تجريها المحكمة هي دائما ذات طابع مطلق؛ وهذا يعني بانها غير معنية بقضية ما، بجريمة معينة (سرقة، احتيال، اغتصاب)، بل هي معنية بشخصية المتهم بشكل كلي: سيبحث “ك” عن جريمته في ” اصغر الحوادث” التي وقعت في كل حياته؛ ووفق معايير عصرنا فان بيزَخوف (بطل الحرب والسلم) سيحاكم مرتين: لحبه نابليون ولكرهه اياه لاحقا. اضافة الى محاكمته بسبب ادمانه على الشرب، اذ ان المحاكمة معنية بالحياتين الخاصة والعامة للفرد؛ حكم ماكس برود (صديق كافكا) على البطل “ك” بالموت لانه كان ينظر  للنساء كموضوع للجنس فقط؛ اتذكر محاكمات 1951 في براغ؛ تم توزيع سير المتهمين الذاتية بشكل واسع؛ وهذه هي المرة الاولى التي اقرأ فيها نصا خلاعيا: وصفا لحالة تهيج جنسي يقع بعد تغطية جسد متهمة معرّاة بالشكولاته (في وقت كانت هناك ازمة شوكولاته!) ليقوم متهمون آخرون بلعقه، كل ذلك يحدث قبل تنفيذ حكم الاعدام بهم؛ في بداية السقوط التدريجي للايديولوجية الشيوعية افتُتحت محاكمة كارل ماركس (هذه المحاكمة التي تُوِّجت اخيرا بقلع كل تماثيله من روسيا ومن بلدان اخرى) بهجوم على حياته الخاصة (اول كتاب معاد لماركس اقرأه في حياتي يتضمن وصفا لعلاقته الجنسية بخادمته)؛ في روايتي “المزحة” يقوم ثلاثة طلبة بمحاكمة لودفيك بسبب جملة كتبها ضد صديقته، واذ يتذرع بانه قد كتبها بسرعة دون التفكير بمعناها، اجابه الثلاثة: “ليس بامكانك ان تكتب اي شيء سوى ما هو موجود في داخلك”؛ لان كل شيء يردده المتهم او يفكر به واي شيء يخفيه في داخله يجب ان يكون تحت تصرف المحكمة.

اضافة الى ذلك، فالمحاكمة هي مطلقة ايضا، لا تتوقف عند حدود حياة المتهم، لذلك نجد عم “ك” يقول له: “هل تريد ان تخسر هذه المحاكمة؟… ذلك سيعني انك ستتحطم كليا، انت وكل اقاربك معك.”

على الرغم من اتساع ذاكرة المحاكمة الهائل، لكنها تظل ذاكرة من نوع شديد الخصوصية، اذ يمكن تعريفها بانها نسيان كل شيء الا الجريمة لذلك فالمحاكمة تقلص سيرة حياة المتهم الى ملف واحد يتعلق بجريمته؛ يرجع فيكتور فارياس (الذي يعدّ كتابه “هايدجر والنازية” مثالا ساطعا على تقليص السيرة الذاتية الى ملف الاجرام فقط)  جذور الفيلسوف النازية الى فترة  الشباب المبكر، بدون اي اهتمام في البحث عن جذور عبقريته؛ لمعاقبة شخص متهم بالانحراف العقائدي، ستقوم المحاكم الشيوعية بمنع  جميع اعماله (على سبيل المثال، شمل المنع كتب لوكاش وسارتر، بل  وحتى كتاباتهما القريبة للشيوعية).

حتى قبل وصول الرجلين لاعتقاله، يشاهد “ك” المرأة الساكنة في البيت الواقع عبر  الشارع، وهي تحدق فيه “بفضول شديد الغرابة”؛ لذلك، فمنذ البدء يدخل البوابون طرفا في اللعبة؛ لم تكن اماليا في رواية “القلعة” متهمة او محكوما عليها، لكن الكل يعرف انها ممقوتة من قِبَل المحكمة اللامرئية، وهذا كاف كي يتجنبها سكان القرية؛ والسبب يعود الى انه اذا فُرض نظام المحاكمة على كل البلاد، فان جميع السكان سيُقسَرون للانضواء ضمن آليات المحاكمة، وهذا ما يزيد كفاءتها بمئات المرات؛ فكل شخص يعرف بان من الممكن ان يُتَّهم هو  نفسه في اي لحظة، لذلك عليه ان يهيئ نقده الذاتي مسبقا؛ النقد الذاتي: خضوع المتَّهم للمتِّهم؛ نبذ الفرد لذاته؛ وسيلة لامحاء الذات كفردية متميزة؛ بعد ثورة 1948 الشيوعية في

تشيكوسلوفاكيا، شعرت ابنة احد العوائل الثرية بالذنب للامتيازات التي كانت تتمتع بها؛ وللتعبير عن توبتها، اصبحت شيوعية شديدة الاخلاص، الى الدرجة التي قامت بالتخلي عن ابيها؛ والان بعد اختفاء الشيوعية، تعيش في داخلها محاكمة اخرى، ومرة اخرى تشعر بالذنب؛ مسحوقة بين مجرشتي محاكمتين، بين نقدين ذاتيين، وكل ما بقي لديها هو أرض قفر لحياة منبوذة؛ على الرغم من استرجاعها لكل البيوت التي صودرت من ابيها بعد الثورة، وهي اليوم مجرد كائن ممحو، ممحو ولمرتين.

وفق رؤية كافكا، فان هدف المحاكمة هو ليس تحقيق العدالة بل افناء المتهم؛ ومثلما قال ماكس برود: ذلك الذي لا يحب احدا، والذي لا يقوم الا بالتسلي، يجب ان يموت؛ لذلك طُعن “ك” في قلبه؛ وأُعدِم بوخارين. حتى حينما تقام المحاكمة لاناس ميتين فالهدف منها هو  قتلهم ثانية: باحراق كتبهم؛ بحذف اسمائهم من الكتب المدرسية؛ بتحطيم تماثيلهم؛ بتبديل اسماء الشوارع التي حملت يوما اسماءهم.

 

القرن العشرون تحت

وطأة المحاكمة

عاشت اوروبا لما يقرب من سبعين سنة تحت سلطة المحاكمة. بين الفنانين الكبار كم منهم وُجِّهت له اصابع الاتهام؟ ساذكر فقط اولئك الذين لهم قيمة خاصة عندي، ولنبدأ بفترة العشرينات واولئك الذين طاردتهم محكمة الاخلاق الثورية: بونينBunin، اندرييف Andreyev، ميرهولد Meyerhold، بلنياك Pilnyak، الموسيقي فيبرك Veprik، ماندلستام Mandelstam وهالاس Halas.  ثم هناك

طرائد المحكمة النازية: بروك Broch، الموسيقي الكبير شينبرغSchoenberg، ويرفيل Werfel، برخت Brecht، الاخوان توماس وهينريش مان، الروائي موزيل Musil، الكاتب التشيكي فانكورا Vancura وبرونو شولزSchulz.  واذا كانت محاكمات الانظمة الاستبدادية قد اختفت، فان روحها ما زالت قائمة بيننا، فمن منطلق الانتقام البحت، سلّطت المحاكمة قبضتها على اولئك المتهمين بالتعاطف مع النازية: هامسونHamsun، هايدجرHeidegger، ريتشارد شترواس Strauss، غوتفريد بنBenn، فون دودررDoderer، دريو لا روشيل، سيلين Celine (بعد نصف قرن عن انتهاء الحرب احتج احد المسؤولين على اقتراح تحويل بيته الى متحف)؛ اما بالنسبة لمؤيدي موسوليني فهم: مالاباراتMalaparate، مارينيتي Marinetti، عزرا باوند( العسكريون الاميركيون ابقوه مثل حيوان في قفص لعدة اشهر تحت شمس ايطاليا الحارقة)؛ ثم تأتي قائمة مؤيدي اتفاق ميونخ (الذي منح هتلر الحق في احتلال جزء من تشيكوسلوفاكيا): جيونو، الان، موران، مونثرلان، سان جون بيرس؛ ثم تأتي قائمة الشيوعيين وانصارهم: ماياكوفسكي (من يتذكر اشعار الحب الرائعة التي كتبها اومجازاته العجيبة؟)، برناردشو، برخت (الذي تجري لهذا السبب محاكمته

الثانية الآن)، ايلوار (ذلك الملاك المدمر الذي كان يوقع اسمه برسم سيفين متقاطعين)، بيكاسو، ليجر، أراغون (كيف انسى دعمه لي في فترة صعبة من حياتي؟)، الرسام نيزفال، سارتر. بعض هؤلاء يمرون اليوم في محاكمتين: الاولى بسبب خيانتهم للثورة، والثانية بسبب خدماتهم للثورة في فترة ابكر: اندريه جيد (ممثل الشر في بعض البلدان الشيوعية السابقة)، بريتون، مالرو، شوستاكوفتش. بعض اهم الاعمال الفنية التي انتجت في العشرينات والثلاثينات، وهذه قد مرت بثلاث محاكمات: فاولا ادينت من قبل النازيين بكونها فنا منحطا، وثانيا ادينت من قبل المحكمة الشيوعية بكونها اعمالا شكلية نخبوية وغريبة على  الناس؛ ثم اخيرا من قبل الرأسمالية المنتصرة باعتبارها اعمالا غارقة في الاوهام الثورية.

كيف يمكن لشاعر دعائي شوفيني، مثل ماياكوفسكي، ان يكون واحدا من اعظم شعراء عصرنا؟ هذا الشاعر الذي انتحر ذات يوم، لتتحول اشعاره مادة تجميلية للفظاعات؟ في روايتي “الحياة  هي في مكان آخر” التي كتبتها  قبل خمسة وعشرين عاما، يكون البطل جاروميل شاعرا لم يتجاوز بعد العشرين، وقد اصبح خادما عتيدا للنظام الستاليني. وعلى الرغم من تقدير النقاد للرواية لكنهم اساؤوا فهم جاروميل الذين لم يروه الا شاعرا مزيفا وانسانا نذلا. من وجهة نظري، جاروميل شاعر حقيقي بروح بريئة، والا لما وجدتُ اي دافع لكتابة روايتي. هل انا عبرت عن نفسي بطريقة سيئة؟ لا اظن ذلك. اذ مما لا شك فيه انها لفضيحة، ان يكون  المرء شاعرا حقيقيا،  وفي الوقت نفسه، مؤيداً( مثل ماياكوفسكي وجاروميل) لممارسة الفظائع – وهذا بمعنى انه غير مبرر له، او حادثة غير مقبولة وعسيرة على التصديق، مع ذلك فهي حقيقية- نحن جميعنا نسعى وبشكل لا شعوري الى اخفاء الفضائح، ان نتصرف وكأنها غير موجودة، لهذا السبب نحن نسمي اولئك الافراد العظام والمتورطين ايضا  ببعض فظائع قرننا بالاوغاد؛ لكنني لا اتفق مع هذا الحكم؛ اذ ان الفنانين والفلاسفة جد حريصين على ان يُنظَر لافعالهم كونها صحيحة، وعلى انهم  يقفون في جانب الطرف المحق. وهذا ما يجعل تبرير الفضيحة اصعب. من  جانب اخر، اذا كنا لا نرغب بمغادرة هذا القرن، ونحن نحمل نفس درجة الغباء عندما دخلنا اليه، فانه يكون علينا  آنذاك التخلي  عن اخلاقيات المحاكمة المبسطة، وان نمعن التفكير في هذه الفضيحة، حتى  لو كان هذا يقودنا الى اسئلة تهز قناعاتنا بالانسان كما هو.

لكن طابع الاجماع الذي يتميز به  الرأي العام، هو بحد ذاته، محكمة، وهذه

المحكمة موجودة لا لكي تضيّع وقتها بمناقشة الافكار، بل وجودها من اجل اجراء التحقيقات للمحاكمات. ومع اتساع الهوة الزمنية بين القضاة والمتهمين، يصبح الاقل تجربة هو المؤهل لاصدار احكام اكثر على الاخرين. فالقاضي، الاقل نضجا، يحاكم، على سبيل المثال، طرائق سيلينCeline التي يتبعها في كتابة رواياته، دون ان يدرك أنه بفضل هذه الاساليب التي يراها مضللة، استطاع سيلين

أن ينقل الينا معرفة وجودية، واذا تمكن هؤلاء القضاء من فهم هذه المعرفة يوما  فهي لا شك ستساعدهم على النضج. اذ بوجود قوة الثقافة في اعمال سيلين، يتحول الرعب الموجود فيها الى معرفة وجودية. واذا نجحت روح المحاكمة في افناء ثقافة هذا القرن، فلن يبقى  منا سوى ذاكرة  تحتوي الفظائع فقط  يغنيها حشد صغير من الاطفال.

 

 

دروب وسط الضباب

كان معاصرو موزيل معجبين بذكائه اكثر من كتبه؛ وقد قالوا بانه كان عليه ان يكتب مقالات، لا روايات. البرهان السلبي الذي يثبت خطأ هذا الرأي هو التالي: اقرأ مقالات موزيل، كم ستجدها ثقيلة ومملة وخالية من الفتنة! وهذا راجع الى ان موزيل مفكر كبير في رواياته فقط، اذ تحتاج افكاره ان تتغذى على اوضاع محسوسة وشخصيات محسوسة؛ باختصار؛ انها افكار روائية لا فلسفية.

تتكون رواية فيلدنغ Fielding، “توم جونز” من ثمانية عشر جزءا، والفصل الاول في كل جزء منها عبارة عن مقالة قصيرة. حينما تُرجمَتْ هذه الرواية الى الفرنسية في القرن الثامن عشر لاول مرة، قام المترجم بازالة كل هذه الاجزاء، مدعيا انها تتعارض مع الذوق الفرنسي. كذلك هي الحال مع تورجنيف الذي انتقد تولستوي على كتابة مقالات قصيرة في الحرب والسلام وهذه أدت  دورا فنيا مهماً كمعابر رابطة بين بعض الفصول. تعالج هذه المقالات  فلسفة التاريخ. انتاب تولستوي الشك بنفسه، وتحت ضغط نصائح البعض، قام بحذف هذه المعابر في الطبعة الثالثة  للرواية. لكنه، لحسن الحظ، اعادها ثانية للرواية.

مثلما هناك حوار وفعل روائيان، يوجد هناك ايضا تأمل روائي. والتأملات

الطويلة في  الحرب والسلم لا يمكن تصورها في اي مكان خارج الرواية – على سبيل المثال، في مجلة اكاديمية. وهذا ليس راجعا فقط الى لغتها، المليئة بالتشابيه والمجازات، والسبب الاهم هو ان  تولستوي يتكلم عن التاريخ لا بالطريقة التي يستخدمها  المؤرخ، حيث تُذكَر الاحداث بدقة، وحيث يتم تحليل النتائج على جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية لدور هذا الشخص او ذاك، وهلم جرا؛ ان تولستوي معني بالتاريخ كبعد جديد للوجود الانساني.

اصبح التاريخ تجربة محسوسة لكل شخص في بداية القرن التاسع عشر، خلال حروب نابليون التي نقلتها رواية “الحرب والسلم”؛ اذ جعلت صدمة هذه الحروب كل فرد اوروبي يقتنع بان العالم حوله في حالة تبدل مستمر، وهذا التبدل يقتحم حياته الشخصية، ليغيرها ويجعلها متحركة باستمرار. قبل حروب القرن التاسع عشر، كان الناس يتعاملون مع  الحروب والانتفاضات ككوارث طبيعية شبيهة بالزلازل والطاعون، وهم لذلك لم يجدوا وحدة او استمرارية في الحوادث التاريخية، ولم يؤمنوا ان بامكان التاريخ التأثير على مسار حياتهم. في رواية ديدرو: جاك القدري،  ينضم البطل الى وحدة عسكرية ثم يصاب في معركة بجرح بليغ، يجعله يعرج طيلة حياته. لكن اي معركة تلك؟ الرواية لا تجيب

على هذا السؤال، ولماذا عليها ان تجيب؟ كانت كل الحروب متشابهة آنذاك. في روايات القرن الثامن عشر كانت اللحظات التاريخية تشخَّص  بشكل غير محدد. ولم يحدث التغيير في هذه الرؤية الا مع بداية القرن التاسع عشر، وبالتحديد من والتر سكوت وبلزاك فصاعدا، حيث ما عادت جميع الحروب  متشابهة، والشخصيات بدأت تعيش حياتها في فترات زمنية محسوبة بدقة.

حينما التفت تولستوي الى الوراء، متفحصا حروب نابليون، بعد مرور خمسين

عاما على وقوعها، كان على قناعة، بان الادراك الجديد للتاريخ لا يؤثر على  بنية الرواية، التي اصبحت اكثر فاكثر قادرة على مسك الطبيعة التاريخية للاحداث المسرودة (عبر الحوار والوصف)؛ بل ان ما كان يهمه، اولا، هو علاقة الانسان بالتاريخ (قدرته على التحكم به او الهروب منه، ان يكون المرء حرا او  غير معني به)، وقد تبنى  هذه المسألة مباشرة، كثيمة اساسية في روايته، كثيمة يقوم باستثمارها بشتى الطرق، وبضمنها استخدام التأمل الروائي.

يحاجج تولستوي  ضد الفكرة القائلة بان التاريخ مصنوع بارادة ومنطق الافراد العظام. فهو على العكس من هذه الفكرة، يقول بان التاريخ يصنع نفسه، باتباع قوانين خاصة به، وهذه القوانين تظل منغلقة على نفسها في وجه الانسان. يقول تولستوي بان الافراد العظام “ليسوا سوى ادوات غير طوعية في التاريخ، ينفذون الاهداف المخفية  عنهم.” ثم يضيف من بعد:” تدفع العناية الالهية هؤلاء الناس،

كلا لوحده، كي يصلوا الى غاياتهم  الشخصية، لكن هذه الغايات المتفرقة تجتمع

مع بعضها كي تحقق غاية جد عظيمة، وتختلف عن كل توقعاتهم، وهذا ينطبق كذلك على نابليون والكسندر والقادة العسكريين الذين خاضوا المعارك.” ثم يعلق مرة اخرى: “يعيش الانسان على مستوى الوعي لذاته، لكنه، على مستوى اللاوعي، فهو ليس الا اداة للوصول الى الغايات التاريخية العامة للجنس البشري.” ثم يأتي الاستنتاج الرائع: “التاريخ هو حياة القطيع اللاشعورية للجنس البشري…” (التشديد من المؤلف).

مع هذه الرؤية الخاصة للتاريخ، أسّس تولستوي الفضاء الميتافيزيقي الذي يتحرك ابطاله فيه، حيث هم لا يعرفون شيئا عن معنى التاريخ او مساره المستقبلي، بل هم حتى لا يعرفون المعنى الموضوعي لافعالهم( التي شاركوا عبرها في صياغة الاحداث، لكن معنى هذه الاحداث ظل مخفيا عنهم)، انهم يتحركون عبر حياتهم مثل شخص يسير في الضباب. انا اقول ضبابا وليس ظلمة. في الظلمة نحن لا نرى اي شيء، نحن عميان وعاجزون وغير احرار. في حالة الضباب، نحن

احرار، لكنها حرية الشخص الموجود وسط الضباب: انه بامكانه الرؤية لمسافة خمسين خطوة امامه، وهو بامكانه تمييز ملامح محادثه، وبامكانه التمتع بمشهد الاشجار الممتدة على حافة الطريق، بل هو قادر على مراقبة ما يجري قربه وأن يكون له رد فعل تجاهه.

الانسان يتحرك في الضباب. لكن حينما يلتفت الى الوراء كي يصدر حكمه على اناس الماضي، فهو لا يرى اي ضباب في طريقهم. من حاضره، الذي كان بالنسبة اليهم المستقبل البعيد، سيبدو طريقهم بالنسبة اليه واضح الرؤية تماما. بالالتفات الى الوراء، سيرى الطريق، سيرى الناس وهم يمشون، سيرى اخطاءهم، لكنه لن يرى الضباب. مع ذلك فانهم جميعهم – هايدجر، ماياكوفسكي، أراغون، عزرا باوند، غوركي، غوتفريد بن، سان جون بيرس، جيونو- كانوا يمشون وسط الضباب، وقد يتساءل المرء: من هو اشد عمى؟ ماياكوفسكي، الذي كتب ابياته حول لينين بدون ان يعرف الى اين ستقود اللينينية؟ او نحن الذين نحاكمه بعد مرور حقبة زمنية  طويلة من دون ان نرى الضباب الذي يغلفه؟

عمى ماياكوفسكي هو جزء من شرطنا الانساني الازلي.

لكن بالنسبة الينا، فان عدم رؤية الضباب الجاثم فوق طريق ماياكوفسكي، هو تجاهل كامل لجوهر الانسان، وتجاهل لجوهرنا الانساني ايضا.

 

 

شاهد أيضاً

القلوب الرقيقة / جاك بْرَيل

  Y en a qui ont le couer si large Qu’on y entre sans frapper …