الرئيسية / قصص / سر الأفعى

سر الأفعى

ستظل خالتي تردد كلما عبّر احد عن اعجابه بجمالها المتجدد: “بهذه الحقيبة ساهزم الشيخوخة دوما”، ولم يكن اي من الحاضرين يفسر ما تقوله  حرفيا، سوانا نحن الصغار. ستظل اعيننا ملتصقة بالحقيبة المكعبة الزرقاء، مرفوعة للحظات امامنا، لتختفي من بعد، تحت عباءتها السوداء، المشلوحة على الكنبة جنبها.

تصر اختي، عند استرجاعنا لذكريات الطفولة المشتركة، بان صفية لم تكن خالتنا، بل هي خالة امي الكبرى. على يديها وُلد الجميع: امي، خالاتي، وابناؤهن، بل ومعظم ابناء المحلة الذين وُلدوا بعد الطوفان الشهير. ولان جميع الاقارب الكبار، الذين عاصروها قد ماتوا او اصيبوا بفقدان الذاكرة، اصبح بامكاننا نحن الاثنين التمتع بالاستذكار، وتبديل الاحداث وامكنة وقوعها كيفما نشاء. وحتى عند الاختلاف على حقيقة هذه الواقعة او تلك، سننتهي بالتسليم بصحتها. لن نختلف، يوما، في حقيقة هوسنا بحقيبة الخالة صفية، وكم مرة اقتربنا منها تحت تأثير مغناطيسي غامض، املا بملامسة جلدها المتألق تحت اضواء الليوان الشاحبة، لكن نظرات الخالة اليقظة، ستوقفنا في الوقت المناسب، لتبعث الخوف في انفاسنا، وتجبرنا على الاختفاء بين زوايا البيت.

بين  الافتتان بسحر حضورها وبين الرهبة منها، خيط رفيع يتحسسه الجميع؛ في الاعياد، يلتقي الاقارب ببعضهم في بيتها، هناك، ستُحل الخلافات بينهم، وتنزاح الضغائن عن القلوب، ثم تصفو السرائر وتشف، لتندمج في طقوس الذوبان ببعضها، تحت ظلال شجرة العشيرة الدائمة الخضرة: خالتنا صفية. هناك، كنا نراها نحن الصغار، جنية خارجة علينا من حكاية  خرافية، بثوبها النيللي، ببشرتها البيضاء ، بشعرها الاسود الكثيف، المنسدل حتى منتصف ظهرها، جالسة بابهة فوق سجادة الكوشان العتيقة، وامامها يبعث السماور ببخاره، مختلطا برائحة المستكي والياسمين.

“بهذه الحقيبة سأهزم الشيخوخة دوما”. بين وجوه الكبار المتغضنة بالتجاعيد والخطوط، سيظل وجه صفية صفحة مرمرية، ناصعة، يسخر بازميل الزمن وقسوته. نسترجع، لماماً، ما كانت تردده جدتي،  نقلا عن ابويها: في ليلة ولادة صفية، ظهرت نجمة، بذيل طويل، ممتد حتى قبة السماء. كان حجم النجمة الكبير وقربها من الارض، مثيرا للهلع، لكن ذيلها المتألق بنثار الضوء الطباشيري، كان آسراً للابصار، حتى بدا المشاة كالنيام، مشدودة اعينهم الى السماء، وعلى السنهم آيات الدعاء والاستعاذة.

وكم استبشر الناس بقدوم صفية ، حينما ابتدأ ذلك النجم بالانسحاب تدريجيا، والتلاشي بين قرني برج الثور. اكدت جدتي، بان احجارا نارية سقطت من ذيله، اشعلت حرائق مهولة في البلاد، لكنها خلّفت وراءها قطعا صغيرة، شبيهة بالعقيق والفيروز، تتوهج في الليل كالكهرب، ومن حصل على ثلمة منها اصابه حظ وفير.

“بهذه الحقيبة…”، لم تكن صفية قد تجاوزت الثالثة عشر، عندما طلبها تاجر الحبوب، سرحان، من ابيها، ولم يكن  ثدياها انذاك الا خشفتين ناعمتين، لكن الارمل العجوز، كان قادرا بعينيه الكليلتين، على رؤية ما تخفيه تلك الملامح الصبيانية، من حلاوة، تنتظر يومها. كانت صفية تأخذ كل يوم طعام الغداء الى دكان ابيها. وكان الاب يراها كأنها ابنه الذكر، وسط بناته الخمس، لكن تقدم ذلك الثري اليها، وضع الاب امام الحقبقة القاسية، فكان عليها ان تكف عن اللعب مع الصبيان، وان ترتدي العباءة والنقاب فورا.

لن تسبب خطبة، سرحان، اي اذى لصفية، بل امام التردد الذي غمر ابيها، باتخاذ قرار منصف بحق احب بناته، اظهرت جرأة غير طبيعية: هناك شرط واحد على التاجر تنفيذه؛ ان يساعدها على تعلم القراءة والكتابة.

تؤكد اختي، بان تاجر الحبوب، كان يمتلك مزرعة وبستانا واقعين على النهر. وهناك، كانت صفية تفضل قضاء معظم الصيف . في المزرعة، ستنكب تلك الصبية على مراقبة الابقار والخيول والخراف، ستتابع دورات حياتها: لحظات السفاد الساخنة، لكل فصيلة، حيل الذكور في التقرب، وردود افعال الاناث، فترات الحمل، ساعات الولادة القاسية، ومن مساعدة اناث الحيوانات، في اخراج صغارها، تعلمت صفية اسرار مهنة العمر.

كان على سرحان التكيف مع نزق صفية ومزاجها المتقلب: في النهار، ستقضي وقتها مرتدية ملابس رجال، متجولة على ظهر حصان، او منشغلة  في ادارة شؤون المزرعة، وفي الليل، ستنقلب الى فتاة ساحرة، متمنعة، ومولعة بابقائه على حافة التلهف المريع.

سيظل ذلك التاجر يطارد سرابا؛ ما ان يألف حياته مع زوجته الصغيرة، ويبدأ بتذوق عطاياها  السرية، حتى تغمرها روح التغيير الشريرة؛ الانتقال من المدينة او الريف، او بالعكس. ولن تمضي سوى سبعة اعوام، كي تبدأ تجارته واملاكه بالتلاشي. انذاك ظهرت عليه اعراض المرض، الذي عجز الجميع عن معالجته: اليقظة الدائمية. في الليل، سيراه الناس، هائما  على رجليه او على ظهر فرس، ولم يفاجأ احد حين عثر عليه احد العسس، طافيا فوق ماء البئر، وعلى عينيه دهشة مثيرة للحيرة.

ستضج الحياة من جديد، في بيت ابيها، وبالنقود التي ورثتها، سيتم تصليحه وتجميله. فوق الباب الخشبي ذي المصراعين، ستعلق قطعة مطلية بماء الذهب: “قابلة مأذونة”، ومن الداخل ستنبعث الاغاني الشجية، قادمة من اول غرامفون يدخل الحارة.

لم يتوقف عمل صفية  عند حدود منطقة معينة، كان الكثير من رجال، الاحياء البعيدة، يأتون اليها، حين تظهر اعراض الولادة على نسائهم، مدفوعين بتلك الشهرة التي رافقتها منذ ولادتها، وكم اطلق الاباء اسم “صفية” على بناتهم. في حضورها،  بالمقابل، بدأت الاواصر تتشكل بين تلك الاحياء المنعزلة، والمعادية لبعضها، تحت تأثير نفوذ صفية الغامض، لتنفتح تدريجيا الطرق بينها.

ولم يكف ابوها عن الافتخار بها، يوما، مقتنعا في قرارة اعماقه بانها تعادل اكثر من عشرة ابناء ذكور. بعد عودتها بفترة قصيرة، اقنعت صفية الاب ببيع دكانه، والتفرغ لحفلات الذكر التي كان مولعا بها. تحلف اختي، بانها سمعت كثيرا عن خوارقه المرحة، التي ارتكبها في آخر سنوات حياته: عبور النهر مشيا فوق سطحه، الظهور المتزامن في مكانين مختلفين..

حينما نقارن، انا واختي، بين جدتي واختها صفية، نكتشف في كل مرة، فوارق اخرى تفصلهما عن بعض. كانت جدتي، على سبيل المثال، محكومة بخجل عميق، يتجلى في الوان ملابسها الغامقة، في انكسار نظرات عينيها، في نبرات صوتها الواطئة، بينما تعكس خصائص صفية النقيض المتطرف.

نكتشف، باندهاش، كم كان مسموحا، لصفية القيام باي فعل، محرم، آنذاك، على النساء، كأن الرجال اعتبروها واحدة منهم. ستبعث، يوما (تحت وطأة نزوة غريبة)، لامام المسجد الناسك،  مع خادمتها، بهدية غريبة: علبة من عسل الجبال النادر، ملفوفة بمنديل مخضل بماء الورد، ولن يأتيها الجواب الا بعد انقضاء اسبوع: ابيات غزل صوفية، قابلة لاكثر من تأويل، مدروزة  بخيوط ذهبية، على قطعة حرير. سيتحدث الكل، بانبهار، عن ذلك الحب العذري، الذي ظل حيا، في ذاكرتهم  حتى بعد موت شيخ الجامع، بالسل، بسنوات.

او حين عادت، ذات مرة، الى بيتها، بعد نهار عمل مضن، حاملة تحت عباءتها، وليدة  لم ير الناس مثيلا لها من قبل: عينين  بلون الزمرد  وبشرة بصفاء الثلج. ستتكاثر الاشاعات، مع بروز ملامح تلك الطفلة الآسرة، اكثر فاكثر، حول اصلها: سيدّعي البعض  بانها ثمرة علاقة سرية بين جني وانسيّة، سيجزم اخرون بان ابويها اوروبيان، فضّلا التخلي عنها، سيهمس قليلون بانها من صلب القابلة نفسها. لكن صفية ظلت محتفظة بصمتها وبرودها، وكأن شيئا لم يحدث، ولن يمضي وقت طويل قبل ان يغير الناس رأيهم، ليعتبروا تلك الطفلة هبة سماوية لهم. ستطلق خالة امي على ابنتها المتبناة اسما لم تعرفه الحارة من قبل: “وجْد القلوب”.

تتدارك، اختي، خيط ذكرياتها وخيالاتها، لتتحدث عن ذلك الدرويش، المولع بالسحر والتنجيم، وعلاقته بصفية. ولا بدّ انها تعرفت اليه عبر بعض زوجات الاعيان. كانت لخالة امي انذاك، علاقات واسعة بعوائل المسؤولين الكبار، وغالبا ما كانت تُدعى لحفلات الزواج والختان التي ينظمونها من وقت لاخر. كان ابناء الحي ينظرون الى صفية كسفيرة تمثل مملكتهم المعزولة، اذ عبر صوتها كان العالم يعرف بوجودهم واحتياجاتهم. ولن يتردد اي منهم في الذهاب اليها، ان هو احتاج الى توصية تساعده في الحصول على عمل.

حال لقاء الدرويش بها، ذكر لها، اسمها، واسم ابيها، على الرغم من تلفعها بالعباءة ونقاب  الوجه، اخبرها عن ماضيها، كشف لها عما يخبئه لها الغيب في اوراقه، وقبل ان تتركه وضعت ورقة مطوية بين يديه، تحدد له ما كان يجهله حتى ذلك الوقت عن مصيره: “اتمنى ان اجتمع بك على سنة الله ورسوله”. ستسافر صفية مع الشيخ كثيرا،  لزيارة الاولياء، المنتشرين في اصقاع الشرق، الاحياء منهم والاموات، ستنغمر معه في تجارب روحية، ساكنة عند حافة الجنون، كان الحاضر،  خلال تلك الفترة، يختلط بالماضي والمستقبل في روح صفية: قبل ان تسمع طرقا على الباب، ستنهض لتفتحه، ذاكرة اسم الزائر، متحدثة عما جرى له قبل يوم او يومين.  وكان على زوجها ان يأخذها الى شيوخ ضليعين في الاسرار الباطنية، كي يعيدوها الى قيود العقل وضوابطه.

سيحتفي الناس بعودتها، بطريقة عجيبة: الذبائح في كل مكان، زغاريد النساء تصدح في الهواء، صواني الشموع الطافية فوق النهر. تنذهل صفية لما تركته سنوات الفراق على وجوه  الاقارب والجيران من ندوب وحفر، بل وحتى البيوت والشوارع بدت  لها هرمة، تغفو فوقها  طبقات الغبار. مقابل ذلك كان الاخرون يتمعنون في وجهها باندهاش، فكأن الزمن تحرك باتجاه معاكس معها: هاهي تعود اليهم اكثر توهجا، واكثر شبابا من قبل.

حين فتحنا اعيننا، انا واختي، على عالم الكبار، كانت “وجْد القلوب”  شابة، تقيم في حي مجاور مع زوجها وطفليها، وكم كان عسيرا على من يلتقي بها برفقة صفية، اكتشاف فارق العمر الحقيقي بينهما.

لم يتوقع احد حضور صفية، في ذلك المساء الموحش، اذ ظل المطر يهطل، بجنون، طيلة ساعات النهار، ليجبرنا، نحن الصغار، على المكوث في البيت. كان الكل جالسا في الليوان، عندما رفعت ستارته السميكة الفاصلة عن الحوش، وكم بث حضورها المفاجئ في شراييننا بالبهجة. قالت معتذرة انها لن تبقى سوى دقائق، فعند باب  البيت ينتظرها الحوذي. كانت في طريقها الى حفلة عرس، فقررت ان تعرج علينا قليلا. ومع الحاح الكبار جميعا، رمت بعباءتها، وحقيبتها، وتناولت قدح الشاي من امي. وفي لحظة نهوضها للمغادرة، سمعنا طرقا عنيفا، قفز اخي الاكبر، واندفع صوب الباب الخارجي، ليعود بعد لحظات شاحبا؛ هناك رجل يطلب اسعاف زوجته التي حضرها المخاض. عبست صفية، قليلا، لملمت نفسها بصمت، ثم قالت، لاخي، بحزم: “اصرف الحوذي”، ثم التفتت الى امي، سائلة ان كانت ترغب في  مساعدتها.

هل هي المفاجأة وحدها التي جعلت صفية تنسى حقيبتها فوق الكنبة؟ كانت الريح الهائجة سببا في انقطاع الكهرباء. اشعلت جدتي الفانوس، ثم راحت في اغفاءة عميقة، على ايقاع، ثرثراتنا وضحكاتنا المتواصلة، وكاد النوم يسرقنا اليه، لولا التماع الشرر المنعكس فوق حقيبة صفية امام اعيننا، وللحظة واحدة. نهضنا ببطء ووجل، وكأن الفكرة حضرت الينا، في آن،  للتسلل نحو الحقيبة الغامضة وفتحها، خشخشتْ بين اصابعي قطع معدنية، توقفتُ عند  جسم صغير لدن، وحين سحبته، واجهتنا محفظة صغيرة مصنوعة من جلد الافعى. بعد لأي تمكنا من  فتح السحاب القصير، وعند قلبها سقطت قطعة ملتمعة صغيرة واختفت بين خيوط سجادة الكوشان الواسعة.

بين الماضي واسترجاعه تسكن حقيقة زئبقية اخرى، تتبدل في كل لحظة، وتمنح لحياتنا الداخلية تنوعا لونيا خصبا. كان بامكاني رؤية هذه الحقيقة، طافحة فوق عيني اختي، المنفعلتين، وهي تسرد هذه النهاية، التي اشك بكل عمق في صحتها: كانت تلك القطعة حجرا كريما، جعل الليوان مضاءا بنور، ازرق، ضبابي.  منذ زمن طويل كانت تسكن بين خشب السقف، افعى كبيرة، تتحدث معها جدتي، من وقت لاخر،  وكأنها فرد من العائلة. وفي لحظة بحثنا عن الحجر المفقود، برزت امامنا الافعى رافعة رأسها بغضب، مما جعل الدماء تجمد في عروقنا، ولن تمضي سوى ثوان كي تقتنص ذلك الكنز من بين وشائع الزربية العتيقة، وتهرب كومضة برق، تاركة وراءها جلدا متآكلا.

بعد انقضاء الليل، وانفتاح بواكير الفجر على حدود العتمة، عادت خالة امي، منهكة. وكم فوجئنا بالشيخوخة، المفزعة،  التي حلت بها خلال ساعات غيابها الاخيرة.


من كتاب “رمية زهر”، 1999، دار المدى، دمشق


 

شاهد أيضاً

مملكة النمل

من سيصدق منكم حكايتي؟ أعلم أنكم سترددون حال انتهائي منها: “هذيان مجنون”. وانا ينتابني مثلكم، …