الرئيسية / مقالات / غائب طعمة فرمان :استرجاع عوالم زائلة

غائب طعمة فرمان :استرجاع عوالم زائلة

غائب طعمة فرمان :استرجاع عوالم زائلة

لؤي عبد الإله

محاضرة قدمت ضمن امسية نظمها المقهى الثقافي العراقي في لندن، بمناسبة مرور 25 سنة على رحيل الروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مساء الاحد 30 آب 2015

ينتمي الروائي العراقي غائب طعمة فرمان إلى جيل أفراده ولدوا في بداية تكون الدولة العراقية الحديثة، فهو قد ولد عام 1927، وقد نندهش كثيرا اذا اكتشفنا أن عددا كبيرا من المبدعين العراقيين في مجال الأدب والفن ولدوا في تلك السنة أو قبلها أو بعدها بسنة واحدة، فالشاعر بدر شاكر السياب ولد عام 1926، والروائي فؤاد التكرلي عام 1927، والشاعر عبد الوهاب البياتي عام 1926، والشاعر حسين مردان عام 1927، والكاتب نجيب المانع عام 1926، وغيرهم.

وانا استحضر نجوما عراقية عديدة ولدت في عقد العشرينيات الذهبي ذاك، تحضرني جملة الروائي الالماني توماس مان: لا يعيش المرء حياته فقط بل حياة جيله وحياة عصره.

انه اول جيل يدخل الى مدارس الدولة العراقية الناشئة بمدارسها ومناهجها الدراسية وتنفتح عيناه على الغرب الذي دخل إلى العراق عبر الاحتلال البريطاني اولا ثم الانتداب فالاستقلال المقنن. واذا كان التعليم امتيازا لابناء المدن الكبيرة بفضل المدارس الحكومية وتلك التي اسستها البعثات التبشيرية فان الريف ظل مفتقرا له لاكثر من عقدين، بالمقابل فتح المتعلمون أعينهم في بغداد على مدينة قديمة متآكلة تفتقد لأي خدمات صحية وترفيهية كأنها ما زالت على حالها التي وجدها الغزاة المغول عام 1258، فالاصلاحات التي بدأها الوالي العثماني مدحت باشا عام 1869 لم تدم أكثر من ثلاث سنوات، وبفضل تلك السنوات الثلاث ترسخ مبدأ الملكية الفردية بانشاء مؤسسة الطابو، وبفضلها أنشئت أول مدرسة عصرية هي الثانوية المركزية واول صحيفة بالعربية. كذلك فان هذا الجيل المتعلم وجد نفسه وسط مجتمع محكوم بسكونية مطلقة، حيث يعيش كل زقاق معزولا عن غيره، وحيث الامية شبه مطلقة بين الآباء والأمهات. فعلى عكس الجيل الذي سبقه فتح هذا الجيل عينيه على السيارات والطائرات والراديو والسينما والموضة الغربية والكتب المترجمة. إضافة إلى ذلك، عاش هذا الجيل هزات سياسية منتظمة توجت بالحرب العالمية الثانية. ولعل الأخيرة ذات أهمية خاصة على أبناء ذلك الجيل لأنهم كانوا في سن المراهقة فتلمسوا بوعي معاناة عائلاتهم وأبناء أحيائهم وأزقتهم.

في أعمال الروائي غائب طعمة فرمان، تمتلك الروايات الثلاث الأولى: النخلة والجيران وخمسة أصوات والمخاض أهمية خاصة وهي تشكل ثلاثية مترابطة (رغم تغير شخوصها) والبطل فيها هو بغداد نفسها. وما أعنيه ببغداد، المدينة وسكانها الذين صاغ معمار أزقتها ونهرها وموقعها وتاريخها القديم مزاجهم ولهجتهم؛ قيمهم وقناعاتهم، حرفهم وعاداتهم.

تتناول هذه الروايات الثلاث ثلاث فترات زمنية ذات تأثير بالغ على ما ترتب إثر كل منها: ا”لنخلة والجيران”: أواخر الحرب العالمية الثانية واقتراب خروج القوات البريطانية من بغداد والمدن الكبرى؛ “خمسة أصوات”: عشية إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1953 وفرض الأحكام العرفية؛ “المخاض” بعد عام ونصف على وقوع ثورة 14 تموز، وبداية الاحتراب الداخلي بين حلفاء الأمس والذي انتهى بانقلاب 8 شباط الدموي. ولعل أنسب تعبير لوصف هذه اللحظات التاريخية هو ” العتبة”.

قد يكون مناسبا تذكر حقيقة أن غائب كتب كل رواياته الثماني وهو يعيش في موسكو حيث كان يعمل مترجما في دار التقدم.

روايته الأولى، “النخلة والجيران” انتهى منها عام 1964 اي بعد مرور 20 سنة على أحداثها. إنه من زمان ومكان نائيين عن بغداد يعيد بناء عالم اختفت منذ سنوات معالمه، فالكثير من الأزقة والمعالم قد أزيلت وحلت محلها شوارع ومحلات ومدارس ومستشفيات ومساكن جديدة. مع ذلك، تنجح ذاكرة غائب باعادة بغداد كما كانت في تلك الحقبة، ومعه نسير في ثناياها بطلاقة، نتنقل بين الصوبين مع أبطالها دون عناء.  ونعاني معهم  هطول مطر دؤوب لا يرحم. نسمع صوت الراوي واصفا تلك الأيام العصيبة: “كأن السماء قربة هائلة فانشقت. ظلت طوال يومين تبكي مطرا غزيرا، وظل أهل المحلة، طوال هذين اليومين، كالأسماك تلبط في بركة موحلة. انقطعوا عن العالم الخارجي، وعاشوا في رعب الغرق وتداعي البيوت.. كاد الشارع أن يقفر، ولاحت البيوت بكل قدمها وهرمها واستخذت الجدران فبدت وكأنها توشك على التداعي. بدت مستسلمة وكأن مياه المطر قد تسربت إلى أعماقها، وامتصت ما تتماسك به. إلا أن الأبواب ظلت على عادتها مفتوحة في الغالب. وفي وسعك أن ترى منها برك الماء المجتمع في الفناء، وعمليات نقله إلى الشارع يقوم به الأطفال والنساء، وأحيانا الرجال في صفائح تنك. ومن باب علوان أبو الجص تستطيع أن ترى صحن بيته فارغا، ولا يأخذك العجب والخوف على حميره. فلو تمد رأسك قليلا ترى الحمير في الإيوان قرب زوجته وبناته.”

يقترب غائب من مدينته بغداد الأربعينات بشعرية عالية، محاولا استرجاع المحلة التي ولد وترعرع فيها لكنها تتلبس شكلا خياليا آخر: ها هو يجمع معا شخصيات فقيرة من الجيل الذي سبقه: حمادي العربنجي والسائس مرهون والمحتال مصطفى جنبا إلى جنب مع سليمة الخبازة وابن زوجها المتوفى حسين الذي لم يتجاوز سن العشرين. وهما يعيشان في بيت ورثاه عنه.

يستخدم غائب الحوار وسيلة لتقديم شخصياته اذ يحتل ما يقرب من ثلاثة أرباع صفحات الرواية وبفضل استخدامه للعامية تصبح شخصياته حقيقية فنيا على الرغم من أنها نمطية ومتشابهة مع بعضها البعض. فكما يقول الناقد فيصل دراج، “يشكل المكان في رواية غائب طعمة فرمان، (النخلة والجيران) عنصرا داخليا في العلاقات الروائية، او عنصرا محايثا لها. لا تتحرك الشخصيات فوقه، انما تنمو فيه، وتظل به لصيقة الى حدود الاندماج. ولانها تغوص في المكان ولا تعلو فوقه، تكون عاجزة عن إدراك معنى المكان الاجتماعي، وتنهدم معه، دون أن تكون قادرة على السيطرة عليه واعادة بنائه. إن غوص الشخصيات في المكان وذوبانها فيه يجعل الوعي لا يتجاوز حدود المكان المباشر وحدود التجربة اليومية الفقيرة التي تدور فيه.”

هذا المسعى للقبض على صورة مدينة زائلة وحياة أشخاص مهمشين على عتبة اختفاء مهنهم البائدة باستخدام الحوار بالدرجة الأولى يدفع غائب إلى كسر ثلاثة مبادئ أساسية في الحبكة الروائية: ادخال اسكتشات مستقلة عن سياق الرواية مثل مشهد الشجار الذي يجري داخل الخان بين رديفة زوجة حمادي وخيرية زوجة الفراش رزوقي، ولعل غائب اراد احياء شخصية المرأة السفيهة (القرج) التي يتجنب لسانها الجميع رجالا ونساء، وهنا يسود الروح الكرنفالي (حسب مفهوم باختين) حيث تنقلب المعايير رأسا على عقب ويتطاير شرر الملاسنة بين المرأتين على الزوجين المسكينين والسائس الطيب مرهون. كأن غائب يعيد تقليد روائيي عصر النهضة مثل رابليه وسرفانتس باعطاء كامل الحرية لابطالهما للتنقل من مكان إلى آخر والانغمار في شتى التجارب مع شخصيات تدخل وتخرج في سياق الرواية بسلاسة. لعل المناخات التشيخوفية ليست بعيدة عن رواية غائب الأولى، فهناك الكوميديا السوداء التي تنقلك ما بين الضحك الصاخب في مشاهد إلى الحزن العميق على مصائر شخصيات في مشاهد اخرى. المبدأ الثاني هو غياب النمو الدرامي للرواية، فمقتل مؤجر الدراجات الطيب، صاحب على يد الشقي محمود جاء من دون مقدمات، والتصعيد الدرامي يأتي في آخر الصفحات خارج سياق الرواية حين يقرر حسين الانتقام لصاحب بقتل قاتله والتحول هو نفسه الى شقاوة. المبدأ الثالث هو النهاية المفتوحة التي تأتي بعد قتل حسين لمحمود في مرافق احد الفنادق وهروبه.

الشيء الاساس الذي جمع هذه الشخصيات هو انها عبرت العتبة وتركت هناك: فـ “الطولة” (حظيرة الخيول)  بيعت وحولت الى مصنع سجائر، وبذلك فقد حمادي ومرهون عملهما، وبيت سليمة الخبازة يباع فتنتقل إلى غرفة صغيرة هي وزوجها الثاني مصطفى. كذلك هو الحال مع بغداد نفسها، فالحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها أخيرا وبدأ الجنود البريطانيون بمغادرتها.

(2)

تنقل الرواية الثانية لغائب، “خمسة أصوات”، مرة أخرى صورة بغداد، بعد ما يقرب من عقد. وهنا نجد أبطال الرواية أشخاصا ولدوا بعد تأسيس الدولة العراقية بقليل. إنه عقد الخمسينيات حيث دخل الغرب بقوة في محلات أورزدي باك بشارع الرشيد جنبا إلى جنب مع المقهى السويسرية والنوادي الليلية والبارات الفخمة على شارع أبو نؤاس، إضافة إلى دخول الكتب المختلفة الاتجاهات والأفكار، سواء بالإنجليزية أو مترجمة إلى العربية.

يكتب غائب في إهدائه على الصفحة الأولى: “إلى إصدقائي في صراعهم مع أنفسهم ومع الآخرين”. وهذه الإشارة تكشف العلاقة ما بين شخصيات الرواية وأصدقائه المقربين في أوائل الخمسينيات من حيث كونهم مصدرا استلهم منه شخصياته.

أنجز غائب هذه الرواية عام 1967 أي بعد ثلاث سنوات من كتابة “النخلة والجيران”، وكأن ذاكرته انتقلت إلى فترة حميمة إلى نفسه وتعنيه بشكل شخصي، فهي عتبة مهمة في مسار حياته، عمل خلالها في صحيفة الاهالي وبدأ بكتابة القصة حيث أصدر مجموعته القصصية الأولى، “مولود آخر” عام 1954.

يستخدم غائب في نسج روايته على مبدأ الروندو الموسيقي حيث التيمات الموسيقية تتناوب بانتظام، وهنا نجد الشخصيات الخمس التي تجمعها اهتمامات مشتركة وعمر متقارب وعتبة حياة واحدة رغما عن اختلاف طموحات كل منها.

يتقمص غائب شخصية سعيد، وهذا ما سمح لنا بأن نعرف أكثر عنه من الآخرين، وسمحت لغائب أن يمزج ما هو متخيل بما هو حقيقي دون أن نكتشف الخط الواهي الفاصل بينهما، وهذه هي إحدى ميزات الرواية. كذلك تنجح الرواية بخلق عنصر التشويق، بعد استلام سعيد الذي كان مسؤولا في صحيفة الناس عن قسم الشكاوى رسالة من امرأة مجهولة تدعوه فيها لزيارتها. ولم يكن الوصول إلى بيتها سهلا، إذ أن دخول أي غريب لزقاق بغدادي آنذاك يعد مغامرة بحد ذاتها.

استخدم غائب في سرد الرواية ستة رواة فلكل شخصية راو وللشخصيات الخمس معا راو خاص بها.

تفتقد الرواية إلى التصعيد الدرامي أو الغور العميق في الشخصيات. بدلا من ذلك يستخدم غائب الحوار وسيلة أساسية للتعرف إليها من خلال ما تعبر عنه من آراء أو ما تنقله من تداعيات عن ماضيها أو ما تعرفه عن شخصيات أخرى. وباستخدام أسلوب التناوب بين هؤلاء الرواة تتحقق للرواية ديناميكيتها التي تشد القارئ حتى آخر صفحاتها.

يمكن القول إن الروح الكرنفالي (الذي عرفه باختين) أو جزءا من عناصره قد تلبس الرواية، ففكرة العتبة والتجوال الحر لبعض الابطال في ثنايا المدينة متنقلين ما بين باراتها ومواخيرها وشوارعها وأزقتها عنصر أساس فيها. ولتحقيق ذلك، رسم غائب شخصياته بطريقة كاريكاتيرية (إلى حد ما) فمنحهم قدرا من تشويه ساخر مبطن يطلق عليه باختين “الغروتسك” وهو أحد عناصر الروح الكرنفالي الأساس في الرواية.

وهذا العنصر التشويهي المشترك ناجم عن كون هذه الشخصيات تنتمي إلى أول جيل متعلم تلقى جرعة ثقافية غربية كبيرة، على الرغم من أنها تعيش  في مجتمع تحكمه سكونية هائلة فبينها وبين الآباء والفئات الشعبية فجوة ثقافية كبيرة، وما زالت المحلة البغدادية منغلقة على نفسها، وما زالت المدن الأخرى غير مهيأة لقبول زوار من المدن الأخرى، إلا إذا كان لديهم أقارب فيها.

كل ذلك يقود أبطال غائب في خمسة أصوات إلى ارتداء نظارة مستوردة تمكنهم من رؤية الواقع وكأنه يتماهى مع واقع غربي ما. فعبد الخالق الذي يحلم بأن يكون روائيا ينظر إلى محيطه بعيني الروائي الأميركي فولكنر، فهو على الرغم من تعاليه على الآخرين بمن فيهم أصدقاؤه، يندفع للمساهمة في صد خطر الفيضان، بسبب ما كتبه فولكنر عن فيضان حل بالمسيسبي وكيف كان رد فعل أهالي بلدته في الجنوب الأميركي تجاهه. كذلك هو الحال مع الشاعر شريف، الذي يتقمصه الشاعر الفرنسي بودلير المتوفى عام 1867، فيقلده في جرأته وسأمه وتشرده وتعلقه بغانية سوداء، وفي بغداد يتعلق الشاعر شريف بالفتاة صبرية، المومس الامية الهزيلة البنية فيسقط عليها صورة تلك الغانية السوداء التي تغنى بها بودلير كثيرا.  نقرأ في هذا الحوار القصير ما بين شريف وصبرية مثالا جيدا على ما يجسده الاغتراب الذي كان ذلك الجيل يعيشه ونسمع من دون صوت ضحكة غامرة يختنق بها غائب وهو يكتبه:

  • قلت لك غيري الصابون الذي تستعملينه. لماذا تستعملين صابون العجائز؟
  • ماكو غيره.
  • يوجد صابون الجمال.

قالت بدلع:

  • أنا جميلة من غير صابون.
  • أنت فروجة- قال لها محاولا أن يعثر على أذنها من تحت شعرها الأسود- أنت عروسة الشعر المريضة التي نظم بودلير فيها قصيدته.

قالت متضايقة:

  • رجعنا على بودلير.
  • لماذا لا تحبين بودلير؟
  • أحبك أنت- وطوقت رقبته بذراعها الهزيلة، وطبعت على خده قبلة.
  • مع ذلك يجب أن تحبي بودلير، ولكن يبدو أن فيك عرقا من النساء اللواتي لعنهن بودلير، ولهذا تخافينه.

قالت في غضب:

  • ليش أخاف منه؟ ألعن أبوه لا بو شرفه.

أما سعيد فيجد نظارته في الكتب السرية التي تصله من صديقه طالب السجين السياسي في نقرة السلمان، اذ توصل أم طالب إليه كتابا لبليخانوف وآخر لجدانوف.

وفي مجتمع ذكوري لا يرى الرجل حوله إلا أمه وأخواته وقريباته يسبب ظهور أي امرأة سافرة في مكان عام خلخلة جماعية. في المقهى السويسرية الذي كان يلتقي به الأصدقاء الخمسة أحيانا، تستدير رؤوس المثقفين فيه ولعا صوب امرأتين سافرتين ظهرتا على حين غرة. وهذا ما يدفع شريف إلى القول إن العراقيين ثوريون بسبب انفصال الرجال عن النساء في الحياة اليومية.

تعكس الرواية (دون تعمد غائب) بغداد في أوائل الخمسينيات، هناك بصمات حياة مدينية ومدنية تغلغلت في حياة أبنائها أو على الأقل الشريحة المتعلمة منها، فالصحف ازداد عددها وهناك قدر ملموس من حرية الرأي، بالمقابل بدأت مظاهر الرفاهية العامة تظهر في الشوارع الجديدة وبدأ نمو المناطق الجديدة، وبروز وسائل النقل الحديثة وتكاثر البارات والمقاهي والأسواق والمحلات الحديثة على امتداد شارع الرشيد وباب الشرقي والسعدون والمسبح. هناك خيارات عديدة يلتقي بها الأصدقاء الخمسة، ومن قدرتهم على الذهاب يوميا إلى البارات دليل على وجود قدر من الرفاهية لم يعرفه أهالي بغداد في أوائل الأربعينيات، بل يمكن القول إن هناك قدرا كبيرا من استتاب للأمن والسلم الأهلي على عكس تلك السنوات القاسية التي عاشها العراق خلال الفترة الممتدة من وفاة ملكها فيصل الأول عام 1933 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

 لكن كل ذلك لم يخفف من غلواء قطاع واسع من الفئات المتعلمة التي تنتمي إلى جيل غائب. فكأن الاختناق الداخلي بسبب إرث التخلف المهول الذي وصل من سبعة قرون مظلمة قد تحول إلى غضب عاصف تجاه النظام الملكي ودعامته الأساس الذي كان يركض إليه الأمير عبد الإله كلما حلت أزمة سياسية عاصفة: نوري السعيد.

تنتهي الرواية بحل البرلمان بعد فوز الجبهة الوطنية بعدد قليل من المقاعد، وإغلاق صحيفة الناس، وذهاب الأمير عبد الإله إلى باريس لاسترضاء نوري السعيد كي يعود إلى العراق ويعيد الأمور إلى نصابها بطريقته الخاصة.

تترك الرواية النهاية مفتوحة، إذ تنتهي بهجرة سعيد إلى سورية للعمل هناك، وترك الأبطال الآخرين يعبرون عتبتهم كل حسب طريقته، ومعهم يعبر العراق عتبته إلى ثورة الرابع عشر من تموز.

(3)

في روايته الثالثة “المخاض” يتبع غائب تقنية سردية مختلفة فالراوي هنا هو البطل، وقد انتهى غائب من كتابتها عام 1971، أي بعد 4 سنوات على انتهائه من رواية خمسة أصوات.

هنا يعود الراوي- البطل إلى مدينته بغداد بعد وقوع ثورة 14 تموز بعام ونصف. ومنذ البدء يصدم بحقيقة لم تخطر على باله: اختفاء المحلة التي ولد وترعرع فيها عن الوجود مع كل المحلات المجاورة ليحل محلها شارع النضال الذي كان في طور الإنشاء. ومع انقطاع صلته بعائلته نتيجة عدم وصول رسالته إليهم يضطر الراوي الإقامة في محلة شعبية مع عائلة السائق العم نوري الذي أوصله أولا من المطار إلى مكان محلته.

تأتي عودة البطل كريم إلى بغداد بعد حصوله على وظيفة مترجم في وكالة أنباء، والرواية تنشغل بمتابعة حياته اليومية ولقاءاته بزملائه في العمل ضاربتي آلة طابعة آمنة وماجدة والمترجم داود ثم حل المترجم الفلسطيني الأصل إسماعيل لاحقا محل الأخير.

تأخذ الحوارات مساحة كبيرة في الرواية تصل إلى 160 صفحة بالكامل من 360، وإذا أضفنا الأجزاء الأخرى سيغطي الحوار ما يقرب من ثلثي الرواية. وهذا بحكم محدودية صوت البطل الذي يسرد لنا الحكاية بضمير المتكلم.  هذه الحوارات تشمل قدرا من الجدل واعترافات وتداعيات خواطر. وفي حركة البطل هناك قدر كبير من العفوية فهو يلتقي ببعض الأصدقاء القدامى عن طريق الصدفة مثل محسن ومهدي.

الرواية تفتقد إلى النمو الدرامي، لكن رغبة القارئ في التعرف على هذه الشخصيات التي تبدو حقيقية (وعلى الأغلب هي كذلك)  يظل محدودا بمدى انفتاحها مع الراوي كريم.

كذلك فإن الراوي الذي نعرف من نقاشاته وآرائه أنه ماركسي وحريص على تحقق الاشتراكية ولا يرى في الاحتراب الداخلي الذي تفجر في العراق بين التيارين الشيوعي والقومي إلا دليلا على حقيقة الصراع الطبقي وأن الانتقال إلى الفردوس لا بد أن يمر عبر التضحيات. لكن آمنة التي ظلت قلعة محصنة أمام كل محاولاته لكسب حبها، كانت لها وجهة نظر أخرى: إنها السادية التي سكنت المجتمع.

وفي لقائه برفيقه القديم مهدي، يستغرب أن يضع الأخير نظارة سوداء، فيخبره أن أحد أخوته ينوي قتله بسبب أفكاره.  أما محسن الذي أصبح مديرا عام ويختلط برجال الأعمال فيخوض مع البطل كريم جدلا طويلا عن ضرورة توقف الثورة عن مرحلتها البورجواية وفتح الباب لرجال الأعمال العراقيين كي يطوروا المجتمع، لكن كريم وتحت تأثير السكر يحتد ضده فهو لا يريد من الثورة حتى تحقق الاشتراكية.

أما إسماعيل الفلسطيني المقيم في الأردن، والذي يكسب حب وتقدير الراوي كثيرا فله آراء أخرى تتعلق بالعراقيين، ولعله كان يتابع مفزوعا ما جرى في العراق من أعمال قتل وإعدامات منذ ثورة الرابع عشر من تموز. نسمع حواره مع كريم الذي يصدم بآراء صديقه:

  • يبدو لي أنكم لن تكونوا دولة.

بوغتُّ بهذا الرأي. قلت مدافعا:

  • ولكننا دولة بالفعل، عضو في هيئة الأمم المتحدة.
  • بالاِسم. أنتم شبح دولة، وليست دولة.
  • شيء مؤسف، إذا كان هذا رأيك.
  • ولو أن لكم إمكانيات هائلة، يا ويلي، يا زلمه. أي رجل، ولو كان بائع سكائر مهربة من الكويت، عنده حس سياسي طيب. ولكن ككل، يبدو أن بلادكم تنبت الفوضى.
  • هل تعتقد ذلك؟
  • العراق طوال حياته يسبح في بحر من الفوضى. أنتم العراقيون، تعودتم على الفوضى، ولا تحسون بها، ولكن الرجل من الخارج يحس بذلك رأساً.
  • حتى بالنسبة للقادم من الأردن؟
  • أنا من فلسطين، يا زلمه.الأردن جاءت بعد، ولكن حتى للقادم من الأردن.
  • شيء مؤسف، ولكن لنفرض. فما تعليلك لهذه الظاهرة؟
  • مجرد أن التنظيم الحضاري ضعيف عندكم. عندكم كل شيء، ولكن على شكل ظلال لا تثبت للتجربة، عندكم دولة كما قلت، ولكن أركانها غير ثابتة، إن لم تكن معدومة. عندكم قوانين ولكن بلا رصيد من حماية وصيانة، لا تملك قوة القوانين المرعية. ربما لعدم اقتناع الناس بها ومن ثم لعدم استعدادهم لمراعاتها والدفاع عنها. أنتم تحبون الديمقراطية باللسان، وتكرهونها من أعماق النفس، أو لا تثقون بها. ولهاذ ينهار دفاعكم عنها بسرعة. كل شيء عندكم لم يبلغ حد اليقين، كل شيء قابل للرفض والشك والاحتمال.
  • أنت تنظر إلينا، وكأننا أحرار من كل الضغوط. كأننا أسياد أنفسنا. أنت تهمل جانب شراسة الحكام، وسيوف الجلادين، وأساليب القمع التي استعملت ضدنا.
  • هذا أمر مبالغ فيه. في كل بلد عربي جلادوه، وأنظمة القمع فيه. أنت ترى بنفسك ما يجري في مصر الآن.ومع ذلك فلا أحد ينكر أن هناك حدا لا يمكن تجاوزه في مصر. هناك أركان دولة وقوانين.

يغضب الراوي من آراء إسماعيل السلبية عن العراق لكنه ينجح أخيرا من ضبط نفسه: “أعتقد أن كلامك فيه تعميم كثيرا. الفوضى! من قال لك إن العراقيين أو أي شعب آخر يحب الفوضى؟” فيأتيه جواب إسماعيل هادئا وقورا: ” لا يحبها، ولكنه تعود عليها، فلا يستكرهها، وحتى لا يكاد يشعر بها”.

تقترب هذه الرواية في سياقها من أدب المذكرات، وقد يجد القارئ في ديناميكية السرد ترهلا هنا وهناك واستيلاء الجدل المتعدد القناعات عليها، لكنها الرواية الوحيدة التي كتبت عن تلك الفترة الحرجة في تاريخ العراق بموضوعية، وما جعلها شيقة اليوم هو أن غائب منح أبطاله فرصة متساوية في التعبير عن آرائهم دون أن ينحاز إلى بطله الشيوعي على الرغم من أنه سلمه قياد السرد. وهذا ما يجعل القارئ بعد الانتهاء منها بنحاز إلى وجهة النظر هذه أو نقيضها.

هنا للمصادفة اليد الطولى، فالكثير من اللقاءات تحكمها الصدفة، وبفضل الصدفة يتمكن غائب من إنهاء الرواية على فضاء مفتوح يحمل كل الاحتمالات، وهذا من خلال جعل العم نوري يضرب بسيارته سائق دراجة شاب.  وتنتهي الرواية بشفاء الشاب وتنازله عن حقه وبراءة العم نوري الذي اكتفى القاضي بسحب إجازة السوق منه بسبب كبر سنه وضعف بصره.

تكمن أهمية هذه الرواية بطابعها التسجيلي ولعلها تقترب من رواية “نجمة أغسطس” التسجيلية لصنع الله ابراهيم من دون توابل المشاهد الجنسية.

لؤي عبد الإله

30 آب 2015

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …