الرئيسية / نصوص / فتى في الخامسة عشرة اسمه لؤي عبدالإله يكتب قصة القطار في مدرسة متواضعة خارج بغداد

فتى في الخامسة عشرة اسمه لؤي عبدالإله يكتب قصة القطار في مدرسة متواضعة خارج بغداد

المصدر:

الكاتب: لؤي عبدالإله

تاريخ النشر(م): 5/1/1999

تاريخ النشر (هـ): 18/9/1419

رقم العدد: 13088

> ثمة وهم بإمكانية استرجاع الماضي الذي عشناه ونحن معصوبو الأعين، اذ يصاغ الماضي كل يوم وفق حاضر التجربة المعاشة. ونرمي وراءنا في كل مرحلة كائناً آخر، شبيهاً بجلد الافعى تنزعه بين فترة واخرى، محكومين بتجاربنا الخاصة، وبالتحولات الجسدية والنفسية الجارية بعيداً عن اعيننا.

استرجع وسط كينوناتي المنطفئة ذلك الكائن الذي تلبسني لفترة قصيرة، ثم غادرني في عربته الفضائية خارج الزمان والمكان، لكنه بقي حياً محتفظاً بنضارة الفتوة، اذ وفق قانون النسبية، يتباطأ الزمن عند اقتراب سرعة العربة الفضائية من سرعة الضوء. وان مرت عليّ عشرات الاعوام منذ افتراقنا، فانها لم تكن سوى لحظات بالنسبة اليه. ما الذي يجمعنا بعضاً الى بعض؟ هل هو الفضول المعرفي الشديد لحقول لا صلة بينها؟ فما الذي يجمع الادب بالفيزياء، او الرياضيات بعلم التنجيم؟

اراك جالساً في المكتبة العامة بعد هروبك من المدرسة منغمراً في كتاب فرويد “دروس في التحليل النفسي”، مندهشاً بفرح جنوني لقدرتك على ادراك ما تقرأ. ففي سن الخامسة عشرة، وضمن وسط عائلي تقليدي، لم تُعرف القراءة فيه الا مرتبطة بالمدرسة، ها انت تكسر هذا القانون: القراءة الحقيقية هي خارج المناهج الدراسية، وهي لا تبعث على التعب او الملل بل كنت تنغمر فيها بكل عواطفك، في ذلك السن تصبح قراءة من هذا النوع نشاطاً خطراً، فكل شيء تقرأه يتسرب الى عروقك كمادة مخدّرة، من دون عوائق، ومعها يصبح العالم المعاش شديد الغرابة وأواصرك به ضعيفة: هنا يصبح عالم الافكار والصور التي تولدها الكتب عالمك البديل عن الواقع، ولن يلتفت احد من الاهل الى ما جرى لك، عدا انهم لمسوا انسحابك اكثر فأكثر منهم ومن اصدقاء الطفولة.

على الرغم من هذه الفاصلة الزمكانية القائمة بيننا، اود ان اسألك: كيف وقع ذلك الزلزال في حياتك؟ قبل ان تقدم اي اجابة احب ان اؤكد لك بأن ذبذبات زلزالك ما زالت تسري في خوالجي:

“كانت المدرسة الثانوية التي التحقت بها على مضض، تستقطب طلاباً من عشرات الاحياء والمناطق الزراعية المحيطة بها، ما يجعلها مكاناً للقاء ابناء المزارعين والموظفين الصغار والفلاحين والبدو. كان بعض الطلبة يقطع اكثر من ثلاثين كيلومتراً في الباص او على الدراجة للوصول اليها. من جانب آخر، فالرحلة الى بغداد تستغرق ما يقرب من ساعة، وهذا الوقت كاف لكي “يُنفى” بعض المدرسين اليساريين اليها بعد انقلاب 1963. في اوقات الفرصة كنت اتنصّت الى بعض طلبة صفي الذين يكبرني معظمهم ببضعة اعوام وهم يرددون اسماء لم اسمع بها من قبل، او مرّت عليّ من دون ان تعني شيئاً: فرويد، ماركس، تشيخوف، غوركي، دوستويفسكي، كولن ولسن. او هم يتحاججون بأفضلية الشعر العمودي على الشعر الحر، او بالعكس، بأفضلية طه حسين او العقاد. في درس العربية كان المناخ مختلفاً عما عهدته من قبل، فمدرسنا كان شاعراً، سبق ان قضى عاماً في السجن ولم يخرج منه حتى سقوط البعثيين في انقلاب 1964. كان الطلبة المهتمون بالثقافة يلتقون مرة في الاسبوع داخل المدرسة، وباشراف مدرس العربية ليقرأوا ما كتبوه، ثم نقاش.

كنت استمع الى القصص والمقالات والخواطر، وملاحظات المستمعين وآرائهم. وكانت تلك المدرسة المنسية الواقعة في ضاحية زراعية منجماً ثقافياً مدهشاً، على الرغم من رثاثة بنائها، ورثاثة الملابس والمظاهر الخارجية للطلاب. كان عليّ ان امضي في طريق طويل كي الحق بالركب. مع الزميل الذي يجاورني بدأت اولى الخطى، فبفضله تعرفت على قائمة طويلة من الكتّاب، وتعرفت على مواقع الكثير من الكتب في المكتبة المحلية المجاورة لمدرستنا. لم اكن اكتفي باستعارة الكتب الى البيت، بل كنت اقضي احياناً النهار كله في المكتبة بدلاً من الذهاب الى المدرسة، ولا ان المسافة الفاصلة بين البيت والمدرسة كانت سبباً اضافياً محفزاً على التمرد، فلم يكن ممكناً ان يعرف اهلي عن جنوني هذا.

النص الاول الذي كتبته وحاز على تقدير اللجنة الثقافية ومدرس العربية، خاطرة فنتازية قصيرة، نشرت في الجدارية التي تصدر كل شهر، وكانت اهم حدث لي في تلك السنة… ها انذا أجد الطريق الصحيح على حساب الفيزياء والكيمياء. كانت العطل مناسبة للانكفاء في الحجرة مع راسكولينكوف، بطل رواية “الجريمة والعقاب” او مع “الاخوة كارامازوف”. وفي الاعياد، وبدلاً من شراء الملابس، اشتري كتباً. لم اكن املك سوى عشرة كتب لجرجي زيدان ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ومحمد عبدالحليم عبدالله، لكنني الآن منكب على نوع آخر من الكتب، فروايات البير كامو وجان بول سارتر واندريه مالرو متوفرة في الاسواق، ومجلة “الآداب” تصل بانتظام حاملة الكثير من المقالات النقدية المعرفة بالكتب المترجمة الجديدة. روح جديدة تتقمصني، وكأن العالم يضطرم بالاثارة والسحر. الافكار تتقافز امامي من الكتب دون القدرة على ايجاد نسق لها. في تلك الفترة جاءت الافلام ذات النوعية الخاصة اكتشافاً مذهلاً لي، فبدلاً من الذهاب الى صالة السينما لمشاهدة الويسترن او الافلام الهندية، بدأنا نشاهد افلاماً من نوع “زوربا”، “عربة اسمها اللذة” و”هاملت” الروسي. وهناك الطبعات الشعبية للمسرح العالمي المترجم، التي كانت تصل من مصر، ومعها تعرفت على آرثر ميللر، يوجين اونسكو، صموئيل بيكيت، فردريك دورنيمات، تينيسي وليامز. وصار للمسرح مقام داخل شعاب مخيلتي.

يغادرني صنوي فجأة تاركاً اياي في متاهتي نفسها، يختفي في عربته الوهمية، ينتابني شعور بالندم لعدم اخباره بما حل بي خلال رحلته الالكترونية، كان ممكناً اعلامه على الاقل بأنني بقيت مخلصاً لحماسته الروحية للمعرفة، لكنني مع مرور الوقت اعدت النظر بالكثير من قناعاته المنزوعة من افكار الآخرين، بل يمكن القول انني شكلت رؤيتي الخاصة التي بها اتحاور مع نصوص الآخرين: القراءة ليست ذوباناً عاطفياً كاملاً بأفكار الآخرين بل هي وسيلة تحفيز للانغمار في متعة اكتشاف افكار واسئلة جديدة، واذا كان صنوي المراهق انعزالياً شديد الاعتداد بذاته، فأنا اليوم على العكس منه مشدود للآخرين ومنفتح على تجاربهم، فعبرهم استطيع قراءة ما هو مشترك في التجربة الوجودية للفرد، وعبرهم تتحقق حاجتي للانتماء الى التجربة الانسانية.

شيء آخر اشترك فيه مع “سلفي” المراهق: ذلك النزوع المتطرف للعيش على حافة الوهم، على ذلك الخيط الفاصل بين الواقع والحلم. كلفني ذلك الهاجس الكثير، فلا انغمار في دراسة اكاديمية تقيدني ضمن حقل دراسي معين، ولا وظيفة ثابتة تمنحني دخلاً جيداً، هل في الامكان تسمية ذلك بـ “نزوع اللاوعي المنتظم ضد الرتابة”.

مقابل الفقر الذي اجده ترياقاً ضرورياً للبقاء على حافة الوهم، انجح في المحافظة على تلك الحماسة الروحية للذوبان في العالم بكل تجلياته وعناصر غموضه.

بين الكتب التي لم اقرأها بعد، بين المدن التي لم ازرها بعد، بين المشاريع الادبية التي لم ابدأ بها بعد، تتحدد رحلتي المقبلة، ولا بد ان مساري حددته اولاً خطواتك المتعثرة، في تلك المدرسة النائية الساكنة قرب دجلة، لحظة مغادرته بغداد صوب أور.

هل عليّ ان اؤكد لك بأن انغماري في الكتابة القصصية هو سعي مني للحفاظ على جذوة الحلم التي قبضت عليها في لحظة غامضة لتمنحها لي قبل اختفائك؟

اتذكر انك كتبتَ خلال ستة اشهر ما يقرب من عشر قصص، وحينما جاء موعد الامتحانات النهائية كان عليك ان تعطي كل تلك الدروس المفقودة مع دليلك ورفيقك في الصف خلال فترة اسبوع. اتذكر انك بعثت بإحدى القصص الى جريدة يومية للاشتراك في مسابقة ادبية، وانك قرأت رداً مقتضباً في الجريدة نفسها، يطلب المحرر منك اجراء تكثيف لقصتك، لكنك لم تجر اي تعديل عليها.

كان عليّ ان أخبرك بأن اوراقك التي تركتها معي ضاعت بعد مغادرتي العراق. مع ذلك ظلت قصتك تلك عالقة في ذاكرتي. بعد خمسة وعشرين عاماً، سأعود اليها، ولن يتطلب الامر لاستحضارها سوى تقمص روحك بشكل كامل: باجراء قليل من التحويرات، ها انذا امام عمل مكثف، خال من اي عقدة، او تنامٍ لحدث او شخصية ما. مجموعة من الاشخاص يسافرون في قطار ليلاً: طفلان وابواهما، مجنون واخت عمياء، جنود وشرطيان. وعند تمعني في العمل لم اجد سوى القطار بطلاً، او بشكل ادق ايقاع القطار نفسه، الذي اخرج النص من الزمن التاريخي ليضعه في الزمن المطلق، او في اللازمن. اطلقت على هذه القصة اسم “ضحكات آخر الليل”. وما عنيته بهذا العنوان ضحكات ذلك المجنون في تقاطعها مع ايقاع حركة القطار، وايقاع الزمن، ولعلها استفسار عبثي عن رحلات الآخرين الذين يسعون الى منحها معنى ما.

هل اقول انها افضل نص كتبته؟ ربما.

ألا تجد كم اجتهد اليوم للاقتراب منك اكثر فأكثر؟

كاتب عراقي

شاهد أيضاً

الفرح عبر المعاناة: ثلاثة نماذج

لؤي عبد الإله* (1) يعزو بعض النقاد الموسيقيين تأليف بيتهوفن للسيمفونية التاسعة، إلى صممه الكامل، …