الرئيسية / مقالات / في الذكرى التاسعة لاندلاع الربيع العربي (1)

في الذكرى التاسعة لاندلاع الربيع العربي (1)

في الذكرى التاسعة لاندلاع “الربيع العربي” (1)

 

يقول ميلان كونديرا في كتابه “خيانة الوصايا” معلقا على رواية تولستوي “الحرب والسلم” بأننا نسير في الحاضر محاطين بالضباب، ولن نستطيع أن نرى خطواتنا إلا بعد أن يصبح الحاضر ماضيا، عند ذلك فقط حين نلتفت إلى الوراء نجد أن كل الضباب قد انقشع وأننا نستطيع مشاهدة خطواتنا والطريق الذي رسمته بوضوح.

ولهذا السبب قد يبدو أي حكم في هذه اللحظة عما سيؤول إليه الربيع العربي الذي ابتدأ مع إضرام البائع المتجول التونسي طارق الطيب محمد البوعزيزي النار في جسده يوم 17 ديسمبر 2010، متسرعا. لقد احتجنا إلى أكثر من نصف قرن لنرى نتائج ثورة أكتوبر وإسقاط النظام القيصري في روسيا، بشكل واضح. ولعلنا لن ننتظر مثل هذا الوقت الطويل لمشاهدة الصورة الحقيقية التي ستأخذها البلدان التي عصف الربيع العربي بأنظمتها السياسية المختلة حتى الآن.

مع ذلك، فقد كشف الربيع العربي عن مدى عمق الاحتقان السياسي والاجتماعي السائد في المجتمع العربي، وعمق التهميش لقطاعات واسعة منه في المشاركة بصياغة حاضرها ومستقبلها، وهذا ما جعله جارفا لا تقف أمامه أي قوة، كأننا أمام قارورة تفتح عن طريق الخطأ بعد إغلاقها قرونا، ليخرج منها مارد عملاق قزّمه الضغط داخل جدرانها إلى حد التلاشي، وأعشته الظلمة فجعلته عاجزا عن الرؤية الواضحة.

هناك ثلاثة عناصر أساسية لعبت دورا مهما لا في التغييرات التي جلبها الربيع العربي معه فحسب بل في تنويعاته الأخرى  أيضا: حجم ودرجة العنف، ودور القوى الأجنبية، وطبيعة الاتجاهات الفكرية، وغير ذلك.

وهذه هي: (1)  ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، (2) آليات بناء الدولة العربية الحديثة، (3) الحركات المستقبلية والسلفية.

  • ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

 

لقد شهد العالم تحولا كبيرا منذ بدء الثورة الرقمية في بداية الثمانينات، وقد تجسدت بأشكال عديدة، منها تزايد المحطات الفضائية بشكل منقطع النظير، وبفضلها أصبحت المسافة الفاصلة بين الحدث وبلوغه كخبر في شتى أنحاء العالم قصيرا جدا. وهذا ما خلق تدريجيا ديناميكية جديدة في ردود الفعل لدى قطاعات بشرية واسعة، كان الخبر عند وصوله إليها في الماضي يتطلب وقتا أطول ويمر بعدة مصافٍ(مرشحات) تجعله قليل الإثارة عند وصوله لمن يعنيهم، وهذا ما سرّع من أعمال العنف وأعمال العنف المضادة. فحال ظهور صورة ما في نقطة نائية داخل الجنوب الأميركي أمام مشاهدين يسكنون في أطراف باكستان المعزولة مثل وزيرستان حتى تبادر حشود من سكانها بأعمال عنف واسعة ضد مجموعات تختلف معهم اثنيا أو دينيا أو مذهبيا.

كذلك فقد ساعد تطور حقل “المؤثرات الخاصة” عبر الكومبيوتر  على خلق عوالم افتراضية غير موجودة على أرض الواقع لكنها مندمجة فيه ومتماهية معه إلى الحد الذي يصعب الفصل بينه وبين الواقع الحقيقي.

ووجود هذه الوسائل الإعلامية بيد فئات صغيرة لا تعد إلا بالأصابع مثل روبرت مردوخ صاحب أكبر احتكار إعلامي عالمي، يسهل من التحكم في صياغة الأخبار وما تحمله من رسائل معينة.

أتذكر جيدا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن لقطة اصطدام الطائرة بمبنى المركز التجاري العالمي قد تكررت مئات المرات خلال وقت قصير على محطة “سي أن أن”، في حين أن العديد من المجازر وقعت قبل ذلك اليوم وبعده لكن الإعلام  الغربي بشكل عام نجح في التعتيم عليها.

يقول الفيلسوف الفرنسي الراحل جان بودريلار في كتابه “حرب الخليج لم تحدث” إن الحرب قد وقعت، لكن الجديد  هو في الطريقة التي قُدمت بها للمتلقي، والتي لعبت التسهيلات الضخمة فيها بجمع المعلومات ومعالجتها وتقديمها، إلى الحد الذي يجعلك لا تعرف أماكن وقوع المعارك أو كيف دارت.

هذا النجاح الهائل بتحويل تلك الحرب إلى موضوع تسلية جماهيرية استمر في الحروب اللاحقة سواء في العراق أو ليبيا (خلال شهر القصف الجوي الذي قامت به طائرات الناتو قبل مقتل القذافي)، لكنه في الوقت نفسه تمكن من إضعاف روح المقاومة لدى قطاعات واسعة من الناس أمام هذه القوة القدرية التي تستطيع أن تهدم الجسور والبنايات بدقة مدهشة من على ارتفاعات شاهقة. وهنا دخلت ضمن ثورة تكنولوجيا المعلومات ما عُرف بالأسلحة الذكية والطائرات بلا طيار وقدرات التحكم بإصابة الأهداف، وفي حالة وقوع خسائر بشرية عرضا فتسويق مصطلح “أضرار عرضية”  collateral damage يساعد على قبولها طالما أن هناك نسبة من الخطأ لا يمكن إزالتها.

لقد وصلت ثمار ثورة تكنولوجيا المعلومات إلى العالم العربي خلال التسعينات من القرن الماضي، وكانت الحرب على العراق (والتي أطلق عليها اسم يشير إلى تكافؤ القوى فيها: حرب الخليج) بداية لتدشينها، وقد تُوجت بدخول الانترنت في بداية القرن الواحد والعشرين بشكل واسع، وتلاها ظهور شبكات التواصل الاجتماعي مثل “فيسْبوك” التي لم يكن يحلم مبتكرها مارك زكربرغ أن تتحول شبكته ( التي انشئت في البدء للتواصل مع الفتيات في جامعة هارفارد حيث كان يدرس)، بعد 4 سنوات على إطلاقها قوة تنظيمية هائلة يجتمع حولها الآلاف ويتبادلون الآراء ويخططون لمظاهراتهم.

من الطريف، أن هذا الابتكار الذي دخل بسرعة هائلة إلى الكثير من مدننا العربية، في مقاهي الانترنت والجامعات والبيوت وعبر الهواتف الجوالة، جعل معظم أدوات المراقبة والرصد التي تملكها أنظمة الكثير من الدول العربية( مع قانوني الطوارئ ومنع التجمع) شبه عاطلة. فإذا كانت الأجهزة الأمنية قد طوِّرت بالدرجة الأولى في الكثير من البلدان العربية لتعقب اجتماعات خلايا الأحزاب السياسية المحظورة، والتنصت إلى ما يدور بين الناس في المقاهي والأماكن العامة، فإن ثمار ثورة تكنولوجيا المعلومات قد جعلت قدرات الأجهزة الأمنية للأنظمة الاستبدادية العربية جزءا من عالم المتحجرات. فبفضل شبكات اجتماعية مثل “فيسبوك” ورسائل الايميل التي تصل إلى الآخرين خلال أقل من ثانية وهواتف الجوال المنتشرة بشكل اخطبوطي بدأت تظهر قوة منظمة لم يكن يُحسَب لها حساب قبل عقد واحد فقط. ومع بلادة الاجهزة الأمنية وعجزها في تطوير أدوات رقابتها لتتماشى مع  أشكال التجمع والتنظيم الجديدة، بدأت فئات الشباب المتعلم (من أبناء الطبقة المتوسطة) تملك شجاعة ناجمة عن كسر حاجز الخوف الذي كان سائدا بفضل عزل الفرد عن غيره عبر الرقابة والرصد وجعله يشعر بضآلته.

لذلك، كان اختيارا صعبا أمام قوى الأمن والجيش، عند مواجهتها آلافا من المتظاهرين يظهرون فجأة في مكان ما، ومعهم هواتفهم الجوالة المزودة بكاميرات فيديو قادرة على التصوير وتحويلها إلى الانترنت ووكالات الأنباء والفضائيات. ولن تمر سوى دقائق حتى تجد هذه الأشرطة مكانها في العرض عبر محطات بارزة مثل “سي أن أن” أو “الجزيرة” أو “بي بي سي”.

بربط الخيوط السابقة مع ما يمكن تسميته بـ “تأويل” الحدث وإعادة معالجته رقميا، يمكن للمشاهد أن يتابع حدثا جرى في زمان ومكان مختلفين عن الزمان والمكان المزعومين من قبل هذه المحطة أو تلك، من قبل هذه الوكالة أو تلك، من قبل هذا الموقع الانترنتي أو ذاك.

لقد شجع تطور العمل في مجال “المؤثرات الخاصة” إلى صياغة أكثر من حقيقة وأكثر من تأويل لها، وكأننا أصبحنا في غابة من المعلومات يتواصل بثها يوما بعد يوم، ساعة بعد ساعة، دقيقة بعد دقيقة. وقبل أن يتمكن المتلقي من معرفة صحة هذا الخبر المدعوم بالصورة تكون الصورة قد اختفت وحلت أخرى محلها.

هنا يمكننا أن نصل إلى ملمح أساسي من ملامح عصرنا “الرقمي”: حالة الشحن والشحذ العاطفي عبر حاسة البصر، فالتحليل واستخدام أدوات المنطق قد أقصِيا جانبا وأصبحت مخاطبة اللاشعور أو الإحساس الأولي، هي السائدة. وحتى إذا اكتشف المرء أن هذا الخبر أو ذلك كان كاذبا فإن ذلك لن يغير شيئا من التأثير العاطفي عليه، إذ أنه ترسخ في طبقة أعمق من اللاشعور.

عشية  البدء بغزو العراق عام 2003، وصلت نسبة المقتنعين بتورط الرئيس العراقي السابق صدام حسين  في هجمات 11 سبتمبر 2001 إلى 85% من المشاركين باستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة. وهذا كان ثمرة عمل دؤوب ظل يقطر ساعة بعد ساعة عبر أجهزة الإعلام المرئية والصحف ووكالات الأنباء بخلق واقع افتراضي آخر لا يمت بصلة إلى الحقيقة، وبعد سنوات على  احتلال العراق، قرأتُ خبرا ليس بالغريب: كانت وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات البريطانية على علم بعدم وجود أي سلاح كيمياوي في العراق.

كذلك هو الحال مع تغطية الحراك العربي إعلاميا، تظل أسئلة من نوع: هل هناك دوافع أخرى غير خدمة الحقيقة تقف وراء متابعة مئات الملايين من البشر ساحة التحرير في مصر عشية تقديم حسني مبارك استقالته وتسلم قيادة الجيش دفة الحكم بفضل قناة “سي أن أن”؟

كانت صور انتحار محمد بوعزيزي” حرقا قد انتشرت مثل النار في الهشيم متجاوزة حدود الزاوية التي وقع هذا الحدث التراجيدي فيها، عاصفة بالمنطقة كلها، من دون أن يراود أيا منا سؤال لماذا؟ وكيف؟ ولعل أسئلة من هذا النوع ستثار لو كنا ما زلنا محكومين بأسلوب التغطية الإعلامية لما قبل عصر الثورة الرقمية.

أتذكر كيف استقبلنا صورة الراهب البوذي الذي أحرق نفسه في فيتنام احتجاجا على الحرب خلال الستينات من القرن الماضي. وعلى الرغم من قوة الصورة التي جاءت مرافقة للخبر، فإن تأثيرها كان ضئيلا مقارنة بتأثير احتراق بوعزيزي المروع.

 

 

شاهد أيضاً

في الذكرى التاسعة لاندلاع “الربيع العربي” (2): آليات بناء الدولة العربية الحديثة

  (أ‌)  تشكل المجتمعات العربية تنوعا مثيرا للدهشة، فهي تتدرج من قبائل بدوية استوطنت الأمصار …