الرئيسية / قصص / قصة / نقطة تقاطع

قصة / نقطة تقاطع

2006-04-10

(1)
كان في انتظارهما شغف أزلي متبادل، لو أنهما التقيا بظروف أخرى، لكن لقاءً كهذا في حاجة إلى سلسلة مصادفات تختلف، تماماً، عن تلك التي جمعتهما في ذلك النهار المعتم. عزت إحدى الجرائد المحلية سبب الاصطدام إلى انفجار عجلة في إحدى السيارتين، وكان كافيا لتجنب وقوع الحادث أن يتأخر أحدهما عن الآخر ثانية واحدة. سأطلق عليهما أول حرفين يحضران إلى ذهني: “كاف” و”نون”.
لحظة خروجها من البيت دق جرس التلفون، ولعل الفضول كان وراء ترددها قليلا ثم عودتها إلى الداخل لرفع سماعته، إذ من سيقرر في هذا الأحد الثقيل أن يتصل بهم؟ جاءها صوت أم جيمي مشحونا بنبرة رقيقة؛ بعد غد ستقام حفلة عيد ميلاد ابنها السادس، وكم سيكون جميلا لو يحضر رمزي إليها. أردفت طلبها باعتذار عن تأخر الدعوة. حينما رفعت “نون” رأسها صوب الساعة الجدارية كان العقرب الطويل قد تحرك سبع دقائق. ستتأخر قليلا عن موعدها، وحينما عرض مايكل عليها أن يوصلها إلى الغاليري، أجابت بإصرار يخالف رغبتها الداخلية: “إنها فرصة مناسبة لي للسياقة إلى مركز المدينة”. ولا بدّ أنها ستوافق على عرضه لو أنه ألح مرة أخرى، لكنه بدلاً عن ذلك أضاف بلهجة محايدة، تخفي ببراعة مخاوفه: حسب آخر نشرة جوية، ستسقط أمطار غزيرة هذا اليوم.
(2)
لم يكن خروج “كاف” من بيته إلاّ تحت نزوة محضة، إذ حضرت إلى مخيلته صورة سنديانة عارية لكنها مغطاة إلى نصفها بالضباب، ولا بدّ أن استخدامه لفيلم بالأسود والأبيض سيساعده على اقتناص أواخر الشتاء. إذ بعكس الكثيرين، يعشق “كاف” إخضلال الأشياء حوله ورماديتها التي تفتح في داخله تدفقا، غير قابل للتعريف، لشعور عميق بأواصر حميمة وغامضة بالأشياء.
أغلق الباب وراءه بحذر خوفاً من استيقاظ طفليه، استقبله رذاذ المطر الناعم، فسلّم، وللحظات، وجهه له. للوصول بسرعة إلى الغابة، عليه أن يقطع طرقا
جانبية. تردد قليلا أمام دكان يبيع الصحف والتبغ، لكنه قبل إن يطفئ محرك سيارته غيّر رأيه؛ فهو في كل الأحوال بحاجة لشراء البترول. هناك محطة بترول على بعد بضعة أميال منه، سيشتري منها أيضا السجائر وصحف الأحد، ولا بأس أن يتمكن، بعد استيقاظه، من تجنب التدخين ساعة كاملة. غداً سيحاول تمديد الوقت إلى ساعتين، وبعد غد.. عليه أن يكف عن التفكير بالمستقبل وإفساد هذه اللحظة: هاهو يتلمس في أنفاسه ذلك الحنين، لأوقات كان بإمكانه أن يعيشها مع فتيات انجذبن له، لكنه بدلا من المضي معهن خطوة أبعد، انسحب تحت وطأة حوافز غامضة: كأن هناك أنثى مستبدة ظلت تقيم في أعماقه، وتتحكم في قراراته؛ ففي اللحظة التي يجد صورتها متجسدة بكائن حقيقي، تغير هي ملامحها لتجعله يفقد شغفه بمن أحب. مع ذلك، ظلت تلك الإمكانيات المجهضة تستيقظ في نفسه عبر الأحلام، عبر التساؤلات المتواصلة: ماذا سيحل في ذلك الفتى الغرّ لو أنه انجرف مع سين؟ خصوصا أنه كان يضع قدمه، لأول مرة، فوق سطح كوكب مجهول له. أي اكتشافات كانت تنتظره؟ وماذا لو انه استسلم لصاد؟
لم يكن “كاف” قريبا من إشارة المرور عند تحولها إلى اللون الأحمر، لكن الخروج من دوامة أفكاره، تطلّب ثواني قليلة كانت كافية لتجاوز تقاطع الطرق. فكر في الوقت الذي كسبه: ربما دقيقتين، وبالغرامة التي قد يدفعها إن وجدت كاميرا فوق إشارة المرور.
(3)
اندفعت “نون” بسيارتها عبر طريق محفوف بأشجار التنوب والصنوبر، كان رذاذ المطر ينقر الزجاج الأمامي برفق، فتطرده الماسحتان، لحظة حجبه للرؤية. تراءت لها الغيوم اقرب بكثير مما هي عليه. هاهي تضغط على مكبس البنزين اكثر فاكثر فتستجيب حركة السيارة لانفجارات البهجة في روحها. إنها المرة الأولى التي تذهب لوحدها إلى مركز المدينة، منذ انتقالها إلى الضواحي مع مايكل. في البدء، كانا ينزلان معا إلى المركز مرة كل اسبوع، لكنهما تدريجيا بدأا يفضلان قضاء عطلة نهاية الأسبوع قريبا من بيتهما. يكرس مايكل نصف نهار السبت لتنظيف سيارته بينما تمضي “نون” وقتها في العناية بحديقة البيت. كان مايكل بعكسها تماما ، فكل حدث في حياته مخطط له سلفاً. تستطيع الآن، من وراء مقودها، أن تراه جالسا أمام الكومبيوتر يهيئ برنامج عمله للأسبوع المقبل، ولا بدّ أنها لو كانت في البيت لداعبت، كالعادة، شعره، ولا بدّ أنه سيرفع رأسه، ليلقي عليها نظرة مشبعة بالرضا والعرفان بالجميل. لعل غيابها سيجبره للجلوس
مع رمزي وسارة واستثمار الوقت بتحفيظهما نشيدا جديدا. كم يبدو ارتباطها به خارج سياق مسار حياتها ، إذ لم يأت قدومها إلى لندن، إلاّ عن طريق صدفة محض. قبل سفرها إلى جنوب إسبانيا، بيومين، زار قريبها المقيم في بريطانيا مسقط رأسه، وكانت مصادفة نادرة أخرى أن تكون “نون”، آنذاك، في نفس المدينة، لزيارة أهلها. في اليوم اللاحق، سافر قريبها معها إلى العاصمة، ليحصل لها على تأشيرة دخول إلى بريطانيا. في طريق عودتها من إسبانيا، هبطت بمطار هيثرو. ولم يتبقّ من إجازتها السنوية سوى سبعة أيام. كانت خطتها أن تقضي خمسة أيام في لندن، واليومين الأخيرين مع أهلها.
(4)
ينتاب “كاف” أحيانا شعور غامض بأن تفاصيل حياته سبق له أن عاشها، على سبيل المثال: لحظة استغراقه في حديث مع صديق، يتغلغل هذا الشعور في كيانه، فيبدأ باستحضار ما سيقوله الآخر. كان التطابق بين ما هو متوقع وما هو متحقق يبعث الرهبة في نفسه، لكنه، في الوقت نفسه، يعمق لديه الشعور بلزوجة الحاضر. المستقبل وحده هو الذي يشده؛ الأمل ببدء حياة غير معاشة من قبل. ولعله لهذا السبب ظل طليقا في علاقاته النسائية حتى بلوغه الأربعين. يساعده، في ذلك، تمكنه من العيش بمدينة شديدة الاتساع والتعقيد كلندن. لكن حرية هائلة كهذه تحتاج إلى روحية بيولوجي، قادر على عزل نفسه عاطفيا عن كائناته المتخبطة تحت مجهره. كم فوجئ أصدقاؤه حينما أخبرهم عن نيته بالزواج. مع ذلك أخفى “كاف” عنهم قراره بترك اختيار العروس لأهله القاطنين على بعد آلاف الأميال عنه. اعتقد “كاف” انه حقق وفق زواجه التقليدي “انتحارا حضاريا”: اغتيال الماضي والمستقبل، دفعة واحدة، والتشبث الأعمى بالحاضر.
(5)
أوقفت “نون” سيارتها على حافة الشارع. تطلعت في الخريطة التي خطها مايكل لها. كان عليها أن تستدير يمينا عند التقاطع السابق.
قبل ذهابها إلى المطار بدقائق، رن جرس التلفون في بيت قريبها، الذي كان مستغرقا مع زوجته في شدّ حقائب “نون”، مما جعلهما عاجزَين عن الوصول إليه في الوقت المناسب، لكن الرنين عاد ثانية لحظة إغلاق الباب الخارجي. قال مايكل أثناء شهر العسل: “لم يكن سهلا عليّ الاتصال بك في تلك الساعة المبكرة”. فسألته مستغربة: ” كان بإمكانك المجيء مباشرة إلى المطار دون استئذاني؟” أجابها ضاحكا: “ذلك سيبدو تصرفاً أخرق.” في الطريق إلى المطار، قالت زوجة قريبها مبتهجة: “كنت اعرف أنه غارق في أسركِ، لكن ليس إلى هذه الدرجة.”
خلال أيام إجازتها في لندن، تعرفت “نون” إلى جميع أصدقاء قريبها. بعضهم تطوع لمرافقتها إلى المتاحف والمعارض الفنية، ولم يكن مايكل طرفا في جولاتها، بل ظل، على الأغلب، يتجنب توجيه الحديث لها عند لقائهما في بيت قريبها، كان حريصا على الاستفسار عن أحوال الآخرين ونشاطاتهم، كأنه بأسئلته الودية كان يشجعهم على البدء بالتفاخر بإنجازاتهم. ما جذب “نون” إلى مايكل سعيه إلى تغييب أناه بشكل كامل مقابل لعب دور الصدى للآخرين ، ولعل جهود بعضهم في كسب ود “نون”، عبر التحدث عن أنفسهم، دفعتها اكثر للشعور بالتعاطف معه. في المطار بدا لها، وللحظة، كأنه طفلها الذي أضاعته زمنا طويلاً. قالت مازحة: “هل تريد أن نعقد قراننا الآن؟” وعلى الرغم من عدم تصديقه قال مجاملا: “أتمنى..” أمسكت “نون” بكفه، ثم التفتت إلى مرافقَيها الواقفين على بعد عشرة أمتار عنهما: “لنرجع إلى بيتكما”.
(6)
لم يكن الوقت كافيا لإعطاء الإشارة والاستدارة صوب محطة البترول عند ظهورها إلى شماله، مما دفعه للاستمرار في سياقته. لمح “كاف” شجرة واحدة مفعمة بالزهر الوردي، فخفق قلبه بقوة لذلك التعارض المتجاور: لون الغيوم الكابي ولون الأزهار الصاخب. انتابته رغبة بالتقاط صورة لهذا المشهد، لكن ضيق الرصيف جعل التوقف مستحيلا في ذلك الطريق المكتظ بالسيارات.
كم اصبح التصوير ضروريا له، فعبر اللقطة العابرة كان بإمكانه الاقتراب من
صور أحلامه المبعثرة، وبفضل مختبره اصبح قادرا على مواصلة حياة سرية أخرى، متجاورة مع حياته العائلية. كان يصل أحيانا إلى نتائج تفوق توقعاته عبر التلاعب بالصور السالبة. لكن الصور ما تلبث أن تفقد بريقها في نفسه، لتدفعه إلى السفر، مرة أخرى، برفقة كاميرته، بحثاً عن وجوه جذابة أخرى.
(7)
تساقط المطر بغزارة فوق الزجاج الأمامي، فراحت الماسحتان تتسابقان، بأقصى سرعة، لدفعه جانباً. انتابها شك بأنها أضلت طريقها فتسرب إليها شعور بالندم لرفض عرض مايكل بمرافقتها. كانت رغبتها أن تلتقي بصاحب الغاليري لقاء عمل، خارج دائرة الزوج والأطفال. إذ بعد مشاهدته للصور الملتقطة لنماذج من أعمالها، أبدى رغبته بتنظيم معرض لها. ولم يحدث هذا الاتصال إلاّ بفضل جهود أحد زملاء زوجها الذي كان يعرف صاحب الغاليري.
لم تستطع “نون” العودة إلى هوايتها السابقة، إلاّ بعد ذهاب طفليها إلى المدرسة، وحال عودتهما كانت تغلق باب ورشتها وتستسلم لهما كليا. من وقت إلى آخر، يغمرها، وللحظات، حنين إلى حياتها السابقة: إلى لقاءاتها العاصفة بصديقها الرسام فوق ورق الجرائد، قبل وصول الأصحاب إلى مرسمه.
وكم كانت انتقادات الأب والأقارب تدفعها أكثر فأكثر إلى توسيع مساحة حريتها. شيء واحد ظلت عاجزة عن تحمله: عيون زملائها التي كانت تقرأ وراءها ازدراء وعزلا صامتا لها. لا بدّ أنهم سيجدونها شخصا آخر تماما لو رأوها الآن. قبل عقد قرانها، بيومين اتصلت “نون” بصديقها الرسام لتخبره بقرارها. حبست أنفاسها قليلا قبل رفع سماعة التلفون. وكم كانت على استعداد، للعودة فورا إلى بلدها، لو أنه صرخ فيها احتجاجا، لكنه بدلا عن ذلك صمت قليلا، ليبادر بالسؤال: “وعلاقتنا؟”. قالت “نون” مطمْئِنة: “بالتأكيد ستبقى.” لكنها لم تلتق به إلاّ بمحض الصدفة، بعد أربعة أعوام. هي مع طفلها؛ وهو مع زوجته وطفلتهما.
(8)
حينما تفكر “نون” بصديقها الرسام تكتشف أنه الوحيد الذي تفاعلت معه أخذاً وعطاءً، على الرغم من شعورها العميق بآنية العلاقة.
قال زوجها بعد انفصال جسديهما العاريين: “أراهن أنك ترغبين بطفل” ثم سحب يدها برقة إلى فمه. وفي حفلة عيد ميلاد ابنهما الأول قالت زوجة قريبها: “رمزي يحتاج إلى أخ”، فأجابها مايكل ضاحكا: “بل أخت”. وعند ذهابهما إلى المستشفى لإجراء الفحص، طفح القلق على عينيه الصغيرتين. قالت الطبيبة بعد استفساره المباشر عن جنس الجنين: “على الأكثر بنت”، فانفرجت أساريره، إلاّ أن الشك عاوده: “هل أنتِ متأكدة؟”
خفَّت حدة المطر، لكن عويل الريح المهدد ظل يتسرب إلى سمعها، ليدفعها
للتشبث أكثر فأكثر بمقود سيارتها. تسرب إليها، وللحظة واحدة، شعور غريب ظل يعاودها من وقت إلى آخر. سأطلق عليه الشعور بالانخداع: لعل “نون”، بررت لا شعوريا سلسلة المصادفات التي قادتها للالتقاء بمايكل تبريراً قدرياً، وهذا ما دفعها للإسراع بالارتباط به، لمنح وقوع هذه المصادفات معنى. اكتشفت بعد مرور عام على زواجها أنها تخلت عن حريتها الناقصة مقابل الوقوع في عبودية الشفقة. مع ذلك، لم تراودها قط فكرة الانفصال: هل ذلك يعود إلى تعلق مايكل الأعمى بها؟ إلى موروثها الشرقي؟ إلى الشعور بالقوة؟ أم هو بكل بساطة استيلاء روح الأم فيها على غيرها؟ قالت لأختها مازحة في زيارتها الأخيرة للأهل: “أنا عندي ثلاثة أطفال”. اكتشفت “نون” أنها فقدت حرية أخرى ممنوحة للجميع في بلادها: حرية حركة المشاعر تجاه الآخرين خارج قيود الزمن. كم استغربت من بقائهما في فندق عند زيارة حماتها لأول مرة. قال مايكل مبررا: “صديق أمي مصاب بالنقرس”. وظلت لقاءاتهما بها يحددها عقربا الساعة: في الثالثة ستشرب الشاي مع صديقها، في الخامسة لديها موعد مع الحلاق، وفي العاشرة..
(9)
قرر كل منهما أن يلغي رحلته ويعود إلى بيته: هي مع أحجارها وهو مع كاميرته. وعلى الرغم من عدم معرفتهما ببعضهما اكتنفهما معاً شعور غامض باقتراب وقوع شيء خارق لكليهما.
فوق أحجارها حفرت “نون” نقوشها، فجعلتها تبدو كأنها لقى منتزعة من حضارات شرقية قديمة. كانت تطل أحياناً، وراء ظلال رسومها عينا رجل غامض.
(10)
توقف الصحفي، في تقريره عن الحادث، عند صدفة يقل احتمال وقوعها، حتى عن الفوز باليانصيب: أن يكون القتيلان مولودين في نفس المدينة، وفي نفس اليوم.

شاهد أيضاً

مملكة النمل

من سيصدق منكم حكايتي؟ أعلم أنكم سترددون حال انتهائي منها: “هذيان مجنون”. وانا ينتابني مثلكم، …