الرئيسية / قصص / مدرسة المكارم

مدرسة المكارم

قال هادي بنبرة جادة جعلت آذاننا ترتفع بكل خنوع صوبه، “سأخبركم بسر خطير يقلب حياتكم رأسا على عقب”. لكنه بدلاً من إفشائه لنا، ظل صامتاً، ينقّل بصره بين وجوهنا المغبرَّة، المستعرة بقيظ تموز، متمتعاً بتقلبنا أمامه فوق مجمرة الفضول المتزايد، “هناك شرط واحد عليكم تنفيذه، قبل أن أنطق بحرف واحد” أضاف هادي، مما جعلنا أكثر تحرقا لمعرفة السر الذي لا يعلم أحد به سواه. زحفنا لا إراديا نحوه مضيقين من قطر الدائرة المرسومة بأجسادنا الصغيرة حوله، فتذمر من رائحة عرقنا العطنة. انكمش على نفسه فترة طويلة، إمعانا في تعذيبنا، “عليكم أن تشتروا لي الآن ثلاث زجاجات كوكاكولا مثلجة، إن كنتم تودون سماع السر”.

 

لم يكن “الشرط” الذي وضعه هادي سوى وسيلة للانتقام منا على خياناتنا له، نحن رفاق دربه القدامى، بالتواطؤ (كما ظن) مع خصومه، الذين ابتدعوا له لقبا لا يناسب شخصيته الفذة، إذ انتشرت في زقاقنا قبل أشهر قليلة كنية لحقت باسمه، لا يُعرف مصدرها ولا المغزى الذي تحمله. مع ذلك، فقد تفشت كالوباء في كل أرجاء الحي، وما عاد الناس يذكرون اسمه إلاّ وأرفقوه بلقبه الغريب: هادي “بودرة”*

 

تبادلنا نظرات زائغة، سعياً للهروب من سطوة غموض ذلك السر الساكن وراء باب مطلسم، لا تفتحه سوى ثلاث زجاجات مثلجة، يتطلب شراؤها جمع مصاريف الجيب التي نحصل عليها من أمهاتنا لعدة أيام. إضافة لذلك، كيف يمكن مقاومة رغباتنا بشراء البوظة المحلية، تخفيفا من حدة ظمأ الظهيرة الملتهب كل يوم؟ نهض أحدنا فجأة، فنهضنا خلفه، قال آخر لهادي بانفعال، “احتفظ بالسر لنفسك، نحن لا نريده” فرددنا معه بغضب، “نعم، نحن لا نريده”.

 

تفرقنا عنه، تتبعنا روائح الصابون والدهون الطبية، التي اعتاد هادي استعمالها، منذ غزو “حب الشباب” لوجهه. كم شعرنا بالنفور منه آنذاك، كأنه لم يكن قبل عام واحد فقط فردا منا يقودنا في كل الغزوات، من تسلل إلى البساتين المنتشرة حولنا، وتسلق أشجارها المكتنزة بشتى أنواع الفاكهة، إلى الدخول في حروب ضارية مع صبيان الأحياء المجاورة. اعتدنا أن نثق به، فهو إضافة إلى كونه الأكبر سنا فينا، كان يتميز بشجاعة نادرة وروح مرحة محببة للجميع. ولا بدّ من ذكر روح الابتكار لديه، إذ بفضله تم اكتشاف أسلاك الكهرباء المغلفة بالبلاستيك، فبجدْل تلك الخيوط الملونة مع بعضها قدم لنا، ولأول مرة، قوس قزح في هيئة حزام. ولتوفير المادة الأولية، قادنا هادي في غزوات واسعة على أزقة “الخصوم” لاقتلاع أسلاك تقوية تسلّم موجات الراديو المشدودة إلى سطوح بيوتهم. كانت طلعاتنا تتم في وقت تمتُّع الناس بقيلولة الصيف بعد وجبة الغداء الدسمة.

 

لكن تلك القدرات بدأت تختفي، منذ أن طرأت عليه تغييرات جسدية مفاجئة، من زيادة هائلة في الطول جعلتنا نبدو أقزاما حوله، إلى تخشن نبرات صوته وتضخم عضلات ذراعيه. ما أثار استياءنا أن تلك التحولات لم تجعله أكثر اندفاعا مما كان عليه، بل جعلته شخصا متردد وخجولا، ولم يمض وقت طويل على حاله تلك حتى خرج إلينا ذات مساء حاملا كل ثروته ليقوم بتوزيعها علينا: كيس خرزه الزجاجية الكبير، أحزمته السلكية، مقلاعه الشهير… ولم يطلب أي نقود مقابل تلك القطع الفنية النادرة. أعطتنا نبرة حدثيه الحزينة انطباعا بأنه كان يقوم بتوديعنا توديعا أبدياً، وأنه على وشك الرحيل مع أهله إلى مدينة نائية عنا.

 

وكأن التخلص من كنزه قد سمح له بالتخلص منا دفعة واحدة، نحن المبهورين بمواهبه المتعددة، والمطيعين له دوماً. لكن الله عاقبه شر عقاب على تكبره وغروره، إذ سلب من جسده تلك الحيوية الفياضة وأحل محلها خورا ونحولا، ومن وجهه ذلك التوهج والفرح الساحرين، ليترك بدلا عنهما شحوبا وكآبة بليدة، ثم ألصق ببشرة وجهه دمامل كبيرة لا شفاء منها، فزادت من عزلته وقنوطه. وللانتقام من إهماله لنا رحنا نتصنع الضحك الصاخب كلما خطر أمامنا، أو نتظاهر بالتهامس نكاية به، لكن ذلك لم يدفعه يوما إلى التخاصم معنا، بل أمعن في تجاهله لنا، حتى فاجأنا بحكاية سره المثير.

 

رجع كل منا إلى بيته بعد هبوط الليل وانكسار حدة قيظ تموز، بهبوب نسائم ريح الشمال الندية. أبدت أمي قلقا كبيرا حينما شاهدت وجهي مكتسيا حمرة قرمزية، فطمأنها أبي مرددا، “إنها حرارة الصيف فقط”. ومن سريري بدت النجوم أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل، حيث تخفي كل منها خلف نبضاتها سراً غامضاً. تذكرت ما قاله الأستاذ صبري عن وجود بشر في بعض النجوم يعيشون مثلنا، وعن إمكانية الذهاب إليهم عندما تتطور صناعة الصحون الطائرة في المستقبل، لكنني سافرت إليهم بدون عناء تلك الليلة. أدهشني لون بشرتهم بزرقته المائلة على الخضرة، وبيوتهم الهائلة الكبر، المحاطة بحدائق غنّاء برتقالية اللون. كانوا يعرفون كل شيء عنا، وحينما سألت بعضهم عن السر الذي يخفيه هادي، ضحكوا بتخابث. قال لي أحدهم إنهم عقدوا اتفاقا معه على عدم إفشائه لأي شخص ساكن فوق الأرض، فمضيت أصرخ بهم شاتماً، رافعا قبضتي في وجوههم. استيقظت على بسملات أمي وتعوذاتها وهي ممسكة بذراعيّ المتوترتين. جلب أبي لها طاسة مملوءة بماء، وقطعة من الشاش الأبيض فراحت تغمسها في الماء من وقت إلى آخر، لتفرشها بالتتابع على جبيني وكفيّ وقدميّ.

 

صباحا علمت أن رفاقي كلهم أصيبوا بالأعراض نفسها، فكان لزاما علينا أن نقضي أسبوعا في الفراش. وفي حالات المرض النادرة، كان الأهل يشملوننا بعناية خاصة، تجعلنا نتأسف على سرعة الشفاء. ما أن انسلت الحمى من أجسادنا حتى خرجنا إلى الشارع ملهوفين بحثا عن هادي. إذ توفرت لدينا نقود كافية لتحقيق شرطه. لكنه واجهنا بعينين نصف مغمضتين، وببرود قاتل معلنا عن تغيير طلبه، “أريد علبة سجائر روثمان، كنغ سايز”.

 

لا بدّ أن العطلة الصيفية كانت وراء تعلقنا المجنون بسر هادي، إذ كنا نقضي ساعات النهار متكدسين في الشارع القصير، الذي تمتد على جانبيه بيوتنا، في هيئة قطارين متقابلين، وحينما تتسمر الشمس في سمت السماء، يتحول الإسفلت تحت أقدامنا إلى معجون أسود، والجدران إلى أتون جهنمية، فنظل نهرب من ظل إلى آخر. كأن عطلة الصيف الدراسية عقوبة للجميع؛ للناجحين والراسبين على السواء، مما يجعلنا بعد انقضاء أسابيع قليلة منها متحمسين للرجوع إلى مقاعد الدراسة، حيث تنتظرنا عصي المعلمين وصفعاتهم المتلاحقة.

 

في مدرسة المكارم تعلمنا القراءة والحساب، جمع الكسور العشرية وقسمتها. وفيها علمنا ما جرى للنبي موسى، بعد أن أودعته أمه إلى النهر في قفة صغيرة. لكن والحق يقال، إن مدرستنا التي اعتُبرت من أفضل المراكز التربوية في العاصمة، قد عجزت عن ترويض بذرة الشر الكامنة فينا، رغما عن تكسر مئات العصي فوق أكفنا، إذ ما أن ينتهي الدوام اليومي حتى ننزع عنا أجنحة الملائكة، لنمضي في أعمال الشغب المحببة للنفس، هل هناك كلب يمر أمامنا ولا نرميه بحجارة؟ أو طير يمر فوق رؤوسنا ولا نقذفه بحصى؟ كانت تتقمصنا روح تنين شديد البأس ذي سبعة رؤوس، حال مغادرتنا مبنى المدرسة، مندفعين من دون عوائق في تحقيق بطولات وخوارق لا حصر لها، حتى مجيء السر الذي وضعه هادي أمامنا. كم شعرنا بالعجز عن مقاومة سطوته المتزايدة، أو عن الاهتمام بأي موضوع آخر، لكأنه أصبح جرما يدور في فلك رؤوسنا الصغيرة ليل نهار، وكلما التقينا قفز بيننا حتى لو لم نتبادل كلمة واحدة حوله.

 

لم يأت قرار بيع لعبنا بثمن بخس إلاّ بعد أن فقدت قيمتها لدينا، إذ ما عدنا نفكر فيها، أو حتى نفرشها تحت أبصارنا للمشاهدة فقط، وبالمبلغ الذي جمعناه اشترينا أخيراً علبة السجائر الأجنبية لهادي.

 

بعد العشاء ذهبنا معه إلى الساقية التي كانت تخترق حقول الخضروات المحيطة بمدينتنا، قبل ابتلاع الطابوق والكونكريت لها. جلسنا على حافتها الترابية المرتفعة قليلا عن سطح الأرض، وفي مخيلة كل منا راحت تعوم عشرات الاحتمالات عن طبيعة السر الذي ظل هادي يخفيه عنا وقتا طويلا، هل هو حول اكتشاف طريقة جديدة تجعل الحمام الكرخي يغرد كبلابل العيواضية؟ أم كشف الطريقة التي صنع بها مصباحه السحري من صناديق الورق المقوّى والعدسات المحدبة؟

 

كان نثار الضوء القادم من درب التبّانة وأضواء المدينة كافيا لرؤية تقاسيم السخرية والكآبة فوق وجهه المبقَّع بالحفر المعتمة. عبّ من سيجارته أنفاساً عميقة وعيناه مسلطتان على نقطة مجهولة ساكنة في تلك البساتين النائية المظلمة. فجأة، جاءنا صوته نحاسيا باعثا على القشعريرة، “هل سأل أحدكم يوما أباه كيف جاء إلى هذه الدنيا؟” لم يخطر في بالنا أن يكون لسؤاله علاقة بالسر، فرحنا نبعثر له كل ما زرعه الكبار في رؤوسنا من أكاذيب؛ تمتم طارق، “أبي دعا الله أن يكون له ولد فاستجاب له”. همس قاسم، “خالتي قالت إن أبي قبَّل أمي من جبينها ليلة الزواج فأنبتني الرب في أحشائها”. أردف فاضل، “عمي قال إن الحرارة التي تتولد حينما ينام الزوجان معا في الفراش تختلط بدم الأم، فيتكون الجنين في بطنها بمشيئة الله”.

 

لا بدّ أن وراء قبولنا بشروحات الأهل والأقارب آنذاك فهما بسيطا للنساء يتحدد بوضعهن في خانتين: الأمهات الطاهرات اللواتي لا همّ لهن سوى العناية بالأبناء، ولا جزاء لهنّ في هذا العالم بل في الحياة الأخرى، حيث وضِعت الجنة تحت أقدامهن، ثم هنالك رحاب الغانية ومثيلاتها، اللواتي يقدمن أجسادهن للرجال متعة، لا نعرف شيئا عن طبيعتها، على رغم تحرشنا برحاب كلما صادفناها في الطريق، مرددين كببغاوات دعوات لمضاجعتها، مستعملين تعابير مبتذلة نلوكها بدون إدراك معناها. أحيانا تلتفت إلينا لتقذفنا بسيول من الشتائم، تزيد من تهيجنا، وأحيانا تفتح لنا عباءتها بابتهاج، لنحدق مشدوهين إلى ثوبها الساتان القصير، الفاقع الحمرة، والمزركشة حوافه بشراشب بيضاء. كان عالم رحاب جذابا ومغريا بشكل غامض، لكنه مثير للازدراء، دبق واستفزازي. كأن هنالك عالمين منفصيلن كليا في دواخلنا: عالم النور والنقاء والبراءة ممثَّلا بأمهاتنا ، وعالم الظلمة والفجور والقذارة، ممثَّلا برحاب ورفيقاتها، حيث ينتظرهن بكل تلهّف جلادو جهنم الحمراء في العالم الآخر.

 

مضى هادي يشرح الحقائق بتفاصيلها، مما جعل أسنانا تطقطق لا إراديا ببعضها، ودفع بأجسادنا إلى الاختضاض على الرغم من قيظ تموز. كنا نقاطعه محتجين من حين إلى آخر على أكاذيبه، لكننا في الأخير استسلمنا إلى منطقه الجارف المزود بإثباتات غير قابلة للدحض. كان كل منا آنذاك غارقا بالعرق، مكللا بالعار، خجلا من أمه، حانقا على أبيه. صحت بهادي، في آخر محاولة لإنقاذ صورة الواقع القديمة من الانهيار، “اعطنا دليلا على صحة كلامك” مما دفعه إلى التأوه ضجرا من بلادتي: “أنتم لستم إلاّ دعاميص كبرت أكثر من اللازم…”. مد يده داخل دشداشته البيضاء إلى بقعة مجهولة لنا، ثم راح جسده يهتز باضطراب، وراح “حب الشباب” يتكاثر بشكل مخيف فوق وجهه. فجأة، أخرج قبضة يده من جيبه، ثم بسطها أمامنا، وكم كان مدهشاً أن نشاهد مخلوقات فسفورية عارية تسبح على راحة كفه، استطاع كل منا أن يجد شبيهه وسط ذلك الحشد الهائل الكبير، رغماً عن العتمة الثقيلة، ورغما عن الحمى التي عصفت بنا آنذاك.

 

 

*من كتاب “أحلام الفيديو” 1996، دار الجندي، دمشق

* مسحوق التالك (powder) المستعمل في الماكياج.

شاهد أيضاً

حانة القنطور الذهبي

حينما فتحتُ باب المصعد الكهربائي، قابلني رجل قصير، متين البنية، لم تظهر العتمة منه سوى …