الرئيسية / تراجم / ميلان كونديرا: خيانة الوصايا

ميلان كونديرا: خيانة الوصايا

ارتجالات في تكريم سترافنسكي

 

استدعاء الماضي

في عام 1931، تحدث  شينبرغ في محاضرة اذاعية، عن اساتذته الكبار: في الموقع الاول، باخ وموتسارت، وفي الموقع الثاني، بتهوفن، فاغنر وبرامْز”. في صياغة حكمية دقيقة، مضى شينبرغ في توضيح ما تعلمه من كل واحد من هؤلاء الموسيقيين الخمسة.

 

ما اكتسبته من باخ مختلف تماما عما اكتسبته  من الاخرين: من موتسارت، على سبيل المثال، تعلم “فن الجمل الموسيقية المختلفة الطول” او “فن خلق افكار ثانوية”، وهذا يعني انها خاصية لا يمتلكها احد سوى موتسارت. في موسيقى باخ، اكتشف شينبرغ قواعد التأليف الموسيقى المتبعة في القرون التي سبقت باخ: اولا، “فن ابتكار مجموعة من النوتات بطريقة تجعلها قادرة على تزويد العمل الموسيقي

بعنصر المصاحبة “؛ وثانيا، “فن خلق الشكل الكلي من نواة واحدة”.

 

تختصر هاتان الجملتان الدرس الذي تعلمه شينبرغ من باخ ( ومن الذين سبقوه)، وبالامكان اخذها كوصف لثورة “الاثنتي عشرة نغمة” التي تتعارض مع الموسيقى الكلاسيكية والرومانتيكية، اذ تتميز الاخيرة بتكونها من ثيمات مختلفة تتناوب بانتظام ضمن سيرورة العمل الموسيقي واحدة بعد الاخرى، بينما نجد، في موسيقى باخ، المسماة بالفيوغ (او الفوغا) في التأليف الموسيقي المنشأ على مبدأ الاثنتي عشرة نغمة، ان هناك نواة واحدة ينمو العمل الموسيقي منها، منذ لحظة

البدء وحتى النهاية.

 

بعد مضي ثلاثة وعشرين عاما على تلك المحاضرة، سأل رونالد مانويل، سترافنسكي: “ماهي اهتماماتك الاساسية هذه الايام؟” اجاب الاخير:” غيلوم دو ماشو  Guillaum de Machaut، هينريش اسحاق Heinrich Isaak، دوفاي Dufay، بيروتن Perotin و ويبرن  Webern”. انها المرة الاولى التي يؤكد فيها مؤلف موسيقي، وبشدة، الاهمية الكبيرة التي تحظى بها موسيقى الماضي المنتمية الى القرون الثاني عشر والرابع عشر والخامس عشر، وما لها من اواصر بالموسيقى الحديثة ( الممثلة بموسيقى ويبرن).

 

بعد سنوات قليلة على تلك المقابلة، قدم غلين غولد Glenn Gould حفلة موسيقية في موسكو، لطلاب المعهد الموسيقي؛ بعد عزف  قطع حديثة لويبرن، شينبرغ وكرينيك Krenek، تحدث غولد الى جمهوره، معلقا باختصار: “الاطراء الاكبر الذي استطيع تقديمه لهذه الموسيقى يتحدد بالقول ان قواعد تأليفها ليست جديدة، بل ان عمرها لايقل عن خمسة قرون”؛ بعد ذلك، قام بعزف ثلاث قطع من موسيقى الفيوغ لباخ. كانت تلك الحفلة استفزازا مدروسا بعناية: الواقعية  الاشتراكية، التي كانت انذاك المنهج الرسمي في روسيا، في حالة صراع مع الحداثة، تحت راية  الموسيقى التقليدية؛ غلين غُولد في حفلته تلك وفي تعليقه، حاول ان يثبت بان جذور الموسيقى الحديثة (التي كانت ممنوعة في روسيا) تمتد الى اعمق مما كان يظنه  منظرو موسيقى الواقعية الاشتراكية ( والتي هي ليست سوى تكريس للرومانتيكية في الموسيقى).

 

النصفان المتكاملان

يغطي تاريخ الموسيقى الغربية فترة تقارب  الالف سنة( اذا اخذنا بنظر الاعتبار التجارب الاولى  في تأليف الموسيقى  المتعددة الاصوات polyphony في طورها البدائي). بينما يغطي تاريخ الرواية الاوروبية الاربعة قرون الاخيرة (هذا اذا ادخلنا كتابات رابليه وسرفانتس كنقطة انطلاق)، وعند اجراء المقارنة بين هذين التاريخين، اجدني منجذبا الى فكرة تشابه الايقاع في تطورهما مع شوطي لعبة كرة القدم. لكن فترة الاستراحة بين الشوطين لا تتزامن بالنسبة للتاريخين. في تاريخ الموسيقى تمتد فترة الاستراحة بين الشوطين طويلا لتغطي الجزء الاكبر من القرن الثامن عشر( اوج التطور الموسيقي في النصف الاول متحقق عند باخ في فن الفيوغ fugue، وبداية الشوط الثاني في اعمال الموسيقيين الكلاسيكيين المبكرة)؛ فترة الاستراحة بالنسبة لتاريخ الرواية، جاءت في وقت لاحق قليلا: بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر _ بصيغة اخرى، بين لاكلو Laclos  وستيرن Sterne المنتمية الى نهاية الشوط الاول، وبين والتر سكوت وبلزاك الممثلين لبداية الشوط الثاني. يبين هذا اللاتوافق الزمني بان الاسباب العميقة، التي تتحكم بايقاع تطور تاريخ الفنون، هي ليست اجتماعية او سياسية، بل جمالية: اي محكومة  بالطبيعة الجوهرية  لهذا الفن او ذاك؛ لكأن فن الرواية، على سبيل المثال، يحتوي على طاقتين كامنتين، ليس بالامكان ظهورهما معا بل بفترتين متعاقبتين.

 

حضر لي  مجاز شوطي المباراة قبل فترة قصيرة خلال حوار مع صديق، ولا اعتبره علميا؛ بل هو  بسيط، وناجم عن  ملاحظة اولية لا عن بحث شخصي معمق: فيما يخص الموسيقى والرواية، نحن جميعا قد تربينا وسط جماليات الشوط الثاني. يعتبر اي قدّاس (موسيقي) لاوكينغهم او عمل موسيقي منتم لفن

الفيوغ لباخ، عسيرا على الفهم، مثلما هي الحال مع موسيقى ويبرن. كذلك مع الرواية، فمهما تكن حكاياتها ممتعة، تظل روايات القرن الثامن عشر عسيرة على القراءة، من حيث الشكل، ولم تصبح مقبولة شعبيا الا عبر السينما( بعد تغيير روحيتها وبنائها الفني) اكثر من تقبلها عبر القراءة. على سبيل المثال، من الصعب اليوم العثور على روايات كاتب مشهور ينتمي للنصف الاول مثل صاموئيل ريتشاردسون، في رفوف المكتبات، بينما مازال كاتب تقليدي مثل بلزاك (المنتمي للشوط الثاني) يلقى اقبالا واسعا لسهولة قراءته، اذ ان  الشكل

الفني لرواياته يمكن استيعابه، ومألوف لدى القارئ.

 

تسبب الفجوة القائمة بين العناصر الجمالية لهذين الشوطين، قدرا كبيرا من سوء الفهم. يقدم فلاديمير نابوكوف في كتابه حول سرفانتس، وجهة نظر سلبية واستفزازية ضد رواية “دون كيشوت” التي يرى بانها اكتسبت اهمية اكثر مما تستحقه، اذ هي من وجهة نظره رواية ساذجة، احداثها متكررة، ومملوءة بافعال جد قاسية غير قابلة للتصديق، وهذا ما جعلها الرواية “الاكثر بربرية وحنقا”؛ كم هو مسكين سانشو، في تنقله من هزيمة الى  اخرى، فاقدا اسنانه لخمس مرات على الاقل، نعم، نابوكوف على حق في نقده، اذ يفقد سانشو الكثير من الاسنان، لكننا نحن لسنا في زمن زولا، حيث يتم وصف كل فعل في القسوة، بدقة عالية، مثلما تتميز به الواقعية  الاجتماعية؛ مع سرفانتس نحن في عالم سحري محكوم وفق ارادة الحكواتي الذي لا يكف عن ابتكاره، عبر التضخيم، عبر المبالغة وعبر خيالاته الجامحة. يجب عدم اخذ فقدان سانشو لاسنانه الثلاثمائة حرفيا، او اي حادثة في الرواية مأخذ الجد.

 

يظل عمل سرفانتس العظيم، “دون كيشوت”، حيا بفضل طابعه غير الجدي، ذلك الاسلوب الذي اصبح عسيرا على التقبل، في الشوط الثاني من تاريخ الرواية،

وفق القواعد الجمالية الرومانتيكية التي طالبت بمعقولية العمل الادبي.

 

لم يقم الشوط الثاني  بحجب الشوط الاول،  بل بقمعه؛ الشوط الاول اصبح ممثلا  للوجدان الرديء في الرواية والموسيقى معا. افضل مثال على ذلك موسيقى باخ: كان باخ ممجَّدا اثناء حياته، لكنه نُسي تماما بعد موته، لفترة تقارب نصف القرن؛ الاكتشاف البطيء لباخ جاء في القرن التاسع عشر. بتهوفن وحده استطاع ان يدخل عمل باخ في جماليات الموسيقى الحديثة، كجزء اساسي( محاولاته المتكررة باقحام الفيوغ في سوناتاته)، بينما ابتعد الرومانتيكيون بعد بتهوفن عن باخ

باقصائه عن نظامهم الفكري، على الرغم من التبجيل المتزايد به. فلجعله سهل المنال، جعلوا موسيقاه اكثر عاطفية (سنتيمنتالية) واكثر تمثيلا لذواتهم

(اعمال بوسوني Busoni كمثال على ذلك). وعندما بدأت الموسيقى تنحو للتخلص من تأثير الرومانتيكية، ظهرت الرغبة باعادة تقديم اعمال باخ مثلما كانت تُعزَف في عصره، وكم من هذه التقديمات كانت رديئة. يبدو لي ان موسيقى باخ التي مرت بفترة تجاهل طويلة، مازال الحجاب لم يزح عنها كليا.

 

بروز التاريخ من وسط الضباب

بدلا من مناقشة موضوع نسيان باخ الطويل، بامكاني ان اقلب فكرتي لاجعلها بهذا الشكل: باخ هو اول مؤلف موسيقي عظيم، يستطيع ان يفرض على الجمهور، عبر الوزن الثقيل لعمله، الالتفات الى  موسيقاه، حتى حينما يكون هذا العمل منتميا الى الماضي. ظاهرة لم تحدث من قبل، لان الناس كانوا يعيشون، حتى فترة القرن التاسع عشر، مع موسيقى معاصرة لهم. اذ ليس لديهم اي صلة حية  بموسيقى الماضي: حتى حينما يكون الموسيقيون قد درسوا نتاجات الفترات السابقة (وهذا نادر الحدوث)، فانهم لم يعتادوا على عزفها امام الجمهور. خلال القرن التاسع عشر فقط تم احياء موسيقى الماضي وشُرع بعزفها، جنبا الى جنب، مع الموسيقى المعاصرة، بل لقد اصبح لها حضور جد كبير، الى درجة ان الكفة مالت لصالح موسيقى الماضي في القرن العشرين: الجمهور اليوم يستمع الى الموسيقى القديمة اكثر بكثير من الموسيقى  المعاصرة، وحاليا اختفت الاخيرة من صالات الحفلات الموسيقية.

 

كان باخ اول مؤلف موسيقي، ينجح في احتلال موقع متميز في ذاكرة الاجيال الاخيرة؛ اضافة  لذلك فان اوروبا القرن التاسع عشر لم تكتشف عبر اعماله

جزءاً مهما من موسيقى  الماضي، فحسب، بل هي اكتشفت تاريخ الموسيقى. عبر باخ لم تكتشف اوروبا، فقط، ماضيا معينا للموسيقى، بل بالاحرى،  ماضيا  مختلفا بشكل جذري عن الحاضر؛ لذلك فان العصر الموسيقي قد تم ادراكه فجأة لا كسلسلة من الاعمال بل سلسلة من التغييرات، في كل حقبة تاريخية وفي الجماليات المتغيرة.

 

انا دائما اتخيل باخ في سنة موته، بالضبط في منتصف القرن الثامن عشر، منحنيا

بعينيه المضببتين فوق “فن الفيوغ” ذلك التأليف الموسيقي الذي يتميز باتجاه جمالي معبر عن اكثر ميول باخ في سعيه الى احياء الماضي البعيد،(على الرغم من كثرة الاتجاهات التي اختبرها باخ في حياته).  كان هذا النزوع غريبا عن موسيقيي عصره، الذين تخلوا عن اسلوب تعدد الاصوات polyphony  ليتبنوا، بدلا عنه، اسلوبا بسيطا، وساذجا، بل على حافة الخفة والكسل.

 

تكشف اعمال باخ حقيقة بدأت الاجيال الاخيرة بتناسيها: التاريخ ليس بالضرورة طريقا للارتقاء (صوب الاغنى والاكثر ثقافة)، وبان متطلبات الفن قد تكون متعارضة مع متطلبات لحظة هذه الحداثة او تلك، وبان الجديد (الفريد، غير القابل على التقليد، والذي لم يُقل سابقا) قد يكون قائما ضمن اتجاه لا يراه احد كحالة تقدم. ولا بدّ أن مستقبل الموسيقى الذي كان باخ  قادرا  على التنبؤ به عبر اعمال معاصريه، بدا له شيئا موشكا على الانهيار. في الفترة الاخيرة من عمره، اتجه باخ بشكل استثنائي للتأليف الموسيقي وفق اسلوب تعدد الاصوات البحت polyphony، متجاهلا كليا، الذوق السائد في عصره، اضافة الى تجاهل اعمال ابنائه الموسيقيين ايضا؛ كان ذلك الموقف اشارة تحدي للتاريخ، رفضا مضمرا للمستقبل. باخ: نقطة تقاطع طرق خارقة للعادة للتيارات والقضايا الموسيقية. قبله بمائة عام، كانت هناك نقطة تقاطع طرق اخرى، مشابهة لباخ، ممثلة باعمال مونتفردي Monteverdi : هذه هي ارضية المواجهة بين جماليات متعارضة مع بعضها ( يدعوها مونتفردي بالممارسة الاولى والثانية المستندة الى مبدأ تعدد الاصوات العميق، بينما لدى باخ نجد  التعبير المبرمج  لمبدأ توحد الاصوات monody)، وهكذا تم الانتقال من  النصف الاول الى النصف الثاني.

 

مفترق طرق اخر للاتجاهات التاريخية: موسيقى سترافنسكي. تاريخ الموسيقى المغطي لالف عام، والذي راح يبرز تدريجيا، خلال القرن التاسع عشر، من ضباب النسيان، لكي نراه فجأة  مكشوفا امامنا  عند منتصف القرن العشرين (بعد مرور مائتي عام على وفاة باخ)، وبشكل كامل، مثل صورة منظر طبيعي غارق في ضوء ساطع؛ لحظة فريدة هذه التي جعلت كل تاريخ الموسيقى حاضرا كليا، وتحت متناول اليد (وهذا بفضل البحث التاريخي، الراديو، والتسجيلات)؛ هذا التاريخ اصبح مفتوحا كليا لاختبار معانيه؛ هذه اللحظة التي تحققت فيها اعادة تقييم واسعة جدا  لتاريخ الموسيقى، قد وجدت افضل تجلياتها في موسيقى سترافنسكي.

 

محكمة المشاعر

يقول سترافنسكي في كتابه، “وقائع  حياتي” الصادر عام 1935: “الموسيقى عاجزة عن التعبير عن اي شيء، سواء كان شعورا او سلوكا ما ، او حالة نفسية معينة”. لكن هذا التأكيد ( الذي من المؤكد انه مبالغ به، اذ كيف يمكن للمرء ان ينفي قدرة الموسيقى على اثارة المشاعر؟) تعاد صياغته بشكل متقن وانيق بعد عدة سطور: يقول سترافنسكي، بان علة وجود الموسيقى، لا تكمن في قدرتها على التعبير عن المشاعر. وكم يبدو مثيرا للفضول التعرف على ما سبّبه هذا الرأي من استفزاز.

 

قد تكون القناعة الراسخة، المناقضة لرأي سترافنسكي، والتي ترى بان علة وجود الموسيقى يكمن في كونها تعبر عن المشاعر، موجودة دائما، لكنها لم تصبح سائدة، ومسلّم بصحتها كبديهية، الا في القرن الثامن عشر: جان جاك روسو عبّر عنها ببساطة : مثل كل فن، الموسيقى تقلد العالم الحقيقي ولكن بطريقة معينة: انها ” لاتمثل الاشياء مباشرة بل هي تثير في الروح نفس الانفعالات التي نشعر بها عند رؤية هذه الاشياء.” وهذا يتطلب بنية خاصة للعمل الموسيقي؛ يضيف روسو: ” لا يمكن تأليف الموسيقى الا من هذه العناصر: اللحن او الاغنية، التوافق

(الهارموني) او المصاحبة، الحركة او السرعة الايقاعية (tempo).” هنا علي ان اشدد على تعبير روسو: “الهارموني او المرافقة”، اذ يعني ذلك ان كل شيء هو هامشي، بالمقارنة مع اللحن الذي هو ازلي، بينما الهارموني هي ليست سوى مرافقة، “وليس لها سوى تأثير ضئيل على القلب الانساني.”

 

تثبّت  عقيدة الواقعية الاشتراكية، وجهة النظر هذه بعد مرور قرنين على كتابات روسو حول الموسيقى، ولن يكون رد فعلها على الموسيقى الروسية الا بالقيام بكمّ فمها لمدة نصف  قرن. سيقرَّع مؤلفو الموسيقى  “الشكليون” لاهمالهم اللحن (الميلودي) ( كان المنظّر الاكبر جدانوف منزعجا كثيرا منهم لاستحالة عزف موسيقاهم خارج قاعات الحفلات الموسيقية)، وهذا ما جعله يحثهم على التعبير عن ” كل المشاعر الانسانية” ( استنُكرت  الموسيقى  الحديثة ابتداء من ديبوسيDebussy فصاعدا لفشلها في تحقيق هذا المطلب).

 

تضمن كتاب ثيودور ادورنو “فلسفة الموسيقى الحديثة” الصادر عام 1949،

اقسى واعمق نقد ضد موسيقى سترافنسكي. في هذا الكتاب حوّل ادورنو وضع الموسيقى الى ساحة حرب سياسية:  شينبرغ البطل الايجابي، ممثل التقدم، وسترافنسكي البطل السلبي، ممثل الترميم. اصبح رفض سترافنسكي اعتبار الاعتراف الذاتي (او التعبيرعن المشاعر الانسانية-المترجم-) كعلة وجود الموسيقى، احد العناصر الاساسية في نقد ادورنو؛ “هذا الانفجار المضاد لسيكولوجيا الانسان، هو شكل من اللامبالاة تجاه العالم”. رغبة سترافنسكي بجعل الموسيقى موضوعية هي قبول ضمني بالمجتمع الرأسمالي الذي يسعى الى تحطيم الذاتية لدى الانسان؛ لان “محو الفرد هي ما تحتفل به موسيقى سترافنسكي”، ولاشيء غير ذلك.

 

ارنست انسِرمه Ernest Ansermet موسيقي ومايسترو رائع، وواحد من اوائل مقدمي موسيقى سترافنسكي( وقد وصفه في كتابه “وقائع حياتي” بانه من اكثر الناس اخلاصا له) ، لكنه في الاخير اصبح من اكثر نقاده اللدودين؛ اعتراضاته

على موسيقى سترافنسكي مبدأية،، ومعنية بموضوعة علة وجود الموسيقى raison d`etre، يقول انسِرمه بان ” النشاط العاطفي  المضمر في قلوب الناس هو الذي كان مصدرا للموسيقى”؛ “اللب  الاخلاقي” للموسيقى يكمن في التعبير عن ذلك “النشاط العاطفي”؛ مع سترافنسكي الذي “يرفض توظيف ذاته في فعل التعبير الموسيقي، تكف الموسيقى عن ان تكون تعبيرا جماليا لمبادئ الانسان الاخلاقية”، لذلك، على سبيل المثال، “فان قدّاسه الموسيقي ليس تعبيرا عن قدّاس بل وصفا له، والذي يمكن ان يؤلفه، موسيقيا، رجل غير متدين”  لهذا السبب لايقدم سترافنسكي سوى “صياغة جاهزة للتدين”؛ وبهذه الطريقة يتم تقليص علة وجود الموسيقى

( بالتعويض عما هو عاطفة حقيقية بوصف محايد لها)”.

 

لماذا كل هذا الغضب على سترافنسكي؟ هل هو تراث القرن السابق المتمثل بالرومانتيكية، والذي مازال قائما في دواخلنا، يقارع التيار المناقض له بشكل جذري؟ هل خرق سترافنسكي بعض  الحاجات الوجودية الساكنة في اعماقنا جميعا؟ الحاجة لاعتبار العين المبتلة بالدمع افضل من العين الجافة، او الحاجة لاعتبار اليد الموضوعة على القلب افضل من تلك الموضوعة في الجيب، الاعتقاد افضل من التشكك، العاطفة الفوارة افضل من السكينة، الايمان افضل من المعرفة؟

 

ينتقل انسَرمه من نقد الموسيقى الى نقد مؤلفها: “اذا لم يحاول  سترافنسكي  ان يجعل موسيقاه فعلا تعبيريا عن الذات، فان ذلك لم يكن ناجما عن ارادته الحرة، بل بسبب محدودية طبيعته، وفقدانه للعاطفة (دون التحدث عن فقر في قلبه، ذلك القلب الذي سيظل فقيرا حتى يحب شخصا آخر).

 

اللعنة! اتساءل عما يعرفه انسِرمه، ذلك الصديق الاوفى لسترافنسكي، عن فقر سترافنسكي قلبيا؟ ماذا يعرف ذلك الصديق المتفاني عن قابلية سترافنسكي للحب؟ ومن اين كسب قناعته المطلقة  بان القلب يتفوق اخلاقيا على العقل؟ اليس هناك الكثير من الافعال الاجرامية المرتكبة بمساعدة  القلب؟ وهل بامكان الارهابيين بايديهم الملطخة بالدم الا الافتخار بنشاطهم العاطفي المتسامق الى  اعلى درجاته؟ هل سيكون بامكاننا يوما التخلص من هذا التفتيش العاطفي  البليد في قلوب الآخرين؟

 

ما هو السطحي وما هو العميق؟

يهاجم جنود القلب سترافنسكي، في محاولة لانقاذ موسيقاه عبر فصلها عن افكاره الخاطئة. يحدث هذا السعي النبيل “لانقاذ” موسيقى المبدعين الذين لا قلب لهم، غالبا، مع موسيقيي الشوط  الاول، وبضمنهم باخ:” بعض مؤلفي القرن العشرين الخائفين من تطور اللغة الموسيقية” – والمقصود هنا سترافنسكي ورفضه الالتزام بمدرسة الاثنتي عشرة نغمة- “والذين يظنون بانهم قادرون على تعويض عجزهم عبر ما يدعونه “بالعودة الى باخ” لكنهم على خطأ كبير في فهمهم لموسيقى باخ؛ انهم يمتلكون الوقاحة لتقديمها كموسيقى “موضوعية”، كموسيقى مطلقة بدون اي شيء عدا كونها ذات مغزى موسيقي محض… ليس هناك سوى التقديمات الميكانيكية، التي بامكانها ان تعطي الانطباع بان موسيقى باخ الصرفة (الخالية من الغناء) instrumental music ليست ذاتية ولا تعبيرية.” انا شدّدت على هذه التعابير التي تظهر قدرا كبيرا من العاطفة الانفعالية، والتي كتب وفقها انطوان غوليا.

 

بمحض الصدفة وقع في يدي تعليق لاحد المتخصصين في الموسيقى يدور حول كليمنت جانيكن Clement Janequin، وهو مؤلف موسيقي كبير معاصر لرابليه. تتناول المقالة بعض اعماله الوصفية مثل “غناء الطيور” Le Chant des oiseaux و ثرثرة النساء Le Chaquet des femme؛ هنا نجد سعي الكاتب يصب ايضا باتجاه “انقاذ” هذه الاعمال الموسيقية على حساب مؤلفها: “مع ذلك، تظل هذه القطع الموسيقية سطحية. جانيكن فنان متكامل اكثر بكثير مما هو معترف به من قبل الاخرين، اذ بوضع مواهبه الوصفية جانبا، فان موسيقاه  تكشف عن شعر رقيق، عن شغف عميق للتعبير عن المشاعر… هذا شاعرغامض الدلالة، حساس تجاه جمال الطبيعة، هو ايضا شاعر المرأة الذي لامنافس له، والذي الى اطرائها استطاع ان يجلب نغمات من الحنو،  الاعجاب والتقدير…”

 

انتبهوا الى المعجم اللغوي: قطبا الخير والشر قد حُدّدا بواسطة النعتين “سطحي”، و”عميق”.  لكن هل ان اعمال  جانيكن “الوصفية”، حقا،  سطحية؟ في هذه الاعمال القليلة نقل جانيكن الاصوات غير الموسيقية (اصوات الطيور، احاديث النساء، ضجة الشارع، اصوات الصيد والمعارك، وغيرها) بوسائل موسيقية (غناء الجوقات اوالغناء الكورالي)؛ ذلك “الوصف” نُفِّذ عبر  البوليفوني (مبدأ تعدد الاصوات). وحدة تقليد الاصوات “الطبيعية” (التي زودت جانيكن ببعض الانواع النغمية الجديدة والرائعة) بالبوليفوني المعمق، هذه الوحدة لعنصرين مختلفين

تماما، ساحرة حقا: انه فن انيق، مرح، مبهج، ومملوء بالدعابة. مع ذلك: فهذه هي الكلمات نفسها “انيق”، “مرح”، “مبهج”، التي اطلقتها  الفصاحة العاطفية (السنتمنتالية)  في الضد من مفردة “عميق”. لكن ما هو السطحي وما هو العميق؟ بالنسبة لمنتقد جانيكن ، السطحية هي “موهبة التصوير والوصف”، والعميق هو”الشغف الشديد في التعبير عن المشاعر” الموجه للمرأة بشكل عام. لذلك فان”عميق” وفق هذه الرؤية هو كل ما يمس المشاعر. لكن بالامكان تعريف “العميق” بطريقة اخرى: العميق هو الذي يمس ما هو جوهري. المسألة التي مسها جانيكن في اعماله الموسيقية هي ذات طبيعة انطولوجية خاصة بالموسيقى: مسألة العلاقة بين الضجيج  والصوت الموسيقي.

 

الموسيقى والضجيج     

عندما ابتكر الانسان الصوت الموسيقي(عبر الغناء او عبر العزف على آلة موسيقية)، فانه قسّم العالم الصوتي الى جزئين جد متميزين عن بعضهما: الاول، يضم الاصوات الاصطناعية، والثاني، يضم الاصوات الطبيعية. في موسيقاه، سعى جانيكن الى وضعهما معا. في منتصف القرن السادس عشر، استبق هذا الموسيقي ما سيتم تحقيقه في القرن العشرين، فعلى سبيل المثال، ياناتشيك (دراسته الموسيقية للغة المحكية)، بارتوك Bartok ، او مِسَيان Messiaen وطريقته النظامية المتطرفة (في اعماله المستوحاة من اصوات الطيور).

 

يذكرنا فن جانيكن بوجود عالم صوتي خارج روح الانسان، وهذا العالم لايضم فقط الاصوات الطبيعية  بل الاصوات الانسانية في الكلام والغناء، وهذا يعطي تكوينا موجيا حيا للحياة اليومية ومناسبات الاحتفال العامة. في اعماله يذكّرنا جانيكن بان مؤلف الموسيقى قادر على منحنا شكلا موسيقيا لذلك العالم “الموضوعي”.

 

في عمل ياناتشيك الاكثر اصالة: “السبعون الفا” (1909): النصف الاول منه يُؤدى عبر جوق من الاصوات الرجالية التي تدور حول مصير عمال المناجم السيلسيين Silesian miners. بينما النصف الاخر من  العمل هو انفجار صرخات  منبعثة من الجمهور المحتشد، هذه الصرخات تتشابك معها مكونة جلبة ساحرة: هذا التأليف الموسيقي الذي على الرغم من شحناته العاطفية المدهشة ذات الطابع الدرامي، فانه يقترب بشكل مثير للفضول من المارديجال (وهو تأليف غنائي بوليفوني بدون مصاحبة الالات الموسيقية- المترجم-)، الذي كان في زمن جانيكن، قادرا على ملء شوارع باريس ولندن  بالموسيقى.

 

افكر في سيمفونية سترافنسكي: اعراس Les Noces (التي أُلّفت بين عامي 1914 و 1923): وهي تصوير لحفلة عرس، حيث نسمع الاغاني، الضجيج، الخطابات، الصرخات، الدعوات الحوارات الداخلية والنكات ( هذا المزيج الصاخب من الاصوات التي كانت اعمال ياناتشيك سبّاقة في استخدامه)، مصحوبة بتوزيع موسيقي (اربع الات بيانو وبعض الات القرع) لتخلق صخبا ساحرا ( هذا العمل سيكون تحضيرا لاعمال بارتوك Bartok).

 

افكر ايضا في سويت البيانو لبارتوك : “في الخارج” Out of Doors (1926)، الجزء الرابع: تقترح اصوات الطبيعة (نقيق الضفادع في البركة، كما تبدو لي)

لبارتوك موتيفات لحنية(ميلودية)؛ ثم داخل نغمات الاصوات الحيوانية يقوم بارتوك بمزج اغنية فولكلورية. هنا توضع الاغنية التي هي ابداع انساني في نفس المستوى مع نقيق الضفادع.

 

وافكر كذلك في الاداجيو(الحركة البطيئة) من  كونشرتو البيانو الثالث لبارتوك

(اخر عمل  ينتمي الى الفترة الكئيبة والاخيرة من  حياته في امريكا). الثيمة المفرطة في ذاتيتها: الكآبة الثقيلة  العسيرة على الوصف، تتناوب مع الثيمة المفرطة في موضوعيتها ( وهذه تستدعي دون قصد الجزء الرابع من سويت البيانو “في الخارج”): لكأنما اسى الروح لا يجد له اي سلوان الا في الطبيعة الخالية من الشعور.

 

وما اعنيه بالطبيعة الخالية من الشعور هو العالم خارج الحياة الانسانية؛ انها الابدية:” البحر المسافر مع الشمس” (رامبو). انا اتذكر السنوات التعيسة التي قضيتها في بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا) في السنوات الاولى من الاحتلال السوفياتي. كم شعرت بالانجذاب لاعمال فاريس Varese واكزيناكيس Xenakis : كانت تلك الرسوم لعوالم الصوت التي هي موضوعية لكنها خالية من الشعور، قادرة على التحدث معي حول حياة متحررة من الذاتية الانسانية، متحررة مما هو عدواني وشاق؛ انها تتحدث عن الجمال الرائق للعالم غير الانساني قبل وبعد

دخول الجنس البشري اليه.

 

اللحن (الميلودي)

استمعت مؤخرا في باريس الى اغنية بوليفونية، اداها مغنيان، من مدرسة

نوتردام  المنشأة في القرن الثاني عشر: في طبقة القرار، هناك اغنية غريغوريةGregorian  (تنتمي الى فترة مجهولة، وربما الى ماض غيراوروبي) تردد لحنا ثابتا في طبقة صوتية متنامية، وفوقها، وفي قيمة زمنية اقصر، يتجلى

لحن المصاحبة البوليفونية. هنا يتم تناغم لحنين ينتميان الى حقبتين تاريخيتين تفصلهما عدة قرون، وفي هذه الاغنية هناك شيء شديد الروعة: مثل الواقع الحقيقي وصورته الرمزية في آن واحد، هنا نجد ميلاد الموسيقى الغربية  كفن متميز: لحن ينمو متطابقا counterpoint مع لحن آخر، جد قديم ومجهول الاصل؛ لذلك فاللحن الجديد موجود هنا كشيء ثانوي وتابع، انه هنا ليخدم؛ مع ذلك، وعلى الرغم من موقعه الثانوي، فانه هو الذي يجلب معه كل ابداع موسيقي القرون الوسطى، بينما يكون اللحن المصاحب مأخوذا من صندوق القطع الاثرية القديمة، ليسُتخدَم بدون اجراء اي تغيير عليه.

 

كم ابهجني هذا التأليف البوليفوني القديم: اللحن الجديد يؤدى بطبقة الجواب، وبكون طويلا، ومتواصلا ولا يمكن للمتلقي حفظه؛ انه ليس ثمرة الهام مفاجئ، وهو لا يتدفق كتعبير مباشر لحالة ذهنية  معينة؛ اذ فيه يمكن تلمس اتقان ذلك الحرفي الماهر  وزخرفاته الجميلة، انه عمل انجز لا لكي  يفتح الفنان عبره روحه، بل لكي يسمح له، وبكل تواضع، القيام بتزيين قدّاس ما.

 

وحسب اعتقادي، فان فن الميلودي (اللحن) قد حافظ على  خصائص البوليفوني المبكرة التي وضعها الموسيقيون القدامى. استمع الى اداجيو باخ من  كونشرتو

الكمان مي الكبير((E Major: مثل تأدية لحن ثابت في اغنية، تقوم آلات، طبقة

القرار، الموسيقية بعزف ثيمة بسيطة، سهلة الحفظ ويتكرر عزفها مرات كثيرة، بينما يرتفع اللحن الذي يعزفه الكمان الى اعلى، مختلفا كليا عن لحن الاوركسترا الثابت، اذ يكون اطول، اغنى، واكثر تنوعا من الآخر (على الرغم من انه لحن تابع للحن الاوركسترا)، واذا كان اللحن الذي ينقله الكمان جميلا وساحرا، فانه من جانب آخرعسير على القبض، وغير قابل على  الحفظ.

 

لكن هذا الوضع تغير  مع بروز  العصر الكلاسيكي، اذ فقد التأليف الموسيقى، في

هذه الفترة، طبيعته البوليفونية: في الضخامة الصوتية الكبيرة التي نجمت عن هارمونيات المصاحبة الموسيقية، اختفت الاصوات الفردية المتنوعة، وهذا الاختفاء تزايد في الشوط الثاني مع ابتكار الاوركسترا السيمفونية ومع ظهور

ضخامة صوتها؛ وهكذا اصبح اللحن، الذي كان في الفترات السابقة  ثانويا وتابعا، النقطة الرئيسية في التأليف الموسيقي، واصبح العنصر المتحكم في البناء الموسيقي.

 

كذلك هو  الحال مع اللحن الذي تغير في هذه المرحلة ايضا، اذ ما عادت هناك ثيمة متكررة، من وقت الى آخر، في كل المقطوعة الموسيقية، بل بالامكان اختزالها الى عدة وحدات قياس زمنية measures. هنا اصبحت العبارة  الموسيقية  تعبيرية  ومكثفة، وبالامكان حفظها بسهولة، وهذا ما جعلها قادرة على ان تثير لدى المتلقي شعورا مباشرا ( اكثر من اي عصر سابق، قامت الموسيقى باداء مهمة دلالاتية: للقبض على العواطف والتعبير عنها موسيقيا). لهذا السبب يستخدم الجمهور المهتم بالموسيقى  تعبير “الملحن الكبير” لوصف المؤلفين الموسيقيين الكبار مثل موتسارت وشوبان، ونادرا ما يُطلَق هذا الوصف على باخ وفيفالدي، وهذا ناجم عن التصور الخاطئ بان جماليات الموسيقى الكلاسيكية هي التي صاغت اللحن الجميل.

 

مع ذلك، فانه من الخطأ اعتبار باخ اقل لحنية من موتسارت، بل يمكن القول ان لحنه  مختلف. الثيمة الشهيرة في فن الفيوغ:

 

 الرجاء وضع الصورة رقم1

 

 

كانت النواة التي منها أُبدع كل شيء؛ لكن هذه ليست الكنز اللحني لفن الفيوغ؛ بل يكمن الكنز الحقيقي في كل تلك الالحان التي تبرز من هذه الثيمة وتشكل مصاحبة موسيقية لها.

 

انا احب كثيرا توزيع هيرمان شيرشين Hermann  Scherchen الاوركسترالي

وترجماته لاعمال باخ؛ فعلى سبيل المثال، قطعة الفيوغ الرابعة: قام بتوزيعها بنصف السرعة الايقاعية المألوفة (لم يوصِ باخ بسرعة معينة)؛ فجأة، ووفق تلك السرعة، برز جمالها اللحني المدهش. ما اسمعه هو اللحن الاصلي للشوط الاول من تاريخ الموسيقى، بمراوغته، بصعوبة حفظه، باستحالة اختصاره الى عبارة موسيقية قصيرة. يسحرني هذا اللحن (المتكون من الحان متداخلة  ببعضها) بصفائه العسير على الوصف. ويستحيل الانصات اليه بدون ان يثير في النفس عاطفة كبيرة. لكنها عاطفة مختلفة  جوهريا عن تلك المستحثة من قطع شوبان الليلية nocturne.

 

وكأن وراء فن بناء  اللحن يكمن مسعيان متعارضان مع بعضهما بشكل جذري:

فلحن الفيوغ  لباخ، يجذبنا الى تأمل جمال الكائن الموجود خارج  ما هو ذاتي،

ويجعلنا ننسى مزاجنا، عواطفنا، الامنا، انفسنا؛ ، من ناحية اخرى، يسعى اللحن الرومانتيكي لجعلنا نغوص في ذواتنا، ان نشعر بما هو نفسي بدرجة جد مكثفة، وننسى كل شيء خارج ذواتنا.

 

 الاعمال العظيمة المعاصرة

 كرد  اعتبار للشوط  الاول

الروائيون الكبار لحقبة ما بعد بروست ــ يستحضر ذهني كافكا، موزيل Musil، بروك  Brochوغومبروفتش Gomrowicz،  ومن جيلي: فونتس ــ جد حساسين الى البعد الجمالي المنسي في الرواية، والذي كان قائما فيها قبل القرن التاسع عشر، اذ قام هؤلاء الكتّاب باعادة دمج المقالات التأملية في الرواية؛ وجعل البناء الروائي اكثر حرية؛ استرجعوا حق الاستطراد؛ بثوا روح اللاجدية واللعب في الرواية؛ نبذوا دوغما الواقعية النفسية عبر خلق شخصيات لا تسعى الى التنافس (مثل بلزاك) مع الحالة المدنية ــ مع سجل النفوس (في دقة معلوماته -المترجم-) ، وقبل كل شيء: رفضوا اعطاء القارئ اي ايهام بان ما يقرأه  حقيقي، اذ كان هذا المبدأ شرطا جوهريا للرواية في الشوط الثاني.

 

يجب التأكيد هنا بان رد الاعتبار لمبادئ  الكتابة الروائية المنتمية للشوط الاول، لايعني العودة الى الاسلوب القديم؛ كذلك لايعني الرفض الساذج لرواية القرن التاسع عشر؛ الهدف من اعادة رد الاعتبار للشوط الاول هو  اعادة تعريف وتوسيع جوهر الرواية؛ مقاومة تقليص اطارها الذي بنيت عليه جماليات الفن الروائي في القرن التاسع عشر، وجعل تاريخ  الرواية  كله  مادة للاستثمار.

 

انا لا اسعى  الى اقامة اي تواز بين الرواية والموسيقى، اذ ان المسائل البنيوية لهذين الفنين غير قابلة للمقارنة، لكن الاوضاع التاريخية لكليهما متشابهة: مثلما قام به الروائيون الكبار في هذا القرن، كان الموسيقيان الكبيران سترافنسكي وشينبرغ عازمين ايضا على دمج كل العصور الموسيقية ببعضها، لاعادة التفكير واعادة خلق سلّم القيم لكل تاريخ الموسيقى، وللقيام بذلك، كان عليهما اخراج الموسيقى من المأزق الذي وصلت اليه في الشوط الثاني ( بهذه المناسبة: صيغة الكلاسيكية الحديثة التي تنعت بها موسيقى سترافنسكي مضللة، لان رحلته داخل تاريخ الموسيقى اوصلته الى فترات سابقة على الكلاسيكية بكثير)؛ من هنا جاء رفضهما لبعض القناعات السائدة التي ترى ان تقنيات التأليف الموسيقي بدأت مع السوناتا؛ او ان اللحن هو المتفوق على اي شكل موسيقي؛ كذلك من موقفهما المتشابه، جاء رفضهما للفكرة السائدة التي تعتبر ان سبب وجود الموسيقى هو للتعبير، فقط، عن الحياة العاطفية. هذا السلوك اصبح ضرورة في القرن التاسع عشر، مثلما هي الحال في رواية القرن التاسع عشر، حينما اصبح شرط المعقولية قانونا ثابتا.

 

اذا كان الميل الى اعادة قراءة  تقييم كل تاريخ الموسيقى هو ممارسة شائعة بين  الموسيقيين المعاصرين الكبار، فان الموسيقي الذي عبّر عن ذلك بشكل اوضح من غيره هو سترافنسكي.  والشيء الطريف ان هذا الالتزام نفسه هو موضع انتقاص بعض نقاد سترافنسكي، اذ اعتبروا سعيه لتجذير نفسه بتاريخ الموسيقى، ميلا لروح الانتقاء عنده، فقدانا للاصالة، وفشلا في القدرة على  الابداع الذاتي. يقول أنسرمت عن سترافنسكي: “يبلغ التنوع الهائل في اساليبه نقطة يفقد فيها الموسيقي اي اسلوب خاص به”، في حين يقول أدورنو مستهزئا: “موسيقى سترافنسكي مستلهمة من الموسيقى فقط، انها موسيقى حول الموسيقى.”

 

احكام مجحفة: متميزاً عن جميع مؤلفي الموسيقى الذين جاؤوا قبله او بعده، ظل سترافنسكي دؤوبا على اكتساب الالهام من تاريخ  الموسيقى كله، وهذا لا يقلل من اصالته في هذا الفن. وانا لا اعني، فقط، ان السمات الفنية الخاصة به  موجودة في اعماله المنتمية الى  اساليب مختلفة، بل ما اعنيه هو تسكعه الطويل في تاريخ الموسيقى – رؤيته الواعية، ذات الاهداف الواضحة، الانتقائية،  والمختلفة عن الجميع –  وهذه هي اصالته غير القابلة للمقارنة مع اي موسيقي آخر.

 

الفترة الثالثة(او الوقت الاضافي)

لكن ما هو المغزى من تصميم سترافنسكي على احتواء الموسيقى الغربية، المنتجة عبر جميع العصور، في اعماله؟ ما الجدوى من ذلك؟

لو طرح علي هذا السؤال في فترة الشباب، لاجبت دون اي تردد: بالنسبة لي ، سترافنسكي، هو واحد من اولئك الوجوه الذين فتحوا الابواب على مسافات لا متناهية. كنت ارى بان ما كان يسعى اليه هو استدعاء وتحشيد كل القوى والوسائل المتوفرة لدى تاريخ الموسيقى، لتوظيفها في رحلة ابدية يطلق عليها “الفن الحديث”.

 

لكنني منذ فترة طويلة، فقدت هذه القناعة، التي ترى بان الفن الحديث رحلة ابدية، بل هي قصيرة، لذلك فوفق تمثيلي  لتاريخ الموسيقى بشوطي مباراة، بامكاني تخيل  الموسيقى الحديثة افتراضا، خاتمة لتاريخ الموسيقى، احتفالا يشير الى نهاية المغامرة، سماء متوهجة في نهاية نهار.

 

الان انا اتردد في دعم هذه الفكرة، اذ على الرغم من قصر فترة الموسيقى الحديثة التي لم تتجاوز سوى جيل او جيلين، وكانت حقا خاتمة، لكنها مع ذلك تستحق ان تعتبر عصرا قائما بذاته، لما تحتويه من جمال هائل، لما لها من اهمية فنية، لما قدمته من مبادئ جمالية جديدة تماما. لكل ذلك، اليس صائبا ان يُعتبر عمرها شوطا ثالثا او وقتا اضافيا للمباراة؟ اليس من الضروري اعادة النظر في مجاز شوطي المباراة لتاريخي الموسيقى والرواية؟ اليس ضروريا القول بان هذين التاريخين قد وقعا في ثلاث فترات؟

 

نعم، انا على استعداد كامل لاعادة النظر بمجازي، اذ انني جد مشدود عاطفيا،  لهذه الفترة الثالثة، هذه “السماء المتوهجة بعد نهاية النهار”، مشدود لهذه الفترة التي اعتبر نفسي جزءاً منها، حتى مع حقيقة كوني جزءاً من شيء قد انتهى.

 

لكن للعودة الى سؤالي: ما هو المغزى الكامن في تصميم سترافنسكي على احتضان كل تاريخ الموسيقى؟ ما الجدوى من ذلك؟

 

فكرة تطاردني: حسب احدى القناعات الشعبية السائدة، يرى  المرء حياته كلها امامه، لحظة موته. في عمل سترافنسكي، تستدعي الموسيقى الاوروبية تاريخها الممتد لالف عام؛ هذا هو حلمها الاخير قبل ان تمضي في رقاد ازلي خال من الاحلام.

 

 اعادة بناء  مرحة

دعونا نوضح مسألتين، الاولى: النزوع العام  لصيانة القواعد المنسية لموسيقى الماضي، هذا النزوع قائم في كل اعمال سترافنسكي ومعاصريه على حد سواء؛

والثانية: الحوار المباشر الذي اقامه سترافنسكي مع تشايكوفسكي، ثم مع بيرغوليسي Pergolesi، ثم مع جيسوالدو Gesualdo ، وآخرين غيرهم؛ هذه “الحوارات المباشرة” التي هي اعادات بناء لاعمال قديمة، باساليب مختلفة، ممارسة نجدها لدى سترافنسكي فقط، من دون مؤلفي الموسيقى المعاصرين له (نجدها لدى بيكاسو).

 

اعتبر أدورنو اعادات بناء سترافنسكي، نشازا للهارموني (التوافق). على سبيل المثال، في عمله بولسينيللا Pulcinella تصبح النوتات المعاد بناؤها :”علامات للعنف الذي يوجهه المؤلف ضد اللحن، ونحن لا نتذوق الا ذلك العنف، ذلك التكسير، ذلك التجاوز، على الحياة الموسيقية. مع ذلك فان النشاز الذي قد يكون وجوده، في الاصل، تعبيرا  عن المعاناة الذاتية، يتحول بسبب خشونة الاصوات الى رمز للكبح الاجتماعي. لا تمتلك اعماله الموسيقية شيئا سوى شعار لهذا الكبح، الذي هو ضرورة خارجية للفرد، والتي لا يجد الموسيقي فيها سوى كونها مفروضة من الخارج. ربما سيكون لاعمال  سترافنسكي الموسيقية، تأثير واسع،  وذلك بسبب قدرتها على تدريب الناس على شيء قد يرتد عليهم بشكل نظامي

ليلحق الاذى بهم، على مستوى سياسي”.

 

دعونا نلخص ما ذكره خصم سترافنسكي: النشاز في الموسيقى مبرر له اذا كان يعبر عن “المعاناة الشخصية”، لكن لدى سترافنسكي ( الذي هو مذنب اخلاقيا، للامتناع دائما عن جعل معاناته موضوعا للحديث او المناقشة) ذلك النشاز هو تعبير عن القسوة؛ مقارنة اقترحها أدورنو، مع القسوة السياسية: لذلك فان اوتار النشاز المضافة الى موسيقى بيرغوليسي، تستبق القمع السياسي القادم وتهيئ له

(والتي هي ضمن سياق تاريخي محدد لا يعني الا شيئا واحدا: الفاشية).

 

انا لدي تجربة في ميدان اعادة البناء الحرة من عمل ينتمي الى  الماضي. حدث ذلك في السبعينات حينما كنت مقيما في براغ. انا شرعت بكتابة تنويعات للمسرح مستندة على رواية ديدرو “جاك القدري” Jacques le Fatalist. بالنسبة لي  ديدرو هو التجسيد للعقل النقدي، المتزن والحر، وقد جربت حبي له كتعبير عن شغفي بالغرب، في ايام الاحتلال الروسي. لكن معنى الاشياء يظل في تغير مستمر: اليوم انا ارى ديدرو تجسيدا للشوط الاول من تاريخ فن الرواية، وانذاك المسرحية التي كتبتها تعبر عن الاحتفال بعدة مبادئ معروفة بشكل جيد من قبل الروائيين القريبين الي: (1) حرية التأليف المشحون بالغبطة الكبيرة؛ (2) الربط المستمر بين القصص المتهتكة والتأملات الفلسفية؛ (3) الطبيعة الصادمة،  الساخرة، اللاجدية والهزلية لهذه التأملات. كانت قواعد اللعبة واضحة: لم اسع الى تكييف رواية ديدرو الى المسرح، بل كتابة مسرحيتي، باستخدام اسلوب

التنويعات variation (اخذ لحن معروف وتأليف قطعة موسيقية مبنية على ذلك اللحن باضافات لحنية جديدة -المترجم) على  رواية ديدرو، وهذا تعبير عن تكريمي لديدرو: انا اعدت كتابة كل روايته؛ قصص الحب اخذت منه، لكن الافكار الموجودة في الحوار هي لي؛ يستطيع اي شخص بسهولة قراءة السطور التي هي بعيدة عن افكار ديدرو؛ كان القرن الثامن عشر قرنا متفائلا، بينما عصري هو بالعكس، وانا شخصيا اقل تفاؤلا ايضا، وفي مسرحيتي “الاستاذ وجاك” تنغمر الشخصيات في ممارسات مفرطة في سوداويتها، وغريبة كثيرا عن عصر التنوير.

 

بعد تجربتي الصغيرة في مجال “اعادة البناء” الادبية، استطيع فقط اعتبار،

وجهات النظر التي تصم سترافنسكي بالوحشية والعنف، غبية. في عمله

“بولسينيللا” احب سترافنسكي استاذه القديم باخ، مثل حبي لاستاذي القديم ديدرو. قد يكون هدف سترافنسكي  من اضافة نشاز القرن العشرين الى ميلوديات (الحان) القرن الثامن عشر، خياليا بحتا: اثارة فضول استاذه  للخروج عن موسيقى عصره، او حتى امتاعه، والتحدث معه. كانت “اعادة البناء” المرحة للاعمال الموسيقية القديمة بالنسبة لسترافنسكي وسيلة للتحاور بين العصور.

 

“اعادة البناء” المرحة وفق كافكا

تثير رواية كافكا “اميركا” الفضول حقا، ما الذي دفع هذا الكاتب الشاب، البالغ من العمر تسعة وعشرين عاما، الى اختيار قارة لم يزرها قط، مكانا لاحداث روايته الاولى؟ هذا الاختيار يقف وراءه سعي واضح: اقصاء الواقعية عن كتابته؛ واكثر من ذلك: الابتعاد عن كتابة عمل جدي. بل هو لم يحاول  ان يغطي جهله باميركا عبر البحث، اذ انه ابتكر فكرة الرواية من قراءات غير معمقة، من كتب منتجة للاستهلاك العام، ولن تكون صورة اميركا في الرواية، الا تركيبا لكليشهات سائدة، وان مصدر الالهام في بناء الشخصيات وخطة الرواية ( مثلما اقر في يومياته) كان ديكنز، خصوصا روايته “دافيد كوبرْفيلد” (يصف كافكا الفصل الاول من روايته أميركا بانه “تقليد محض لديكنز”)، اذ ينتقي مجموعة موتيفات  motifs معينة من رواية ديكنز (ثم يدرجها في قائمة: “قصة صندوق السفر الكبير، الطفل الذي يبهج ويفتن الجميع، العمل الممتهن، المعشوقة المقيمة  في البيت الريفي، الاحياء السكنية القذرة”)، بعد ذلك سيرسم فوق الشخصيات خطوطه ( كارل هو محاكاة ساخرة وودية لدافيد كوبرفيلد) وخصوصا في صياغة المناخ، الذي تتمتع به كل روايات ديكنز: العاطفية الشديدة sentimentality، التمييز الساذج بين الشخصيات الطيبة والشريرة. يعتبر أدورنو  اعمال سترافنسكي “موسيقى حول الموسيقى”؛ رواية كافكا “اميركا” هي “ادب حول الادب”، وضمن جنس الرواية هي ايضا عمل كلاسيكي اصيل.

 

الصفحة الاولى من الرواية: في ميناء نيويورك، تذكر كارل لحظة مغادرته الباخرة، بانه قد نسي مظلته في الطابق السفلي. ولكي يمضي فيسترجعها،  تصرف بطريقة ساذجة خارجة عن نطاق المألوف، اذ ترك صندوق امتعته مع شخص غريب؛ وهذا ما ادى اخيرا الى فقدان صندوقه، الذي يحتوي كل ما

يمتلكه، اضافة الى فقدان مظلته. من السطور الاولى، تبدأ روح المحاكاة الساخرة  بتوليد  عالم خيالي، حيث لا شيء فيه معقول تماما، وحيث كل شيء مضحك قليلا.

 

لا تزيد “قصر” كافكا غير الموجودة على اية خارطة، وهميةً عن “اميركا” المنظور لها كصورة كليشيّة، للمدنية الحديثة الناجمة عن الضخامة والماكنة. في بيت خاله السيناتور، يشاهد كارل مكتبا في هيئة ماكنة معقدة بشكل خارق للمألوف، ذا مائة جرار مربوط بمائة زر كهربائي، شيء عملي، لكنه في الوقت نفسه، لا يصلح لاي شيء، اعجوبة تقنية، لكنه في الوقت نفسه، بلا معنى. وقد استطعت ان اكتشف عشرة اختراعات من هذا النوع في الرواية، كلها شيقة، وممتعة، ولا معقولة. اضافة لمكتب الخال، هناك القصر الشبيه بمتاهة “الفندق الغربي” ( بمعماره المعقد المخيف، وبادارته البيروقراطية ذات الطابع الشيطاني)، ثم هناك مسرح اوكلاهوما العملاق، بادارته العسيرة على الفهم. هكذا باللعب عبر المحاكاة الساخرة (اللعب بالكليشهات) استطاع كافكا ان يعرض ثيمته الكبرى لاول مرة، وهذه هي حول متاهة المنظمة الاجتماعية، حيث يضيّع الفرد وسطها طريقه، ليمضي من بعد صوب الدمار. (التحدث وراثيا: الطابع الآلي  المضحك لمكتب الخال هو سلف الجهاز الاداري المرعب في رواية “القلعة” .) استطاع كافكا ان يقبض على هذه الثيمة، بالرغم من جديتها وواقعيتها،  لا بوسائل الرواية الواقعية، المتجسدة في كتابات زولا الاجتماعية، بل فقط بالوسائل الشديدة العبث، الداخلة ضمن قائمة “أدب حول الادب”، والتي منحت مخيلته كل الحرية المطلوبة (الحرية في المبالغة والتضخيم، في خلق غير المحتمل، الحرية في الابداع المرح).

 

 

 

 

 

قسوة القلب المقنّعة

باسلوب مترع بالمشاعر

في رواية “اميركا” هناك الكثير من الايماءات العاطفية المبالغ بها، وغير المبرر لها. نهاية الفصل الاول: كارل على وشك الذهاب مع خاله، بينما يبقى الوقّاد،

متروكا في كابينة قبطان الباخرة. لكن كارل وبشكل مفاجئ “اتجه الى الوقّاد، ليسحب يده اليمنى من حزامه، ويمسكها بلطف…حرك كارل اصابعه  بين يد الوقاد، دفعا وجذبا، بينما راح الوقاد ينظر حوله بعينين مشرقتين، لكأنه بورك بسعادة كبيرة، لكن لا احد يستطيع ان يحسده عليها.

 

“الان، عليك ان تكون متهيئا للدفاع عن نفسك، اجب بنعم او لا، لان هؤلاء الناس لن يعرفوا اي شيء عن الحقيقة. يجب ان تعدني بتنفيذ ما اطلبه منك، لانني خائف، ولدي اسباب وجيهة لذلك، تجعلني عاجزا عن تقديم اي مساعدة اضافية لك.” ثم انفجر كارل بالبكاء، مضى يقبل يد الوقاد المتخددة، واضعا اياها فوق خده ككنز على وشك التخلي عنه. لكن انذاك كان خاله السيناتور يقف جنبه، وبقسر جد خفيف استطاع ان يقتاد كارل معه خارج الكابينة”.

 

مثال آخر: عند انتهاء الامسية في بيت بوليوندر الريفي، شرح كارل باستطالة سبب رغبته بالعودة الى بيت خاله.” خلال ذلك الخطاب الطويل، كان السيد بوليوندر يستمع غالبا باهتمام كبير، خصوصا عندما يُذكر اسم الخال جاكوب… ساحبا كارل اليه.

 

ليست الايماءات العاطفية (السنتمنتالية) لهذه الشخصيات مبالغ فيها فحسب، بل هي غير مناسبة. لم تمض سوى ساعة على تعرف كارل بالوقّاد، ولا يوجد اي سبب يجعله متعلقا به بشدة. وحتى اذا افترضنا ان الشاب الصغير قد شغف، وبشكل ساذج، بفكرة اقامة صداقة مع الاخر، فاننا سنندهش الى ردود فعله بعد برهة قصيرة، حينما ترك خاله يقوده بعيدا عن الصديق الجديد دون اية مقاومة.

 

في ذلك المشهد المسائي، كان بوليوندر عارفا تماما بان الخال قد طرد كارل من بيته؛ وهذا هو السبب الذي جعله يحتضن  كارل. مع ذلك، وعندما يقرأ كارل رسالة خاله التي تعلمه بمصيره المحزن، بحضور بوليوندر، فان الآخر لا يعرض له اي مساعدة.

 

في رواية كافكا “اميركا”، نحن نجد انفسنا في عالم، تكون فيه المشاعر غير مناسبة، غير مناسبة للّحظة الآنية، مبالغا فيها، ولايدرك كنهها، او -بالعكس- مفقودة بشكل مثير للضحك. في يومياته، وصف كافكا روايات ديكنز بهذه الكلمات: “الاسلوب الجياش بالمشاعر يخفي وراءه قلبا قاسيا”.  وهذا هو ما تريد ان تطرحه رواية كافكا؛ العرض المسرحي للمشاعر الفياضة التي لن تمر سوى فترة قصيرة على ظهورها حتى تختفي تماما. ليس هذا النقد للسنتمنتالية (بطريقة ضمنية، ساخرة، لكنها خالية تماما من اي عدوانية) موجها لديكنز فقط، بل لكل الرومانتيكية، ولورثتها، معاصري كافكا، وخصوصا التعبيريين، وولعهم الشديد بالهستيريا والجنون. يجمع هذا الموقف  كافكا بسترافنسكي على الرغم من الفوارق الكبيرة بينهما.

 

 

 

الصبي في حالة “انخطاف” Ecstasy

بالتأكيد، لايستطيع المرء القول ان الموسيقى (اي موسيقى) غير قادرة على التعبير عن المشاعر؛ موسيقى المرحلة الرومانتيكية تعبيرية بشكل اصيل؛ لكن حتى مع تلك الموسيقى، يمكن القول بان قيمة هذه الموسيقى لا يتحدد باي شكل من الاشكال بما تثيره من مشاعر لدى المتلقي. لان الموسيقى قادرة على اثارة المشاعر حتى حينما تكون متجردة من اي فن موسيقي. استرجع طفولتي: جالسا امام البيانو، اقوم بدفع نفسي الى ارتجالات عاطفية، والتي لا احتاج لتحقيقها سوى ائتلاف سلّم دو صغير وفا مينوري، ساقوم بتكرار عزف شديد القوة دون  تحديد.

مزج المركبين وتكرار اللحن الاولي، بدون حدود، جعلني اختبر انفعالا اكثر كثافة مما كان شوبان او بيتهوفن يقدمانه لي. (ذات مرة قام ابي الموسيقي، تحت وطأة غضب لم ار مثيلا له طيلة حياتي، برفعي عن البيانو، ووضعي تحت مائدة الطعام).

 

ما كنت اعيشه في اثناء تلك الارتجالات هو حالة الانخطاف. ما هو الانخطاف ecstasy؟ الصبي يشعر بالحماس اثناء ضربه العنيف على مفاتيح البيانو( سواء كان هذا الحماس جذلا او اسى)، والانفعال  يرتفع الى درجة عالية من الكثافة يصبح تحمله مستحيلا: الطفل يدخل حالة العمى والصمم حيث يصبح كل شيء منسيا، حتى الفرد نفسه. خلال الانخطاف، الانفعال يبلغ قمته، وكذلك يصل في الوقت نفسه الى نقيض الانفعال وهذا هو الذهول.

 

 

يعني الانخطاف ecstasy ان يكون المرء خارج نفسه، وان يكون المرء خارج نفسه لايعني ان يكون خارج اللحظة الحاضرة، مثل الحالم الذي يهرب الى الماضي او المستقبل. بالضبط هو النقيض: الانخطاف هو التوحد المطلق مع لحظة الحاضر، والنسيان الكامل للماضي او المستقبل. اذا قمنا بازالة  المستقبل والماضي من وعينا، ستكون  لحظة الحاضر ساكنة في في فراغ مطبق، خارج الحياة ووقائعها، خارج الزمن ومستقلة عنه (لذلك يمكن ربط الانخطاف بالابدية التي هي نفي للزمن ايضا).

 

بامكاننا اكتشاف الصورة السمعية للانفعال في اللحن الرومانتيكي للاغنية، اذ يهدف طولها  الى الاحتفاظ بالانفعال وتنميته، مسببا بطء التمتع بها. الانخطاف من جانب اخر، غير ممكن تحقيقه عبر لحن، لان الذاكرة المختنقة بالانخطاف غير قادرة على مسك سلسلة النوتات في جملة لحنية، مهما تكن قصيرة؛ الصورة السمعية للانخطاف هي الصراخ (اوفكرة لحنية اساسية جد قصيرة تقلد الصراخ).

 

نحن معتادون على ربط فكرة الانخطاف بتلك اللحظات الباطنية العظيمة. لكن

هناك انخطاف شائع ورخيص ويومي؛  الانخطاف الناجم عن الغضب، الانخطاف

الناجم عن سياقة السيارة بسرعة عالية،الانخطاف الناجم عن الضجيج المصم

للاذان، الانخطاف في ملاعب كرة القدم. العيش هو سعي عسير ومتواصل كي

لا نفقد ذواتنا، للبقاء بشكل صلب داخل ذواتنا. الخروج من ذواتنا للحظة واحدة،

يجعلنا على شفا مملكة الموت.

 

 

 

 

المتعة والانخطاف

اتساءل اذا كان أدورنو قد استمتع قليلا بموسيقى سترافنسكي. المتعة؟ من وجهة

نظره لا تقدم موسيقى سترافنسكي شيئا سوى “المتعة الشاذة للحرمان”؛ اذ كل ما

تقوم به هو ان “تحرم” نفسها من كل شيء: من التعبير، من الصوت الاوركسترالي الضخم، من تقنيات التنامي الموسيقي؛ ملقية “نظرة حقودة” على الاشكال القديمة، انها تقوم بتشويهها؛ انها عاجزة عن الابتكار، ولا  تقوم الا “بالسخرية”، بالتقليد الكاريكاتيري؛ وهي ليست نفيا لموسيقى القرن التاسع عشر بل لكل الموسيقى ( يقول أدورنو: “موسيقى سترافنسكي هي موسيقى طردت الموسيقى منها”).

 

كم غريب هذا القول، وماذا حول البهجة المتدفقة  من تلك الموسيقى؟

 

اتذكر معرض بيكاسو، في براغ، في منتصف الستينيات. احدى اللوحات لم تفارق ذاكرتي قط. امرأة ورجل يأكلان البطيخ الاحمر: المرأة جالسة، والرجل مستلق على الارض، وساقاه مرفوعتان صوب السماء، في ايماءة تعبيرية عن فرح غير قابل للوصف. وكل اللوحة مرسومة بتلقائية طريفة، جعلتني افكر في وقتها بان بيكاسو  كان يشعر بفرح مماثل لفرح الرجل الدافع ساقيه الى اعلى.

 

اضافة الى متعة الرسام وهو يرسم الرجل الرافع ساقيه ، هناك متعة التأمل (مع ابتسامة). انها الابتسامة التي تشكل موضع اهتمامي. في فرحة الرجل الرافع ساقيه صوب السماء، لمس الفنان بعدا كوميديا رائعا، جعله هو الاخر منغمرا بالمتعة. وابتسامته تنخزه صوب ابداع مرح وطائش. هذا الطيش مماثل لطيش الرجل الرافع ساقيه صوب السماء. لذلك فان المتعة التي اعنيها فيها شيء من الدعابة؛ وهذا ما يجعلها مختلفة عن المتع التي قدمتها الفنون في عصور اخرى، عن المتعة الرومانتيكية القائمة في اوبرا تريستان لفاغنر، على سبيل المثال، او المتعة البسيطة الرائقة التي نجدها في عمل فيلمون وبوسيس Philemon and Baucis.( اليس فقدان روح الدعابة هو السبب وراء رفض أدورنو لموسيقى سترافنسكي؟)

 

كتب بيتهوفهن “قصيدة للفرح”، لكن الفرح البيتهوفني هو احتفال يتطلب منا الوقوف والانتباه الرصين. تقدم الروندو والمينوت في السيمفونيات الكلاسيكية، دعوة للرقص، لكن المتعة التي انا اعنيها ، والتي اعشقها، لا تأتي عبر فعل الرقص  الجماعي. وهذا هو السبب الذي لا تمنحني اي بولكا فرحا عدا بولكا سترافنسكي، “بولكا السيرك”، والتي كُتبت لا كي نرقص عليها  بل كي ننصت لها، وسيقاننا مرفوعة الى المساء.

 

هناك اعمال معاصرة اكتشفت متعا غير قابلة للتقليد، المتعة الموجودة في مخيلة

متهورة ومبتهجة، لابتكاراتها ولقدرتها على اثارة الدهشة – وحتى لبعث الصدمة- عبر الابداع. بامكان المرء ان يتذكر قائمة طويلة  من الاعمال الفنية التي تقدم هذا النوع من المتع، الى جانب سترافنسكي( “بيتروشكا”، “اعراس”، “رينارد”،

“كابريشيو على البيانو والاوركسترا”، “كونشرتو الكمان”، الخ.) كل اعمال ميرو؛ رسوم بول كْلي؛ اعمال دوفي Duffy؛ اعمال دوبوفي Dubuffet، بعض كتابات أبوللنير؛ موسيقى ياناتشيك Janacek الاخيرة (“اناشيد الروضة”، “سداسي الالات الهوائية”، اوبراه “الماكر فيكسن الصغير”)، وبعض من اعمال بولين Poulene الموسيقية، خصوصا اوبراه “ثديا تيريسيا” المبنية على نص لابوللينير، كتبه في الايام الاخيرة من الحرب. وفي الحقيقة، هذا النوع من المتع المقترنة بروح الدعابة، اختفى بعد الحرب العالمية الثانية في جميع الاعمال الفنية، باستثناء رسوم بيكاسو وماتيس اللذين ظلا يسيران ضد التيارالسائد.

 

 

في ادراجي للاعمال الكبيرة الممتعة، لا استطيع ان اتجاهل موسيقى الجاز. تستند  تدريبات  الجاز بشكل عام على تنويعات مستندة على الحان قليلة نسبيا. لذلك نحن عبر كل الاداء الموسيقي للجاز نستطيع ان نلمح الابتسامة القائمة بين الالحان الاصلية وبين ترديداتها. مثل سترافنسكي، يتمتع اساتذة الجاز الكبار بفن اعادة البناء الحرة والمرحة، وهم لا يؤلفون  قطعهم الموسيقية استنادا الى اغاني زنجية، بل هم يقتبسون من باخ، موتسارت وشوبان؛  قام الموسيقي إيلنغتونEllington باعادة بناء موسيقية لبعض اعمال تشايكوفسكي و غريغ، ولعمله سويت ألاويز Uwis Suite، الّف تنويعاً على بولكا القرية، مستدعيا في روحه، “بيتروشكا” لسترافنسكي. ليست  الابتسامة في هذا العمل حاضرة في المسافة الفاصلة بين

ايلنغتون وتصويره الموسيقي لغريغ  Grieg بل هي حاضرة بشكل واضح على وجوه العازفين، عندما تأتي لحظة العزف المنفرد (والتي هي دائما، ارتجالا جزئيا ـ مع مفاجآت عديدة)، يتقدم الموسيقي بعزفه، ثم يسلم الخط الى موسيقي آخر، ليظل هو  مستمعا ومتمتعا بالموسيقى.

 

الناس في حفلة الجاز  يصفقون، وهذا الفعل يعني انني انصت اليك بعناية والان اعلن عن تقييمي لك. مع موسيقى “الروك” القواعد تغيرت. حقيقة مهمة: جمهور حفلات الروك لايصفق. سيكون فعل التصفيق اساءة كبيرة، اذ انه يضع مسافة نقدية بين العازفين وبين المتلقين؛ نحن جئنا هنا لا لكي نحكم او نقيّم، بل للاستسلام للموسيقى، للصراخ، جنبا الى جنب، مع  الموسيقيين، للانصهار معهم؛ نحن حضرنا هنا لتحقيق التوحد لا الاستمتاع؛ التدفق لا الابتهاج. نحن ندخل في حالة الانخطاف هنا: الضرب عنيف هنا ومتواصل، الافكار الموسيقية(الموتيفات)

اللحنية قصيرة ومتكررة الى ما لانهاية، اذ ليس هناك تعارض ديناميكي (ارتفاع وانخفاض متفاعلين معا -المترجم)  بل ايقاع شديد القوة fortissimo، الاغنية تسعى لبلوغ قمة السلم فتصبح شبيهة بالصراخ. هنا نحن ما عدنا في تلك العلب الليلية، حيث الموسيقى تغلف الازواج بحميمية رائقة، بل في قاعات كبيرة، او ملاعب رياضية حيث يتدافع الحاضرون بعضهم ببعض، واذا رقصنا في ناد ما، فلن يكون هناك ازواج؛ كل شخص يتحرك بطريقته الخاصة، لوحده ومع الجمهور في آن. الموسيقى تحول الجمهور الى جسم جمعي واحد.

 

 

 

الجمال الفضائحي  للشر

ما يزعجني في أدورنو، على الرغم من ثقافته الموسيقية الرفيعة، طريقته الخاطئة بربط الاعمال الفنية بالقضايا السياسية والاجتماعية، وهذه غالبا ما توصله الى استنتاجات فقيرة وخطيرة في آن؛ فلو أخذنا بنظر الاعتبار المرحلة السابقة التي اختصرت الاتجاهات السياسية كلها الى تيارين رئيسين، اصبح العمل الفني

بالضرورة مقيّما على اساس كونه تقدميا او رجعيا؛ ولان الرجعية شر يصبح لزاما ان تبدأ محاكم التفتيش عملها.

 

“تتويج الربيع”: باليه تنتهي بتقديم فتاة صغيرة قربانا كي يعود الربيع مرة اخرى. وفق رأي أدورنو: سترافنسكي منحاز الى صف  البربرية؛ موسيقاه “لا تماهي

نفسها مع الضحية، بل مع القوى المدمرة” (اتساءل لماذا استخدم أدورنو فعل

“تماهى”؟ كيف عرف ان سترافنسكي متماه مع هذا الشيء او ذاك؛ لماذا لم يقل “يرسم” او او “يصور” او “يعبر عن”؟ الاجابة: لان التماهي مع الشر وحده يبرر المحاكمة.)

 

كم امقت اولئك الذين يبحثون عن موقع سياسي او ديني او فلسفي داخل العمل الفني بدلا من البحث فيه سعيا للمعرفة، للفهم، لمسك هذه الحقبة او تلك فيه. قبل سترافنسكي لم تستطع الموسيقى ان تعطي للطقوس البربرية اي شكل فني متميز.

لم يكن ممكنا تخيلها موسيقيا: وهذا يعني عدم القدرة على تخيل جمال الشيء البربري. بدون ابراز جماله، سيظل البربري عسيرا على الفهم.( انا اشدد:  يتطلب فهم اي ظاهرة بعمق، معرفة جمالها، سواء ما هو متحقق او ما هو باطني وقابل على التحقق.) القول بان هذا الطقس  الدموي يمتلك قدرا من الجمال شيء فضائحي ومرفوض قطعا، لكن مع ذلك، فاننا ما لم نفهم هذه الفضيحة، ما لم نصل الى قاعها، فاننا لن نفهم الكثير عن الانسان بشكل عام. اعطى سترافنسكي للطقس البربري شكلا موسيقيا قويا ومقنعا دون اي زيف:  استمعْ الى الجزء

الاخير من “تتويج الربيع”، “الرقص القرباني”، انها لاتخفي الرعب.  انه هناك. بدون ادانة؟ لكن العمل الفني اذا ادين  فانه سيتحول الى اكذوبة، الى تبسيط، الى عمل دعائي. انه لكونه جميلا اصبح قتل الفتاة مريعا جدا.

 

بالضبط مثلما قام في تصوير القدّاس موسيقيا والسوق الموسمي في “بتروشكا”، صوّر سترافنسكي هنا  الانخطاف البربري. والاكثر امتاعا في هذا العمل، ان سترافنسكي اعلن عن انحيازه الى مبدأ ابولو (اله الموسيقى والشعر والتكهن لدى الاغريق)، المناقض لمبدأ دايونيسس (اله الخمر والمجون عند الاغريق): “تتويج الربيع” (وبشكل خاص رقصاتها الطقسية) هو التصوير الابولوي للانخطاف الدايونيسي: في هذا التصوير، العناصر الانخطافية ( ايقاعات الضرب العدواني، الموتيفات اللحنية القصيرة والقليلة العدد، والتي تتكرر مرارا دون ان تنمو موسيقيا، الاصوات الشبيهة بالصرخات)، قد حولت الى شكل فني عظيم ورائق (على سبيل المثال، نجد انه بالرغم من طبيعة الايقاع العدوانية، لكنه ينمو بطريقه جد معقدة خلال التناوب السريع للموازين measures  مع الموازبن الايقاعية time signatures ، وهذا خلق ايقاعا اصطناعيا، خياليا وذا اسلوب جديد)؛ مع ذلك

يظل الجمال الابولوي المصور للبربرية غير مخفٍ لفظاعتها: وهذا يجعلنا نكتشف انه في قاع الانخطاف ليس هناك سوى  ايقاع قاس، ضربات حادة لآلات القرع، خدر متطرف، موت.

 

 

 

الحساب الاغترابي

في حياة  المغترب هناك شيء من الحساب: جوزيف تيودور كورنراد كورزينفسكي ( الذي اشتهر تحت اسم جوزيف كونراد )؛ عاش سبعة عشر عاما في بولندا ؛ (وروسيا مع اسرته المنفية)؛ اما بقية حياته؛البالغة خمسين عاما فقد كانت في انجلترا ( او على بواخر انجليزية).لذلك كان بمقدوره تبني الانجليزية كلغة لكتابته؛اضافة الى التيمات الانجليزية.الشيء الوحيد الذي لم يستطع التخلي عنه هو حساسيته ضد كل ماهو روسي (لم يستطع اندريه جيد ان يفهم سبب اشمئزاز كونراد من دوستويفسكي)؛ ومع هذه الحساسية احتفظ بأثر يدل على بولونيته.

 

عاش بوهوسلاف مارتينو في بوهيميا حتى سن الثانية والثلاثين، ثم قضى ستا وثلاثين سنة في فرنسا وسويسرا، ثم اميركا، فسويسرا ثانية. الحنين لوطنه الاول ظل  يترجّع صداه  في اعماله، وقد اعتبر نفسه دائماموسيقيا تشيكيا، مع ذلك، فانه بعد انتهاء الحرب العالمية  الثانية، تجنب تلبية اي من تلك الدعوات التي وصلت اليه من بوهيميا، وحسب وصيته دفن في سويسرا، لكن ذلك لم يمنع من خرق وصيته الاخيرة. بعد عشرين عاما على وفاته، قامت مجموعة من الرجال المرسلين من حكومة بلده بسرقة رفاته لدفنها بجو رسمي مهيب تحت تراب وطنه الام.

 

عاش غومبروفتش في بولندا خمسة وثلاثين عاما، ثلاثة وعشرين في الارجنتين، ثم ستة  اعوام في فرنسا، مع ذلك فهو لم يكتب الا باللغة البولونية. في عام 1964، وخلال اقامته في برلين، وصلته دعوة من بولندا، لكنه، وبعد تردد، رفضها. بعد وفاته تم دفنه في فينْس، جنوب فرنسا.

 

عاش فلاديمير نابوكوف في روسيا اول عشرين عاما من حياته، ثم  واحدا وعشرين عاما في اوروبا (في انجلترا، المانيا وفرنسا)، وعشرين عاما في اميركا، ثم ستة عشر عاما في سويسرا. تبنى في اثناء اقامته في اميركا الانجليزية، وبدرجة اقل الثيمات الاميركية، إذ نجد الكثير من الشخصيات الروسية في رواياته. مع ذلك كان صريحا باعلان نفسه كمواطن وكاتب اميركي، ويرقد جسده الان في مونترو، بسويسرا.

 

عاش كازميرز برانديس في بولندا، خمسة وستين عاما، ثم انتقل الى باريس بعد محاولة جاروليسكي الانقلابية، سنة 1981. ولم يكتب برانديس الا باللغة البولونية، وعن ثيمات بولونية، مع ذلك، ورغم انتفاء اي سبب سياسي للبقاء خارج  بولندا، بعد عام 1989، فانه لم يعد للعيش في بولندا.

 

يكشف هذا المسح السريع، مسألة واحدة تتعلق بالفنان المغترب: الفترات المتساوية من العمر لها ثقل غير متساو في ما بينها، وهذا يعتمد على كونها تشمل سنوات الشباب المبكر او النضج. قد تكون سنوات النضج اكثر اهمية للحياة والابداع معا، لكن اللاوعي، الذاكرة، اللغة، تشكل اسس البناء الابداعي، وهذه تتشكل في عمر مبكر. بالنسبة للطبيب هذا لايسبب اي اشكال، لكن بالنسبة للروائي او الموسيقي، تؤدي مغادرة المكان الذي ترتبط به مخيلته، اهواؤه وثيمات كتابته الاساسية،  الى التشظي، لذلك فعليه القيام بتجنيد كل قواه، كل حيله، لتحويل ما هو سلبي الى شيء في صالح ابداعه.

 

الاغتراب شيء قاس لكل شخص دون استثناء: الناس جميعا يفكرون بالم الحنين، لكن الاقسى هو الم الشعور بالجفاء تجاه البلد الام؛ ان يتحول ما هو حميمي الى شيء غريب.  نحن نعيش تجربة الجفاء ليس للبلد الجديد: هنا يكون مسار التحول باتجاه مقلوب: ما كان اجنبيا يصبح تدريجيا مألوفا ومحبوبا، مشاعر الجفاء التي تغمرنا هكذا بقوة، ودون توقع، هي ليست تجاه امرأة مجهولة نحاول اصطحابها معنا، بل هي تجاه امرأة كانت جزءاً من كياننا، ولن يكشف هذا الشعور الجذري بالوحشة من العالم ووجوده، الا الذهاب الى الوطن الام بعد ابتعاد طويل عنه.

 

انا افكر غالبا بالروائي البولندي غومبروفتش في برلين، ورفضه الذهاب

لرؤية بولندا ثانية. هل ذلك يعود الى عدم ثقة بالنظام الشيوعي انذاك؟ لا اظن ذلك: الشيوعية البولونية كانت في طور التفكك، وكان اغلب المثقفين منغمرين في نشاطات معارضة للنظام، ولا بدّ انهم كانوا سيحولون زيارة غومبرفكس لبولندا الىانتصار كبير لهم. لا يمكن ان يكون السبب الحقيقي لرفض الدعوة الاّ وجوديا، وشيئا غير قابل للشرح عبر اللغة، لحميميته الشديدة، وهو غير قابل للشرح لما يسببه من اذى للاخرين، وافضل ما يمكن عمله تجاه تجارب من هذا النوع تركها في غياهب الصمت.

 

 

وطن سترافنسكي

تنقسم حياة سترافنسكي الى ثلاثة اجزاء شبه متساوية؛ ثلاثة وعشرين عاما في روسيا، سبعة وعشرين في فرنسا وسويسرا الفرنسية، وفي اميركا قضى اثنتين وثلاثين سنة.

 

الوداع النهائي لروسيا حدث بمراحل: كان سترافنسكي، في البدء، في فرنسا، اذ كان هناك منذ عام 1910، في رحلة دراسية. تلك السنوات هي الاكثر روسية في ميدان ابداعه الموسيقي. في اثنائها الّف سيمفونيته الشهيرة “تتويج الربيع” وبداية سيمفونيته “اعراس”. ثم جاءت الحرب لتجعل الاتصال بروسيا عسيرا، ومع ذلك ظل سترافنسكي روسيا في ميدان التأليف الموسيقي. ولم يقتنع بفقدانه للوطن الام، وبشكل نهائي، الا بعد ثورة اوكتوبر، انذاك بدأت غربته.

 

الغربة هي الاقامة القسرية في الخارج للشخص الذي يعتبر مسقط رأسه وطنه الوحيد. لكن مع البقاء في الغربة اكثر فاكثر ينمو ولاء جديد، هذه المرة، سيكون للوطن المتبنّى، وهذا يحدث حين يقع الانفصال مع الوطن الام. تدريجيا، بدأ سترافنسكي بالتخلي عن الثيمات الروسية، وعند موته سنة 1971، رفضت زوجته، تلبية لرغبة زوجها، عرض الحكومة السوفياتية بدفنه في روسيا، وبدلا عن ذلك تم دفنه في مقبرة البندقية.

 

بدون شك، ظل سترافنسكي، مثل الآخرين، حاملا معه جرح الغربة، وبدون شك فان تطوره الابداعي سيتخذ مجرى مختلفا، لو كان بامكانه البقاء في وطنه الام. في الحقيقة، كانت بداية رحلته داخل تاريخ الموسيقى، متزامنة مع اللحظة التي توقف فيها وطنه عن الوجود بالنسبة اليه. ومع ادراكه بغياب اي وطن اخر قادر على ان يحل محل روسيا، فان الموسيقى اصبحت وطنه، وما اعنيه هو الموسيقى المنتمية لكل الموسيقيين ولكل العصور… داخل تاريخ الموسيقى اصبح سعيه لمدّ جذوره بعد ضياع الوطن، داخل هذا العالم وجد اخيرا ابناء وطنه الحميمين، ابتداء من الموسيقي بيروتن الى ويبرن، ومع هؤلاء الموسيقيين بدأت حواراته التي لم تتوقف حتى وفاته.

 

داخل قلعة  الموسيقى هذه، عمل سترافنسكي باقصى ما يستطيع كي يشعر انه في بلده: التنقل من غرفة الى اخرى، مس كل زاوية فيه، ملامسة كل قطعة من اثاثه؛ ذهب من الموسيقى الفولكلورية الى بيرغوليسي Pergolesi، الذي اعطاه بولسينيللا (1919)، الى اساتذة الباروك، الذين بدونهم ما كان ممكنا ابداع ابولون موساغيت (1928)، الى تشايكوفسكي، الذي اعاد بناء بعض الحانه في “قبلة الجنية”(1928)، الى باخ، عراب كونشرتو البيانو والالات الهوائية الذي الّفه سنة1924، وكونشرتو الكمان (1931)، الى موسيقى الجاز التي احتفل بها في “الراغْتايم” للاحدى عشرة آلة، وفي “المقدمة” لفرقة عازفي الجاز(1937)، الى بيروتن واساتذة البوليفوني القدامى الذين الهموه سيمفونية المزامير Psalms (1930) وقداسه الرائع (1948)، الى مونتيفردي الذي درسه عام 1957، الى جيسوالدو الذي اعاد بناء  مادريجالاته (1959)، (المادريجال: غناء قديم بوليفوني بدون مصاحبة الالات الموسيقية)، ثم الى نظام الاثنتي عشرة نغمة الذي كان متحفظا تجاهه، حتى وفاة شينبرْغ Schoenberg سنة1951.

 

سيتهمه خصومه، بافتقاد موسيقاه للعاطفة، ولا بد انهم بلا قلب كي يجهلوا ما تعنيه المشاعر المختفية وراء تشرد سترافنسكي الطويل بين ثنايا تاريخ الموسيقى.

 

لكن ذلك ليس امرا غريبا: لا احد يتميز بفقدان الحس اكثر من الشخص العاطفي: تذكروا أن قسوة القلب تختفي دائما وراء اسلوب مترع  بالمشاعر.

شاهد أيضاً

القلوب الرقيقة / جاك بْرَيل

  Y en a qui ont le couer si large Qu’on y entre sans frapper …