الرئيسية / تراجم / وجوه اللامتناهي: الإفلاطونية المحدثة والشعرية  في ملتقى أفريقيا وآسيا وأوروبا”

وجوه اللامتناهي: الإفلاطونية المحدثة والشعرية  في ملتقى أفريقيا وآسيا وأوروبا”

استضافت الأكاديمية البريطانية ليومين متتالين (9-10 نوفمبر 17) نشاطات هذا المؤتمر الذي شارك فيه أكاديميون وباحثون جاءوا من عدة جامعات أوروبية وأمريكية وغيرها، ولم يكن هناك أي حضور من أي جامعة عربية، لكن رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الدكتورة فريال غزول كانت الأكاديمية العربية الوحيدة التي ساهمت في هذا المؤتمر.

تدور الثيمة الأساسية  لهذا المؤتمر الذي نظمه معهد الدراسات الأفريقية والشرقية (جامعة لندن) حول السؤال التالي: ما هو تأثير الإفلاطونية المحدثة على الشعراء عبر العصور وفي شتى الثقافات التوحيدية؟

لذلك كانت الجلسة الأولى للمؤتمر مكرسة للبدايات، وبداية البدايات كانت مع الفيلسوف إفلاطون المولود عام 428 قبل الميلاد في أثينا. فهو الذي أسس أول جامعة في تاريخ البشرية أطلق عليها اسم “الأكاديمية” وفي كتبه الحوارية التي جعل بطلها استاذه سقراط، طرح جملة أفكار متفرقة شكلت الأرضية التي نشأت عليها الأفلاطونية المحدثة لاحقا. فهو يعد مؤسس الفكر المثالي في تاريخ الفلسفة. إذ حسب رؤيته، هناك مقابل كل الكائنات القائمة في عالمنا نماذجها في العالم اللامرئي أطلق عليها “المُثُل العقلية”، كذلك فهو من المؤمنين بفكرة “المبدأ الأول” التي كانت أساسا لمبدأ الوحدانية في الديانات السماوية الثلاث.

لكن النقلة الحقيقية لأفكار أفلاطون تحققت في القرن الثالث الميلادي على يد الفيلسوف المصري- اليوناني، إفلوطين، الذي أنشأ نظاماً مثالياً يستند إلى فكرة “المبدأ الأول” أو علة الوجود الأولى، ومن هذا المبدأ الأول جاء العقل الأول ثم النفس الكلية فالوجود المادي.

في القرن التاسع الميلادي قام عبد المسيح عبد الله  بن ناعمة الحمصي بترجمة فصول من كتاب إفلوطين المعروف باسم “التساعات” تحت عنوان آخر هو “أثولوجيا أرسطاطاليس”، وقام بتحريره لأحمد بن المعتصم بالله، الفيلسوف الكندي.

وقد ظل المفكرون العرب يظنون أنه من أعمال الفيلسوف أرسطو، فأطلقوا على مؤلفه اسم “الشيخ اليوناني”، كما انتُزِعت منه فصول سميت بـ “رسالة في العلم الإلهي للفأرابي” مع أنه مستخلص من التساع الخامس.

وعلى الرغم من تجاهل اسم المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب فإن تأثيره على الفكر الإسلامي عامة لا يقل عن أثر أرسطو، بل قد يزيد عليه في تشعبه إذ شمل الفلسفة والمذاهب الدينية ذوات النزعة الروحية وتغلغل في ضمائر المفكرين الإسلاميين بطريقة لا شعورية كانت أعمق نفوذا من ذلك المذهب الظاهري الذي كان لارسطو.

في اليوم الأول من أعمال المؤتمر تم التركيز على أولئك الشعراء من العصر الوسيط فكان هناك محيي الدين بن عربي وابن الفارض حيث قدم البروفسور ستيفان شبيرل أستاذ الادب العربي في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية، ورقة عن قصيدة لكل من هذين الشاعرين. كذلك قدمت أستاذة الأدب الفارسي في جامعة إنالكو بباريس، ليلي أنور، ورقة عن الشاعر “عبد الرحمن جامي” ومدى تأثره بالأفلاطونية المحدثة.

يمكن  القول إن هؤلاء الشعراء قد كيفوا طروحات إفلوطين بشكل يتوافق  مع الدين الإسلامي، وساهموا عبر أشعارهم بتعزيز الإسلام الصوفي الذي يسلم بأن المعرفة الحقيقية للعالم الخفي تأتي عبر القلب وعبر حالة الانخطاف (أو الشطح)، إضافة إلى القبول بكل الديانات باعتبارها تشير إلى نفس الرب.

كرست أعمال يوم الجمعة بالدرجة الأولى على عصر النهضة في إيطاليا وإسبانيا وتركيا. كانت أبرز الأوراق التي حظيت باهتمام الحضور، تلك التي قدمتها الدكتورة أبيغايل برندين من جامعة كمبردج، حيث أضاءت في محاضرتها الثقافة الشعرية خلال القرن السادس عشر في إيطاليا ومدى تأثرها بالإفلاطونية المحدثة، حيث كان الأسلوب البتراركي (نسبة الى الشاعر بترارك) هو السائد في البلاطات الملكية قبل انتشاره بين قطاعات أوسع من الناس بفضل بروز الطباعة.

وقد ركزت المحاضِرة براندين على الشاعرة الاستقراطية الأرملة فيتوريا كولونا (1490- 1547) وصديقها المقرب، الفنان مايكل أنجلو بوناروتي (1475- 1564). وكان هذان الصديقان يناقشان ويتبادلان القصائد الروحية ذات التأثير المشترك على اهتماماتهما بقضايا الإيمان والتسامي.

أما إسبانيا القرون  الوسطى فكانت ورقة البروفسور جوليان وايس، أستاذ  العصر الوسيط والحديث المبكر الإسباني،  من جامعة كنغز كوليج بلندن، والتي سلطت الضوء على شاعرين من تلك الحقبة هما فرانسيسكو دو ألدانا (1578-1537) وكاتالينا كلارا راميرز دو غوزمان (1680-1611)، وهو بتناوله لهذين الشاعر أراد إظهار أهمية الإفلاطونية المحدثة كظاهرة عابرة للثقافات، ولفهم الكيفية التي  انتقلت فيها عبر الثقافات المختلفة  فإنه من اللازم الاعتراف بقدرتها الأيديولوجية الكامنة كي تتجاوز الحواجز الثقافية وتتعايش مع كل الاختلافات الكثيرة.

جرت أعمال اليوم الثالث من المؤتمر في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بلندن وتم التركيز فيه على الشعراء المعاصرين.

ومن بين الأوراق التي قدمت كانت تلك التي تناولت عدة شعراء أتراك تأثروا بالفكر الصوفي الإسلامي الذي يحمل بين طياته أفكارا الإفلاطونية المحدثة بصيغة تتوافق مع الدين الإسلامي، وقد تطرق المحاضران محمد كلباكلي ونسليهان ديميركول إلى تأثير التحولات السياسية على الشعراء الأتراك، فهناك خانات أصبح على الشاعر المعاصر أن يناضل للتحرر من الوقوع فيها. فمَن يكتب تحت تأثير الشعراء المتصوفة العرب والفرس الكبار كالرومي وابن عربي وابن الفارض سيتهم بانتمائه إلى الماضي العثماني، وإذا حاول أن يكتب بطريقة الشعراء الغربيين فإنه سيتهم بنكران ثقافته. ومن بين الشعراء الذين ركز الباحثان على أعمالهما،  آصف حاليت جلبي (1958-1907).

كانت آخر أوراق المؤتمر للاستاذة العراقية فريدة غزول من الجامعة الأميركية في القاهرة، وكما ذكرت فإنها تأمل أن تكون محاضرتها مسك الختام، ولعلها نجحت في تحقيق ذلك، على الأقل بالنسبة للعرب المتواجدين في القاعة.

تحدثت الدكتورة غزول عن الخلفية الأكاديمية للشاعر الراحل محمد عفيفي مطر (2010-1935) فهو درس الفلسفة في جامعة عين شمس بالقاهرة وعن العلاقة التي جمعته بأستاذه عبد الرحمن بدوي الذي حقق الترجمة الأولى لكتاب إفلوطين الذي قام بها عبد المسيح بن عبد الله الحمصي في القرن التاسع.

سلطت المحاضرة في ورقتها على الكيفية التي تشربت قصائد محمد عفيفي مطر بالإفلاطونية المحدثة بشكل خاص وبالفلسفة بشكل عام.

 

استنتاج  

في هذه الورشة الأكاديمية التي استمرت ثلاثة أيام، أقف عند الإعداد الدقيق والعمل الذي سار وكأنه ساعة رقمية دقيقة حسب البرنامج المعطى.

كذلك، أثارت انتباهي تلك الجهود المبذولة في العديد من الجامعات الغربية لإعادة أولئك الذين أبدعوا في المجال الأدبي أو الفني عبر العصور إلى الحياة، بتقصي كل ما تركوه من تراث، بدراسته وكشف كل أسراره وكشف ملامح عصره، فلا رسالة أو ملاحظة سجلها هذا المبدع هنا أو هناك ستتترك من دون دراسة. وفي هذا العمل يساهم الفلاسفة ومؤرخو الأدب والفنون والنقاد في ترميم تلك القطع المتفرقة للمبدعين الراحلين بحيث نجدهم في الأخير وقد عادوا إلى الحياة واختلطوا مع الطلبة والمهتمين بتراثهم.

هناك علماء متخصصون بحقبة تاريخية واحدة يعيدون تدريسها والبحث فيها والكتابة عنها سنة بعد سنة، بل نجد أحيانا من هو متخصص بتراث أديب أو مفكر واحدة طوال حياته.

هنا يشعر المرء بأنه امتداد لأجيال سبقته، وأن قيمة ما يضيفه تكمن في أنها إضافة صغيرة تسمح لنهر الحياة أن يستمر في التدفق: إنه انتصار على الموت الفردي.

 

نماذج شعرية من الأوراق البحثية

قصيدتان مغنتان من نوع المادريجال (الغناء من دون آلات موسيقية) لمايكل انجلو مهدتان لفيتوريا كولونا (1544):

 

رجل ضمن امرأة، أو بالأحرى إله

يتكلم عبر فمها، لذلك فأنا،

باستماعي إليها،

أعِيدَت صياغتي إلى الحد الذي لن أكون فيه أبدا نفسي ثانية.

أنا أؤمن، لكوني استُلِبتُ من نفسي على يدها،

بأني سأشفق على نفسي، لأني خارج نفسي؛

وجهها الجميل يدفعني

بعيدا جدا إلى ما وراء الرغبة العابرة

إلى الحد الذي أرى الموت في أي جمال آخر.

أيتها السيدة التي تمرر الأنفس

عبر النار والماء إلى أيام مبهجة:

أتضرع، ألّا  تجعليني أعود إلى نفسي ثانية.

 

***

فقط كما هو الحال، ايتها السيدة، بإزالة ذلك، يضع المرء

في حجر صلب شاهق صورة حية

فتبدأ هذه الصورة بالتنامي

بالضبط، في المكان الذي يبدأ الحجر فيه بالتناقص،

لذلك فإن الزيادة التي هي لحم المرء نفسه

بقشرته الخشنة الجافة الصلبة،

تخفي في النفس قدرا من الأعمال الجيدة،

التي ترتعش تحت هذا العبء.

أنتِ وحدك قادرة على إزالة ذلك الركام

عن كينونتي الخارجية،

لأني لا أملك الإرادة أو القدرة

لتحقيق ذلك.

 

فيتوريا كولونا(قصائد نشرت لأول مرة عام 1546):

إذا كنتُ أفشل غالبا في اتباع قواعد

الحس السليم، التطلع حولي

بعينين مزدريتين، فإني أرفض التنميق

أو مسح أشعاري الخشنة غير المهذبة،

هذا لأن همي الأولي هو ليس

لكسب الثناء بفضلها أو لتجنب الازدراء،

ولا كي تستمر أشعاري بعد عودتي المبهجة إلى السماء

في العالم حية ومكرَّمة عالياً؛

بل أن تشعل النار الإلهية، من خلال رحمتها،

عقلي، أحيانا تمنح برضاها هذه الشرارات،

وإذا كانت إحدى هذه الشرارات أدفأت مرة واحدة

بعض القلوب الرقيقة فإني مدينة ألف مرة

بألف شكر لتلك الغلطة السعيدة.

 

أوجينيو مونتال ( 1920- 1954) من إيطاليا

الليمون

استمعوا إليّ: الشعراء المكللون بالغار

وحدهم من يمشون بين نباتات

ذات أسماء نادرة: البقس، وجنبة الرباط والأقنثا.

لكني أحب دروبا تؤدي

إلى خنادق عشبية حيث الأطفال

يرفعون بأيديهم بضع أسماك جائعة

من سمك الانقليس من بُرَك شبه جافة:

دروبا تمتد بجانب الضفاف،

وتمر ما بين الخيزران المقنبر

وتنتهي ببساتين، بين أشجار الليمون.

 

من الأفضل إذا كان صخب الطيور

يتلاشى، حيث الزرقة تبتعله:

نستطيع أن نسمع همسات أكثر

لأغصان حميمة في جو غير هادئ تماماً،

والأحاسيس الناجمة عن هذه الرائحة

التي لا يمكن فصل ذاتها عن التراب

والأمطار، حلاوة مضطربة في القلب.

هنا، وبمعجزة ما، الحرب

الناجمة عن عواطف متكدرة تعلن هدنة؛

هنا نحن الفقراء، نتسلم، أيضاً، حصتنا من الثروات،

التي هي عبق الليمون.

 

شاهِد، في مساحات الصمت هذه حيث الأشياء

تكف عن الفعل فتبدو كأنها على وشك الكشف

عن سرها النهائي،

أحياناً نحن نشعر بأننا على وشك

أن نكشف عن خطأ في الطبيعة،

النقطة الساكنة للعالم، الآصرة التي لن تبقى،

الخيط  لغرض حلّ ذلك  الذي سيؤول أخيراً

إلى قلب الحقيقة.

العين تستكشف ما يحيطها،

العقل يستقصي صفوف العطرالمنقسمة

وهو يفوح

في أكثر الأيام وهناً.

إنك في مساحات الصمت تلك ترى

في ظل كل إنسان عابر

بعضا من ألوهية مضطربة.

 

لكن الوهم يفشل، والزمن يعيدنا

إلى مدن صاخبة حيث الزرقة

مرئية في هيئة بقع، إلى أعلى مابين السقوف .

المطر يرهق التربة آنذاك؛

ضجر الشتاء يثقل على البيوت،

الضوء يصير بخيلا – النفس مريرة.

حتى اليوم الذي من خلال بوابة نصف مغلقة

في فناء ما، هناك ما بين الأشجار،

نستطيع رؤية صفرة الليمون؛

فيذوب الفلفل الحار في القلب، وفي أعماقنا

ترمي أبواق الشمس الذهبية

بأغانيها علينا.

 

من الشعر الإسباني: فرانسيسكو دو الدانا (1540-1578 م)

ما السبب، يا حبيبتي، أننا حين

نكون معا في نزاع الحب، نلتحم

بلسانينا وأذرعنا وأقدامنا، وكلانا مقيدان

مثل دالية العنب حين ينفتل الياسمين حولها،

وكلانا يستنشق هواء الحياة

من خلال شفاهنا، مرهقَين من رشفات متسامية،

وسط بهجة كهذه نجد نفسينا مجبرَين

على الأنين والتأوه عاليا من وقت إلى آخر؟

الحب الساكن عميقا، يا فيليسي الجميلة

في نفسينا يشدنا إلى بعض، وضمن كُور حِدادته يطمح

جسدانا الاندماج بقوة ببعضهما،

ولأن الحب لا يستطيع – مثل الماء والإسفنج-

الوصول إلى صميم نفس الحبيب الحلو،

فإن الحجاب المميت يتحسر على مصيره الرث.

 

من الشعر الإسباني: كاتالينا كلارا راميريز دو غوزمان (1611-1684)

أيها البورتريه، إذا كنت ظلا، كيف تستطيع تقليد

سنى الشمس الساطعة؟

وإذا كنت ميتاً، كيف تكون ألوانك حية جدا؟

وإذا كنت مفتقدا الحياة، كيف استطعت سرقة حيوات كثيرة جدا؟

 

بافتقادك للجسد، منحتَ قوة للكثير من النفوس؛

بافتقادك للنفس، أين تطرُق صرامتك؟

وإذا كان المفضَّلون لدى “كلوري” لا نظير لهم،

لماذا تستميت كي تتجاوزها؟

 

أنت لست إلّا طيفاً يمكن الاستمتاع به

من خلال العينين،

وهماً مبهجاً لفكرة ما؛

 

خداعاً مصاغاً من خلال المظهر

خيالا يداهن الذائقة؛

كذبة، تعطي الكذبة، أخيراً، للحقيقة.

 

 

من الشعر التركي: آصف حاليت جلبي(1907- )

أولئك الذين ينظرون إليّ

يرون جسدي

أنا في مكان آخر

أولئك الذين يدفنوني

يدفنون جسدي

أنا في مكان آخر

افتح جبّتك يا جُنَيد

ماذا ترى

اللامرئي

 

أين جنيد

ماذا حدث لجنيد

 

ما حدث لك ولي

حدث له أيضا

 

تحت جبته

اختفى جُنيد في الزرقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

نماذج من الهايكو الياباني (مترجمة عن الإنجليزية)

شهد أسلوب قصيدة الهايكو الذي تطور في اليابان منذ أواخر القرن التاسع عشر انتشارا عالميا …