تمتد الخضرة، في ويلز، على امتداد البصر، متوزعة في كثافتها دون اتساق فوق تلك المستطيلات المنفصلة عن بعضها ، بخطوط مستقيمة، متكونة من أشجار شوكية، وأينما يلتفت المرء، سيواجهه المشهد نفسه، سواء كان هضبة أو وادياً، أرضاً فسيحة أو وعرة. تعود هذه الخضرة الدائمة إلى خصوبة الأرض، وغزارة المطر، الذي يهبط غالباً على هيئة رذاذ ناعم، دؤوب، ذي نفس طويل، يجعل أيام الصحو هناك، أعياداً غير معلنة. وكم يصبح مغرياً، لبعض المقيمين في مدن تغص بسكانها، كلندن، الهروب إلى قرى نائية صغيرة كتلك الموجودة في ويلز، أثناء العطل القصيرة؛ الانتقال المتطرف من مدينة يزيد عدد سكانها عن الاثني عشر مليون نسمة إلى منطقة سكنية يُعد قاطنيها على أصابع اليدين.

كان الفندق الذي سكنت فيه منتجعاً خيالياً، محاطا بأشجار الأرز والزيزفون من كل جانب، ولا   يزيد  زواره  عن عشرة. على مسافة قصيرة منه، تقع قرية متكونة من أربعة بيوت، تفصل بعضها عن بعض مسافات خضراء شاسعة. في تلك البقعة المعزولة كنت أتشافى من ضغط مجاميع الناس الهائلة التي ظللتُ أرتطم بها دون توقف في لندن: في المترو، في الأسواق، على الأرصفة، وعبر طوابير السيارات اللامتناهية المندفعة في كل الاتجاهات… مقابل ذلك، ظل السؤال التالي، يتردد في نفسي، بعد مكوثي أربعة أيام في ذلك الفندق: كيف يمكن العيش في منطقة كهذه؟

لا أستطيع اعتبار تعرفي على النادلة جوديث مفتاحا للإجابة  على  هذا السؤال بقدر ما هو إغراء آخر بإثارة أسئلة أخرى، إذ لم يكن في مظهرها ما يثير الاستغراب، عدا تلك الحماسة الكبيرة في التعامل مع الآخرين، ممزوجة بروح مرح تتجاوز قليلاً الحدود المتعارف عليها في المجتمع البريطاني، لكنها في الكثير من المجتمعات ستكون محببة للآخرين لما تمتلكه من عفوية وسرعة بديهة مع ذلك، فهي، وبلا شك، تمتلك تلك الصفة المشتركة للكثير من سكان هذا البلد الأصليين، وأعني بها اعتدال المزاج وتوازن الشخصية أمام الآخرين. رغماً عن ذلك، فإنه لم يمض على العائلة التي تشاركني الطاولة وقت الإفطار، أكثر من يومين كي ينعت الزوج، وبطريقة لطيفة، جوديث بغريبة الأطوار.

هل كان سبب هذه التسمية يعود إلى اهتمام جوديث المبالغ به بكلب صاحب المنتجع؟ فقلما كانت لا تتحدث معه، بحمية لا تقل عن حميتها في التحدث مع زبائن الفندق.  والغريب أن ذلك الكلب كان يقضي الساعات مستلقياً، في حال شبه غيبوبة، عند إحدى زوايا حجرة الطعام، أو خلف مكتب الانتظار، لكن  ما إن  تقترب جوديث صباحاً من باب البناية الخارجية، حتى تدبّ في أوصاله  الحياة ثانية، فيبدأ بإطلاق أصوات متقطعة متلهفة، إعلاناً عن غبطته. ستُمضي جوديث   آنذاك وقتاً لتهدئته، بالتربيت على رأسه، ومداعبته، وتبادل الحديث معه.

أضاف جاري بيتر، بأن ويلز فردوس غريبي الأطوار الأثرياء في بريطانيا، إذ أن قلة عدد التجمعات السكنية، واتساع المسافات الفاصلة بين البيوت، يساعدهم على ممارسة هواياتهم، دون   تطفل  الآخرين أو انزعاجهم، وهذه الهوايات  بالنسبة لغريبي الأطوار أقرب إلى طقوس قسرية يمارسها كل منهم. قالت زوجته فرانسيس، بعد انقضاء أيام إقامتنا في الفندق، وبعد أن جمعتها علاقة ودية بالنادلة الظريفة: «ما رأيكما بزيارة بيت جوديث؟ لقد دعتنا  إلى جلسة  شاي وكيك غداً عصراً.

كان يوماً حافلاً بنثيث المطر الناعم، الدؤوب. ودعوة من جوديث وأمها، لزيارتهما، قد جاءت إنقاذاً لنا نحن الثلاثة، فما كان ممكناً القيام بأي مشروع آخر، سوى البقاء في الفندق وتمضية الوقت بالقراءة. هل هو الإحساس بأننا ندخل مملكة الغرابة قد جعلنا ننساق إلى داخل بيت جوديث في حالة ذهول ممتعة؟ أم هو ذلك المشهد المحيط بنا، حينما توقفت سيارة الزوجين بيتر وفرانسيس أمام باب الحديقة الأمامية، حيث شملنا سكون العزلة المطلق، وسكون الأشجار والمروج حولنا؟ أم هو لون السماء المتشحة   بالغيم  الكثيف الرمادي، متضاداً مع تلك الخضرة المتشربة بضباب شفيف. وقد يكون لكل هذه العناصر دور في تدفق الشعور الحميم تجاه جوديث وعالمها الغريب.

عند مدخل الحديقة، رحبّت جوديث وأمها بنا ترحيباً كبيراً، وراحتا تقوداننا إلى بيتهما بحمية كبيرة، تحوطنا من كل جانب عدة كلاب. كان المطبخ أول مكان للاستقبال. صدمتني رائحة ثقيلة جاثمة في الهواء، وأنا أتطلع إلى مئات الأشياء المعلقة على الجدران، بعضها حدائد ومعدنيات يزيد عمرها عن القرن، وبعضها الآخر أوعية وقدور بحجوم مختلفة. جعلني العدد الهائل من لوازم المطبخ، وللحظة، أظن أنني في مدرسة ذات قسم داخلي، وحينما سألت، لمن كل هذه اللوازم، جاءني صوت أم جوديث، جوانا، مليئاً بالرقة والمرح، « إنها لصغارنا»، ولم أحتج إلى وقت طويل لرؤية الصغار، إذ أطلت بعض القطط الخجولة برؤوسها من حافة الباب الجانبية، مستغربة وجودنا.

كانت غرفة الضيوف المعتمة، متحفاً للأثاث البائد: أرائك  ذبلت أزهار نسيجها منذ زمن بعيد، خزانات خشبية للتُّحف، قد نصلت ألوانها منها، وتحولت إلى رماد عتيق، قطع معدنية من كل العصور، تستقر في تلك الحجرة، نهائياً، بعد أن دارت بين أيدي أناس مجهولين كثيرين. لكن كل ذلك لم يثر شيئاً في نفسي، كانت عيناي مثبتتين على الكراسي والأرائك ، هناك، استلقت عشرات  الحيوانات البيتية، نصف نائمة: كلاب من فصائل عديدة، وبحجوم  مختلفة، قطط بألوان متنوعة. أكثر ما أثار انتباهي، ذلك الكلب الذي يمسك بين أسنانه دمية، حينما راح يلقي بنظرات حزينة علينا. قالت جوانا، «إنها جسيكا»، ثم مضت أم جوديث تحكي لنا عن تاريخ هذه الكلبة الحزين، إذ أنها عرفت طفولة قاسية مع أصحابها السابقين، «كانوا يتركونها وحدها في البيت لمدة بضعة أيام، بل هم يصرخون  في وجهها، وليس مستبعداً أنهم كانوا يضربونها من حين إلى آخر». سألتهما، «كيف تم إنقاذها؟»، اندفعت جوديث آنذاك لتروي بحماسة كيف أنها قرأت إعلاناً في الجريدة المحلية عن أفراد عائلة يبحثون عن شخص يرغب في تبني كلبتهم قبل رحيلهم الى أستراليا. عادت جوانا لاستلام خيط القصة، “أتذكر كيف أن الأشهر الأولى كانت عسيرة على جسيكا كي تتخلص من عقدة خوفها من الأغراب”.

مع الشاي والكعك، أصبحت القطط والكلاب أكثر حيوية، فراحت تتنقل بيننا ، جعلتني أزدرد قطع الكعك بصعوبة، وحينما سألتني أم جوديث إن كنت أحب قطعة أخرى، وجدتني أعتذر بخجل عن قبول”البودنغ”، خاصة حينما شاهدت “مستر بيبز” يمد ببوزه إلى الصحن دون تلكؤ.

ينتمي “مستر بيبز” إلى فصيلة “اللابدوك” الناعمة، ولم يكن مظهره يشير إلى شيخوخته، إذ تم الاحتفال بعيد ميلاده الثامن عشر قبل أسبوع، وفي تلك المناسبة حضرت صاحبته السابقة التي تمتعت بوجوده معها حينما كان صغيراً، ثم قامت بنبذه حينما فقد حيويته. كان على وشك أن يُحقن بمصل قاتل في عيادة الطبيب البيطري، «لولا وصولي آنذاك لمعالجة قطتي لوسي»، قالت جوديث وهي تضم «مستر بيبز» الى صدرها.

من   أحاديث الأم وابنتها، كان ممكناً تقصي سيرة كل حيوان موجود في بيتهما. «هل لكل كائن في هذا الجيش الجرّار اسم شخصي؟». «بالطبع…كذلك علينا أن نكون جد دقيقات في اختيار الأسماء، بحيث تكون مختلفة عن بعضها في النطق»، ولتوضيح الفكرة، راحت جوديث تطلق أسماء مختلفة، ليرفع بعد كل صيحة حيوان رأسه من فراشه الوثير.

من أين تأتي الحيوانات المنبوذة إلى هذا البيت؟ لا بدّ أن لعلاقات جوديث الوثيقة بمحل بيع الحيوانات المنزلية، الواقع في القرية التي تزورها كل أسبوع للتبضع، دوراً مهماً في التقاط تلك الحيوانات المريضة أو المسنّة، والتي لا يجد مالكوها خياراً آخر سوى التخلص منها، آنذاك، يصبح لجويدث وأمها دور في إنقاذها من براثن الموت، ثم القيام بالعناية بها، حتى آخر لحظة من حياتها. تحكي الأم بألم عن  موت  الكلب توني في الأسبوع السابق، إذ بعد أن أصبح  عاجزاً عن الحركة أشهراً، وبعد فشل كل محاولات علاجه، اضطرت هي وابنتها أن تسلماه إلى الطبيب البيطري لقتله بإبرة سم. قالت جوديث، إنها تشعر بالذنب لعدم السماح له بالنوم معها في أيامه الأخيرة، وتفضيلها للكلب الضخم كارل. «لكنه كان مريضا جداً، أليس كذلك؟» سألت جوديث أمها، فهزت جوانا برأسها مؤيدة.

من حديثهما المتداخل مع بعضه، علمتُ أن الأب قد مات قبل أشهر قليلة، لكن غيابه بدا شيئاً مريحاً لهما،  إذ جعلهما  تمارسان هوايتهما المشتركة بحرية، ودون اعتراضات منه. إنهما الآن ممتلئتان بشعور فيّاض بأهمية القضية التي تكرسان لها كل جهودهما، وإن ما تقومان به من إنقاذ وإعالة الكثير من الحيوانات المنبوذة قد منح لحياتهما معنى، إضافة إلى توسيع علاقتهما بالآخرين: أصحاب الحيوانات السابقة، الطبيب البيطري، صاحب الحيوانات المنزلية…وكأنهما، بالرغم من العزلة الشديدة التي تحيط بهما، أوجدا حياة غاصة بالحركة والأحداث: بعد أسبوع سيكون عيد ميلاد “جسيكا” السابع عشر، بعد أسبوعين سيأخذان “مستر بيبز” إلى الطبيب، بعد شهر…

في الحديقة الخلفية، شاهدنا بيت جوديث الإضافي، وهو عبارة عن عربة(كرافان)، تنام فيها برفقة حيواناتها الأثيرة. كان الببغاء “رام” أقرب مخلوق إليها، لكن بموته في السنة الماضية، احتل الكلب “كارل” الأصم موقع الببغاء. كانت الحديقة موقعاً لكل تلك الكائنات التي تفضل البقاء خارج البيت: ثلاث وزات بيضاء، سلحفاة شابة تبلغ من العمر الخامسة والتسعين. أرنب خجول لم يشأ الظهور أمام الزوار.

قالت   جوديث بعد أن ودعتنا: «هل تعلمون أنني أشاهد كل يوما نفس الحلم: مئات الحيوانات التي عاشت وماتت هنا، أراها واقفة حول سريري وفي فم كل منها عظْمة. ماذا ترمز العِظام في الأحلام؟».

 

 

شاهد أيضاً

المخادع

ينتابني شعور، كلما دار الحديث عن طفولتنا، أنها ليست إلا حكاية نسيت شهرزاد أن ترويها …