الرئيسية / مقالات / الجنرال في متاهته

الجنرال في متاهته

الشرق الأوسط: الاحـد 15 ذو القعـدة 1423 هـ 19 يناير 2003 العدد 8818

الجنرال في متاهته

في «خريف البطريرك» لماركيز يموت الرئيس في قلعته لكنه ظل يحكم لفترة طويلة حتى بعد تحلل جثته

لؤي عبد الإله* غالبا ما يتقبل الواقع قراءة هامشية أخرى تنطلق من الأسطورة، كأن كل تمثُّل له تقابله على الأقل أسطورة واحدة، وعبر اقترابنا منها نكتشف غنى هذا الواقع المتوازي معها حتى في أكثر أشكاله جدبا، في الوقت نفسه نكتشف نمطيته، فكأن ما يجري تحت أعيننا ظل يتكرر بشكل لا نهائي وأن الأسطورة هي خلاصته النهائية.

في الأسطورة الإغريقية ولدت باسيفا زوجة ملك كريت مينوس وحشا برأس ثور وجسد إنسان، ولكي يتجنب الرعايا أذاه وضعه الملك في متاهة كان المعماري الشهير ديدالوس قد بناها للملك كواحدة من منجزاته الأسطورية الكبرى. هناك في المتاهة المزودة بشبكة من الممرات المقوسة والثنيات الملتوية كان عسيرا على من يدخلها الخروج. إنه التيه. ولعل المهندس ديدالوس هو الوحيد الذي يستطيع الخروج منها لأن لديه مخططها، لكنه كان عند بداية أحداث القصة في السجن. كذلك كان على الملك أن يقدم كل سنة لابن زوجته سبعة شباب وسبع فتيات. وهؤلاء كانوا يأتون من المدن الخاضعة لمملكة كريت، ومن بين هذه المدن كانت أثينا التي يصلها الدور كل سبع سنوات. لا بدّ أن الضحية التي تُدفع إلى المتاهة تخور قواها سريعا تحت وطأة فقدان الحس بالاتجاهات، لتصبح تحت قبضة ذعرها الذي يقدمها لقمة سائغة للوحش المتجهم.

كان مفترضا أن تكون هناك سبعة قصور رئاسية في العراق كي يتوازى الواقع مع الأسطورة. فللرقم 7 أهمية خاصة: هناك سبعة كواكب وسبعة بحار وسبع سماوات وسبع سنين عجاف، وفي حكاية المينوتور تبلغ القرابين السنوية سبعة ذكور وسبع إناث. إذن لماذا هذا القصر الثامن؟ لا بدّ أن إنشاءه جاء بناءً على اقتراح أحد مستشاري «السيد الرئيس» الذين يعرفون أن أكثر الأساطير لها نهايات تراجيدية: اقرأوا أسطورة أوديب الذي يفقأ عينيه انتقاما من نفسه لما فعله بدون قصد، أو أسطورة أخيل الذي يُقتل أثناء حرب طروادة.

مع ذلك تظل المقارنة ممكنة: في بغداد أصبحت هناك مساحات طويلة على امتداد ضفة الكرخ مقفلة أمام الناس العاديين. بل هم لا يستطيعون حتى رفع رؤوسهم من الضفة الأخرى لإلقاء نظرة صوبها أو التوقف لتأمل مسار نهر دجلة الساحر. وحينما يضطر سائقو السيارات أن يقطعوا طرقا قريبة من هذا القصر أو ذاك عليهم المضي بسرعة متوسطة، وألا يفكروا بالتوقف إطلاقا، أما إذا تعطلت سيارة أحدهم فسيصبح مصيرهم آنذاك في كف عفريت.

هنا في هذه الحالة تتسع المتاهة. فإذا كانت الأسطورة الإغريقية قد حددت بيتا أو فناء تقوم فوقه هذه المتاهة، ومن يدخلها لن يخرج سالما فإنها في الحالة المعاصرة تتجاوز حدود المتاهة التي يقيم المينوتور فيها. فإضافة إلى قصوره تدخل ضمنها الطرق والمساحات القريبة منها. هنا لا تكون القرابين فقط تلك التي تدخل المتاهة بل تلك التي صادف أن كانت تحوم حولها عن غير قصد مثلما يحوم الفراش حول النار. أو لعلنا نستطيع أن ننظر إلى الفارق بين المتاهة الإغريقية والمتاهة العراقية من زاوية أخرى: الأولى، لها حدود والخطر يتحدد بدخولها فقط بينما الثانية ذات حدود متحركة، فقد يشمل خطر الوقوع في شباكها كل البلاد حينا وقد يتضاءل حتى حدود القصور نفسها حينا آخر.

معظم القصور الرئاسية بنيت في فترة الحصار الاقتصادي الذي ما زال قائما بشكل جزئي. وهي ليست متشابهة مع أي قصور ملكية بنيت على الكرة الأرضية، فلن يكون قصر بكنغهام سوى جيب صغير يضيع وسط مساحة كل قصر رئاسي. فإضافة إلى المباني الكثيرة داخل كل منها والأسوار العملاقة هناك واحات خضراء وثنايا وممرات كثيرة. كل قصر هو متاهات متداخلة ببعضها، بنيت بأجمل ما يمكن واستُخدمت أفخر مواد البناء والزينة لتحويله إلى عالم سحري. وإذا كان الكثير ينتقدون ما أنفِق من مبالغ طائلة على بناء هذه القصور الأسطورية في زمن المجاعة، فأنا أجدهم غير محقين تماما في آرائهم. إذ أنهم لم ينظروا إلى البعد الأسطوري في بنائه. ولعلي أقول البعد الأسطوري الإيجابي الذي ينتهي نهاية مفرحة: مثلما هي الحال مع عوليس حينما تمكن بعد ضياع عشرة أعوام في البحار أن يعود إلى زوجته بنيلوب سالما.

في وجود هذه القصور الكبيرة التي قد تزيد مساحة بعضها عن مساحة إمارة موناكو يتحقق شرط إضافي للمتاهة العراقية: تعجيز العثور على المينوتور. فلو كان هناك أكثر من متاهة في كريت يتنقل المينوتور الإغريقي بينها لاستحال على ثيسوس أن يجده وينحره بالسهولة التي حدثت في الأسطورة. هنا في الحالة العراقية شبكة من المتاهات، وفي كل واحدة منها تُعدّ وجبات الطعام بانتظام: الفطور والغداء والعشاء. ولا أحد يعرف أين سيكون الرئيس لتناول هذه الوجبة أو تلك. ولن يتجاوز احتمال وجوده في أي من هذه القصور عن الثُمن أو نسبة 12 في المائة. وبوجود نسبة خطر ضئيلة كهذه تصبح الحياة أكثر شيقة.

قرأت على لسان صحافي كان مقربا للرئيس قبل أن يفقد حظوته عنده أن الأخير ظل في أوائل شبابه مستغربا لبقاء رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم قاسم في الحكم حوالي خمسة أعوام على الرغم من بساطة الإجراءات الأمنية لحمايته، ولعل ذلك واحد من الأسباب التي دفعته إلى الاشتراك مع تلك المجموعة التي حاولت اغتيال قاسم في أواخر سنة 1959 أثناء عبوره شارع الرشيد في سيارة عادية برفقة حراس يعدون بالأصابع.

عند قراءة «خريف البطريرك» لماركيز نكتشف كم كان ذلك المستبد ساذجا في التعامل مع خصومه، حتى حينما يقدم لمساعديه وجبة طعام فاخرة تتوجها رؤوس أولئك القادة العسكريين الذين أرادوا الإطاحة بحكمه، بعد أن شُويت بأحسن طريقة ممكنة. لكن هذا الإبداع على الورق قد تجاوزه «السيد الرئيس» على أرض الواقع حينما دشن رئاسته لمدى الحياة بحفل دموي مدهش يحسده عليه حتى دون كورليون بطل رواية الكاتب الأميركي ماريو بوزو «العرّاب»: لا بدّ أن بعضا من أعضاء «قيادة الحزب» لم تعجبهم الطريقة التي انتزع «السيد النائب» كرسي الرئاسة بدون أن تتخذ تلك القيادة قرارا بذلك. ويبدو أن الكثير منهم ظلوا حتى تلك اللحظة على قناعة بسيادة «الحزب القائد» الذي ترأسه قيادة منتخبة من القواعد. في الفيلم الذي شاهدته عند أحد الأصدقاء (ينتابني شعور أنه ليس سوى كابوس وكم أتمنى ذلك; على الأقل لإبقاء خيط من الأمل في النفس بوجود قدر ضئيل من العدالة الأرضية) يظهر الرئيس الجديد جالسا وراء منصة في قاعة متوسطة الحجم، وفي يده قائمة أسماء، بين لحظة وأخرى يقرأ اسما فينهض ذلك الشخص الذي كان لفترة قصيرة صديقا ورفيقا له، وقبل أن تتاح للآخر فرصة النطق بكلمة واحدة دفاعا عن نفسه، يأمر الرئيس بسحبه إلى الخارج، وسط هتافات هستيرية مؤيدة ومرعوبة في وقت واحد، بينما يواصل الرئيس تمسيد طرفي شاربيه بهدوء غريب. وحينما نهض أحد المتفانين له ليقول إن ما جرى كان بسبب ذلك الملقى في السجن، القيادي الرفيق الذي وُضع في السجن منذ أكثر من ستة أعوام، أمسك الرئيس الصاعد توا إلى سدة الحكم المطلق بطرف شاربه الأيمن ليردد بثقة كاملة: «خذه من هذا الشارب». وهذا ما حدث. ولكي يتوثق من أن أولئك الذين منحهم فرصة الحياة سيبقون مخلصين دائما له تحت دافع الخوف من انتقام أقارب المحكوم عليهم بالموت أجبرهم على تنفيذ أحكام الإعدام بأنفسهم.

في الأسطورة الإغريقية يحضر ضمن وجبة القرابين الثانية التي ترسلها أثينا البطل الشاب ثيسوس ابن الملك. وحالما تراه أرديان بنت مينوس ملك جزيرة كريت تقع في حبه. ولضمان سلامته أعطته رأس خيط سحري يسمح له بالتجول داخل المتاهة بدون خوف وأمسكت هي بالطرف الآخر. لذلك كان سهلا على ثيسوس أن يصل إلى المينوتور الذي كان مقيما في نهاية المتاهة.

لقطع الطريق على تحقق إمكانية كهذه في المتاهة العراقية، أمر السيد الرئيس بالعثور على رجال يشبهونه قليلا، بعد انتقاء أربعة منهم قريبين جدا لملامحه، أجريت لهم عمليات جراحية جعلتهم نسخا عنه. ومع إجراء التدريبات اللازمة التي قدمها خبراء في التمثيل أصبح هؤلاء يتحركون ويتكلمون بنفس طريقته: إنها المعجزة حقا. وبوجود أربع زوجات موزعات بين بعض القصور تناقصت احتمالات وصول ثيسوس آخر إليه لأقل من 2 في المائة: ثماني قلاع منيفة محاطة بأسوار يستعيذ الناس بالله كلما اقتربوا منها; أربعة رجال شبيهين به يطوفون في الكثير من المناسبات بدلا من الرئيس الحقيقي، يتنقلون بين المدن من وقت إلى آخر ليزرعوا القناعة بأنه موجود في كل مكان، وإذا شك أحد بصحة هذه النسخة أو تلك فهناك حوله آلاف من الصور والتماثيل وكلها تشير إلى أن من يراه هو نفسه «السيد الرئيس».

لم تكن ولادة المينوتور وفق الأسطورة الإغريقية إلا عقوبة ألحقها إله البحار «بوسيدون» بالملك مينوس لاحتفاظه بالثور الأبيض الذي منحه هذا الإله إياه كي يقدمه أضحية لكبير الآلهة الإغريقية «زوس». فعن طريق خلق رغبة عارمة لدى زوجته باسيفا تجاه الثور الأبيض ومواقعتها له جاءت ولادة المينوتور. لم تذكر الأسطورة إن كان تحول هذا الكائن المشوه إلى وحش نتيجة قسوة زوج الأم معه في طفولته، ثم اضطرار الملك إلى وضعه في المتاهة لاحقا حفاظا على رعيته من شروره. في رواية «خريف البطريك» لغارسيا ماركيز يموت الرئيس في قلعته لكنه ظل يحكم لفترة طويلة حتى بعد تحلل جثته وتعرضها للغربان والجوارح الأخرى. ولعل السؤال الذي يدور في أذهان البعض اليوم: هل حقا ما زال «السيد الرئيس» يحكم أو أنه الشبيه؟ في هذه الحالة سيفضل مساعدوه، الذين فقدوا منذ فترة طويلة القدرة على اتخاذ أي قرار تحت وطأة الخوف المستمر من غضبه، بقاء الوضع بدون تغيير: أن يواصلوا تحريك نُسخ الرئيس الراحل بالنيابة عنه… إنه الحكم من وراء القبر.

* هذا المقال يستند إلى قراءات في أوديسة هوميروس وأوديب ملكا سوفوكليس وخريف البطريرك ماركيز

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …