الرئيسية / قراءات / الحديقة الإنجليزية قراءة في رواية “كوميديا الحب الإلهي”

الحديقة الإنجليزية قراءة في رواية “كوميديا الحب الإلهي”

الجزءان الاول والثاني في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 332 و العدد 333-334

ياسين النصير

ياسين النصيِّر، من مواليد 1941  بمدينة القرنة/البصرة، وهو ناقد معروف وله العشرات من المؤلفات النقدية، كما أنه مؤلف مسرحي وصدرت له سبعة أعمال في هذا المجال. وله ستة كتب جاهزة للطبع من بينها: الحروفية والحداثة المقيدة. وإضافة الى عمله كناقد ومؤلف مسرحي، مارس الأستاذ النصيَّر نشاطات أخرى من بينها عضوية الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء في العراق بين عامي 1973- 1978، إضافة الى عضوية هيئات تحرير العديد من المجلات والجرائد داخل العراق وخارجه.

 

1

تسعى رواية “كوميديا الحب الإلهي” للؤي عبد الاله الصادرة عن دار المدى 2008، في 359 صفحة من القطع المتوسط، أن تسقط حجرا من علو شاهق على الواقع العراقي المتشظي بين بلدان الهجرة لتدميره، ومن ثم لإعادة بنائه من جديد، بعد أن تفككه إلى أجزائه الصغيرة لترينا من داخل بنيته المتشظية؛ الكيفية التي فككت بها هذا الواقع وعرته. وتقترح الرواية طريقا لإعادة بناء هذا الواقع، هو أن تدمجه بوحدة كونية إلهية، اندماج الأسماء بالممكنات، كما لو أن مطهر دانتي يعود ثانية ليطهرالعراقيين من المساوئ التي اقترفوها طوال خمسين عاماً. فهذه الرواية واحدة من المجسات الكبيرة التي أيقظت الأشياء الساكنة في مجموعة بشرية قذفتها المحن إلى لندن لتعيش أجواء هجرتها وغربتها الروحية والجسدية. ففي سياقات شعرية تدمج الرواية الحياتي بالغيبي، الواقعي بالحلمي،الممكن بالمحتمل، البحث عن مصائر للذات بالبحث عن الفردوس، نحن إذن في مهمة هدم جذري لواقع وأبعاد الشخصية العراقية بعد الذي جرى لها وللعراق منذ 1958 وحتى اليوم. وتبدو مهمة الروائي وهو يجمع هذا النثار المتشظي  للشخصية العراقية من بين البلدان صعبة، حين يجعل شخصياته المغتربة تعيش محنة بقائها أسماء مجردة أو ممكنات يمكن استعادتها، ليس على المستوى الشخصي فقط، وإنما على مستوى بنية النص أيضاً. وأول ما فعله الروائي هو أنه حول قلق الشخصيات على مصائرها – التي إعتقدت بأن هجرتنا ستنقذها-،إلى دوامة من البحث عن ذاتها وخصوصيتها، في حين أبقى جذورها متشبثة بذلك الماضي الذي تركته في العراق، لنجدها – وهي تعيش حاضرها- أنها مازلت تعيش ظلال الماضي في حين أن الحاضر يعريها منه ويجردها من كل اتصال به بموت الآباء ويجردها من حاضرها أيضا بموت الأبناء، ليتركها تتمرغ  يوميا في بحثها عن وجودها وخصوصيتها وكأنه قدرها الذي لا فكاك منه. حقيقة الأمر أن ذلك مجرد تصور لروائي انتحل صفة الإله فجاء بمجموعة من العراقيين ليلقي بهم في لندن كي يعيد صياغتهم من جديد، أملا في أن يبقيهم أحياء، بالرغم من أنهم بعد أن انتهى من رواية حكايتهم، أضاعهم في متاهات لندن والعراق والأحلام ودوامة الإتحاد بأسماء الله، ما سبق وأن عاشته هذه الشخصيات وجدت صداه في الذي تعيشه الآن، وكأن لكل واحد منها شخصيتين لاتغادران أجسادها، واحدة تشعل النار والأخرى تطفؤها، أما النثار المتكون منهما، فهو رماد يطوف بأسمائهم في ملكوت الله.

 

2

قراءة أم قراءات

 

في البدء سأقترح عدة قراءات لهذه الرواية، لأنها ليست رواية بمسار فكري واحد، ولا بشخصية محورية واحدة، ثمة أقسام عدة توزعت عليها الرواية- وليست فصولاً-  فاستطال بعضها وظهر بعضها الآخر ثانويا ثم اختفى، وفي مجموع هذه الأقسام نقرأ رواية مركبة لها أسطح وغرف وصالونات ودهاليز ومجازات ومستويات للقول وللرؤية، تفرض قراءات وتأويلات وإحالات. ومن هنا لن تنفعنا قراءة نقدية واحدة لها كي نلملم أبعادها القريبة والقصية. ولذا أقترح أن نقرأ صورها المتداخلة قراءة جدلية، بمعنى أن نضع في أعتبارنا أن ما نقرأه من أحداث ستختفي في نهاية الأمر، مولدة أحداثا أخرى أكثر قابلية للحياة، هذه القراءة  التدميرية هي من أجل إعادة صيانتها وتبدأ أول الأمر بالكشف عن مستويات الرواية العديدة وهي عندي أربعة مستويات،ثم نعيد تركيبها من جديد في قِدر السرد، محاولة لتكوين رؤية جديدة لهذه المجموعة البشرية التي هاجرت إلى لندن.

القراءة الأولى: يمكنك أن تقرأ الرواية متتبعا خيط العلاقة بين الزوجين بيداء وعبدل وعلاقتهما بالصديقين صالح وشهرزاد، وفيها ما يجعلها قراءة لرواية تعتمد بنية الأسرة القائمة عن المصاهرة- بيداء /عبدل، وبنية اسرة قائمة على الصداقة شهرزاد/ صالح،ومن داخل هذه التركيبة المتداخلة الوشائج يشتغل محور صالح وشهرزاد على تفكيك بينة الأسرة التقليدية، فلشهرزاد الطبيبة عدة عشاق تركوها أو تركتهم، ولصالح عدة عشيقات تركهن،في حين أن بنية أسرة عبدل وبيداء ابتدأت من بغداد بصداقة أبويهما واستمرت في لندن، هذه البنية الأسرية سيجري تدميرها بعوامل عدة: منها مرض ابنهما سليم الذي ولد مشوها،كتعبير عن علاقة غير متكافئة، ومنها بحث بيداء عن وجدوها الذاتي، فتجده في صالح بعد أن أغوته بمضاجعتها لتنحي شهرزاد عنه، لكنها وهي تسعى لصيانة وجودها تدمر ذاتها، فيموت ابنها سليم وتترك  صالح ثم تدعي السفر إلى بغداد تاركة رسالة لعبدل في البيت، وها هي تائهة في متاهات لندن وقطاراتها وظلالها وأمطارها وغيومها الرمادية. وهكذا سنجد في هذه القراءة المنفصلة مستويين من الفعل، أسر تفككت بعد أن انسلخت عن واقعها العراقي – موت الآباء- وأسر بنيت على السياق الغربي مهددة بالإندثار ايضاً. في حين تكون بقية الشخصيات إما ملحقة أو أساسية لتغذي بعض مفاصل الرواية وقد تنفرد بأقسام أو أجزاء منها..

القراءة الثانية: ويمكنك أن تقرأ الرواية من محورية العلاقة بين صالح /شهرزاد، صالح /حياة، صالح / البقية. لأن  محورية صالح  تتمثل بأنه رجل دولة سابق يعرف بأسرارالإنقلابات العسكرية وعاش واحدة منها، وها هو يكتب رواية عن ذلك كله منتظر أن تكتمل فصولها في لندن، بعد أن انفتحت علاقاته على شهرزاد وبيداء وحياة مما جعله يغني العلاقة بين العراق ولندن بطريقة متداخلة، ثم تلحق به الشخصيات والأولاد كل حسب موقعه ومن هنا يكون محور هذه القراءة هي إشكالية الجنس والسياسة التي تعيد تكوين هذا المجتمع وتهدمه معا، وتكون شخصية حياة والمبدع من مكملات هذا النص.

القراءة الثالثة: يمكنك أن تقرأ الرواية من خلال بنية المال كثيمة مركزية ومحور هذه القراءة عبدل / بيداء كزوجين، يبحثان عن الثراء، وعبدل / جوانا كعشيقين يبحثان عن المتعة،وعبدل / الغانيات في بغداد كواجهة لجمع النقود، ثم عبدل / النجارة في لندن، واخيرا عبدل/ عبد الرؤف المرابي والمقاول، وصديق الطفولة والبرجوازي، وأخيرا عبدل/ العوق الجسدي الذي اعفاه من العمل الملزم للمهاجرين.في سياقات هذه القراءة يمكننا أن نفكك بنية الشخصية العراقية التي لاتفكر إلا بالمال وسط أسرة قامت على رغبة أبويهما بالزواج، في حين أن لا هو ولا هي قد تعارفا كثيرا قبل الزواج، ثم بعد قدوم بيداء إلى لندن حبلت منه دون عقد، وها هي نراها في كل مرة تصافح أحدا تغرق في تنظيف يديها من أدران هذه المصافحة، وفي بنية هذه التركيبة التي هيمنت على سياقات الرواية ينغمر عبدل في جمع المال بينما تتمرد بيداء للبحث عن ذاتها وجسدها فتجد ضالتها في صالح  الذي أسهم بان يغرق عبدل بالمال، وأنغمر عبدل في صنع خشبيات ألعاب ليبيعها، ثم تنهار هذه البنية عندما تكشف الرواية عن حجم الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت.

القراءة الرابعة: هي أن تقرا الرواية وهي تحت تأثير مقولات محيي الدين بن عربي واسقاط علاقته مع “نظام” الفتاة الدمشقية التي ارسلها الرب له وإسقاطها على مجريات ما حدث لـ عبدل /بيداء، بيداء /صالح، صالح / شهرزاد، عبدل /جوانا،المبدع /حياة، وهكذا ستجد أن ظلال الأسماء الإلهية تتغلغل في نسيج الأسر والشخصيات وصولا إلى أسرة مكتملة مبنية على الخروج من جحيم العلاقات المشوهة بعد أن تتحد الأسماءا بالممكنات الإلهية.

بالطبع لن تكون القراءات الأربع منفصلة بعضها عن البعض الآخر، كما لن تكون متتابعة أو متجاورة، بل تكون متداخلة ،فالرواية بنيت على أقسام وليست على فصول وما يجمع هذه الأقسام هو بنية المكان وسنحاول أن نقرأ القراءات الأربع للرواية خلال تشكلها مكانيا، ثم كيفية تفككها، محاولة لإعادة بنائها من جديد.

 

3

القراءة المكانية

3-1-  الحديقة الإنجليزية

ابتدأت الرواية بمكان عام، هو الحديقة الإنجليزية- سأستعمل الحديقة الإنجليزية مجازا كمكان للملكوت الأرضي بمقابل الملكوت الإلهي الذي تنتهي إليه الأسماء- لتكون الصورة هكذا: الأرض بمقابل السماء، وما بينهما هو التكوينات للشخصيات العراقية التي عاشت جزء من حياتها في العراق وتعيش بقية حياتها في لندن- ثم تغور الرواية بنا في تركيبة مجموعة من البشر مبهمة إلا من شذرات توصيفية عامة لهم، حتى لتحسب أن هذه الرواية قد لملمت شتات الشخصيات الإشكالية والموزعة بين بغداد ولندن وقد دمج فيها العام بالخاص، الذاتي بالموضوعي. ففي الحديقة الإنجليزية وهي المكان المحايد العام والأخضر السمات والمقّنع، تبتدئ خيوط الرواية لتمتد أسبابها في المكان البغدادي وفي المكان الإنجليزي لتجمع المكانين في تداع فني يعمق إحساسنا بوجود تكوين غامض في الشخصية العراقية، ثم يفكك هذا الإحساس بأن تدع الشخصيات تعيش حياتها من جديد محاولة للخلاص من ثقل الماضي، بما فيهم الآباء. نحن في حيادية حديقة إنجليزية واقعية ورمزية، تحتضن جوقة روائية تحكي قصصا متداخلة زرعت في هذه الحديقة أحداثها، بعضها تحمله من الخمسينات والستينات أتت به إلى هنا على هيأة رواية لم تكتمل بعد أو البومات صور أو بقايا حب أو اسقاطات مادية وجنسية، والبعض الأخر حدث أثناء الهجرة إليها حين تبدلت العلاقات وسحب كل شخص زوجة غريمه من فراشها، فبدت وكأنها هايد بارك بلافتات متفاوتة الطول والجذور، ثم وجدت هذه الشخصيات نفسها بين أن تتجذر في هذه الحديقة ومن ثم تندمج كليا في ثقافتها ،ساحبة خلفها تاريخها العراق، أو أن تعيد ليلاها العراقي فتعيد تشكيل أحداثها السياسية تمهيدا للعيش مع مرحلة ما بعد عام 2003، أو لتندمج بوهج الحديقة الإلهية عند محيي الدين بن عربي. فالحديقة الأنجليزية لا ترفض أحداً،ولا تتبنى أحدا أيضا، أنها تعيد تشكيل ذات من يعايشها بما يجعله مع محتويات الحديقة الكوسموبوليتية التي تتجمع فيها ألوان الزرع المختلف المناشيء والأعراق والأفكار، فتصبح حديقة كونية يعاد فيها تشكيل المصائر البشرية لمختلف القوميات والأديان والأفكار. لذلك، ليس من السهولة التعامل مع أشجارها المختلفة المنشأ إلا متى ما شعرت أنها تُسقى بالمياة نفسها، وتتغذى من التربة نفسها، وتلقي بشذاها على كل العابرين والمقيمين بنفسها. وهذا شيء لا يبدو سهل الحدوث في المدينة الغربية، فالأحداث التي تجري في الرواية لا تشير إلى أن الحديقة ستتقبلهم على علاتهم، ربما هذه الشحنة المكانية الخضراء، في مجتمعات لم تتعارف جيدا على بعضها البعض إلا من خلال موجات الهجرة القسرية إليها أو أحتلالها العسكري لبلداننا،لن تكون خضراء نقية، فقد تكون رمادية أو بيضاء، فتحت سطهحا الظاهري ثمة دراما عنيفة وقاسية عندئذ ستفصل تدريجيا بين المهاجرين وسكان البلد الأصليين. نحن في إخضرار حديقة راسخة يأخذنا إليها لؤي عبد الأله ويخرجنا منها، دون أن تكون قد غابت أو حضرت في مدوناتنا اللاحقة،أنها أشبه بالمطهر الذي علينا أن نمر به يوميا،لأن الأمكنة الراسخة مشحونة بالأغتراب والعزلة والوحدة، وليس من السهل التعرف على خصائصها إلا بعد معاشرة طويلة، وقد لا نجد فرصة لفهمها، ربما يدعونا الموقف إلى أن نهرب إلى بيوتنا للتعويض حينما نسترجع قضايا حدثت في الماضي ، وهذا ما يحدث في الرواية. لأننا لم نكن مهيأين لفهم جدليتها العميقة، فالشخصيات العراقية فهمتها بأنها طاقة مباحة للجميع يمكن أن تكتب فيها رعويات رومانسية في حين أن لحداثة المدينة الغربية أنيابا قاسية وشديدة البأس إذا لم نكن مستعدين لفهمها.

تبدأ أوليات الأحداث خارج البيوت في الحدائق والبارات والأسواق، ثم تنضج في الأمكنة الضيقة وغرف النوم، وتحت تأثير النبيذ الأحمر، ثم تصل بنا إلى الذوبان الكلي في الألهي، من هنا تصبح الرواية مراوحة سردية بين أفعال مستحضرة من الذاكرة خاصة ما حدث منها في بغداد خلال الأعوام الأربعين الماضية وبين سياقات حديثة تنمو في أمكنة ضيقة، هي بارات وبيوت لندن المحشوة بالناس والصور والمخدرات والموسيقى،أو تبني بيتها الروائي في المخيلة الروحية والأحلام التي تعيد تكوين الأشياء والأسماء ضمن ممكنات إتحادها بالإله، وبإندماج هذه الأمكنة المفترقة يُستدعى العراق جملة وتفصيلا، بمحلاته، وبيوته، وسلطاته، وملوكه، وحكامه، ومحاكمه، وسجونه، ومشانقه، وموبقاته. وتُستدعى لندن بما فيها من صخب وعزلة وأفكار واستقرار وأماكن حسم للأمور القلقة، ليؤسس مكانا روائيا ثالثا يلغي المكانين السابقين،هو المتاهة الجسدية / النفسية، بعد أن يصهرهما في الوجود المطلق لكينونة أشخاص عاشوا تجارب متضاربة وفهموا الحياة المتناقضة وشاهدوا إعدامات في ساحة التحرير ومطاردات وحب وملاحقات وسجون وأغتصاب، هذا المكان الثالث هو حصيلة جدلية لتلك الأمكنة القلقة التي تتداخل فيها الممارسات الجنسية، بالمواقف الثورية، وبأحلام عودة النضال، والرغبة في كتابة رواية عما حدث. ثمة رغبة حقيقية لدى المؤلف بأن يعيد تفعيل هذه الكيانات الهشة ويصهرها ثانية  في حداثة المدينة الغربية ليُحيي فيها قواها الداخلية التي هدمتها المدينة العراقية، يطالعنا المؤلف ببناء سياق تجديدي يجمع بين كتابة لاواعية مقترنة بلوحات سيزان التي تبدو كتلها مهشمة من الخارج لكنها ببنية متماسكة داخليا ، ليدلنا على كل الأصوات الدفينة في هذه التشكيلة الجديدة، وبطرق فنية هي الأخرى تدمج بين السرد والمنولوج الداخلي،وبممارسات لا تكتمل إلا بمثل هذا الأنين العميق عن العلاقة، الجنس، الزواج، اللغة،المشاركة،وتلقيح الثقافة بمصادر ثقافة أخرى،الحوار الصوفي الباطني والبحث عن أسئلة الوجود،الإندماج في بعد صوفي للملكات العقلية والفكرية كي تضيع الفواصل بين الذات والأله، وهذا هو بيت القصيد؛ تكوين بنية جديدة في الحديقة الأنجليزية الخضراء تقوم على أنقاض العلاقات الأسرية السابقة، فقد تستبدل بيداء، عبدل بصالح، كما إستبدل عبدل جوانا ببيداء،وأستبدل المبدع بعد موته “حياة” بالهدايا، نحن إذن في عزف موسيقي لا يستقر على جذر محدد، ولا تعزف مقطوعاته بآلة موسيقية واحدة، نحن نستمع لموسيقى درامية مشبعة بالمفارقات، تأتي ألينا عبر فضاءات بغداد الخمسينات والستينات معلمة بتواريخ حاسمة وبنضالات مشتته ووعود بأن يكون العراق جديدا بأحلام صالح وسلمى وشهرزاد وبيداء وعبدل ممتزجة، بأيام المس بيل وبيرسي كوكس والملك فيصل الأول، وصولا للمرحلة الحاضرة وهي تدمج بين عراقيين لم يتخلوا بعد عن مسهم الجنوني بالعراق عبر المصاهرة والعمل واللغة والمهجر.. من هنا تطرح رؤية  لؤي تأثير المكان الغربي بكل أبعادة وانشغالاته على العراقيين،كي ينقذهم مرة أخرى من ثقافة مدينة ما تزال قائمة على التقاليد القديمة،ليسكنهم في مطهر دانتي العراقي الذي احتوى فيها حروب حطين والقدس ودمشق وولاة العثمانيين وشطحات الصوفية. ولعلها الرواية الثالثة – التي أقرأها- بعد رواية، “المؤمل والمرتجى” لغائب طعمة فرمان ورواية  ” سواقي القلوب” لأنعام كجه جي ” التي تعرفنا من الداخل على المجتمع الأوربي، موسكو غائب- باريس انعام- ولندن لؤي-،  بمجسات إنسانية مختلطة الجذور والإنتماء، فالكيفية التي يتشكل فيه الحدث العراقي في المكان الغربي، هي جوهر مخيلة كتابنا  في المهجر وهم  يكتبون نصوصهم هنا.

ضمن هذا المكان الرمزي والواقعي يسرد علينا لؤي عبد الإله حيوات شخصياته وهي تحب وتعشق وتختلف وتسافر وتستعيد متداخلة مع الشخصيات الإنجليزية في لحمة مشتركة؛ مرضا وغناء وفوتوغراف وعشقا وعربدة ومخدرات وجنسا وحياة يومية، وكأن الحديقة الإنجليزية خصصت لمثل هذه الأشجار المختلفة المنبت لتؤلف سياقاً يستقر فيه البشر كاستقرار الطير، حياة جديدة قادرة على أن تكون في كل الأمكنة عبر تاريخ التداخل على أرض الواقع وبين الأسماء الإلهية والممكنات، فيصبح الموت حياة، والحياة تواصلا مع الأقدمين، وتتحول السياقات الشعبية في الحديث عن الماضي إلى سياقات فكرية  سياسية مطعمة بوشيجة العلاقة والجيرة واللغة والإهتمامات، فكانت الحديقة والمقهى والبيت والأسواق أمكنة تلملم شتات المواقف وتصهرها في بوتقة البيت الإنجليزي ، ثم لتدمجهما بوحدة كونية ولغوية هي الممكنات الألهية.

كي تصل الرواية بنا إلى لملمة هذا التشتت من جديد تعود شهرزاد ثانية لممارسة الطب بعد إحباط علاقتها بصالح، ويعود صالح ليكتب روايته من جديد عن المبدع  وحياة بعد أن مزقتها شهرزاد عندما اكتشفت خيانته لها مع بيداء، وتهرب بيداء من بيتها مدعية السفر إلى إهلها في بغداد تائهة في شعاب المدينة وقطاراتها وألوانها مندمجة بذلك الحلم الطويل الذي لخص لها كل حياتها مع عبدل وخارجه وها هي تدق أبوابا في الوهم وفي الذاكرة لتعود ثانية إلى المستشفى تحت صدمة أخطائها، وفي ذاكرتها تلك المرأة الأسيوية التي دهسها قطار الأنفاق في إحدى محطات المترو في لندن،كما لو كانت هي المرأة الشرقية التي تدفعها اشكالياتها إلى الإنتحار دون أن يأتي القطار على وجهها الأسيوي، كل ذلك يأتينا بطريقة انسياب لغة فنان ماهر مقتدر بدقيق العبارة وباجادته لفن التخلص بالمواقف المفترقة والمحتدمة، وبشفافية السبك اللغوي،ونعومة السرد، كاشفا عن مستويات في السردية لم تظهر لولا هذا القِدرْ الذي يغلي بأحداث العراق وأسئلته  المصيرية.

3-2-  نحن في حديقة ريجنت بارك بالقرب من سكن الشخصية عبدل،- تحضر كلمة “الحديقة” في الرواية 27 مرة- مما يعني أنها تشكل مفردة مهيمنة في الرواية- عندما يرى سيدة في متقبل العمر تسرح بكلبها الجميل وتدندن بأغنية وسط مطر لندني لايحجب سماء أو إخضرارا – لا كما أحدثه  المطر اللندني في بدر شاكر السياب عندما حول السياب الضباب والمطر إلى عماء كوني يوصد عليه الأبواب-  لؤي عبد الأله يستجيب لهذا الجو ويحببه إلينا، لا بل يجعل منه لازمة لكل شخصية تمر بأزمة، كما هو عند بيداء وشهرزاد كي يفتح به مسامات الروح لأستقبال هذا المطر، ووسط ابتسامة ونظرة وتحية من جوانا، تنتهي المحاورة بينهما بلقاء ببار قريب، سينفتح  اللقاء لاحقا على الشارع والمقهى والمطعم وغرفة النوم والنفس. وإذ تبتدئ الرواية بالحديقة تنتهي في حديقة متخيلة مستدعاة من الجنة التي سكنتها الأسماء ، ولكن هذه المرة في تصور الراوي، الذي يعيد قصة موت الطفل سليم، الذي مات في منتصف الرواية، تاركا أمه في دوامة البحث عن سؤالها فهو بالنسبة لها مكان مرآتها التي تجلو نفسها بها، ولما فقدته إختلت موازينها فسقطت في أحظان العشيق صالح، ثم تهرب منه ومن بيتها وزوجها وكل ما جمعته في لندن ضائعة في ملكوت الأنفاق والصور والغياب. فبعد أن سرد لنا الروائي تاريخ محي الدين بن عربي والحروب التي مرت على الشام وفلسطين مستدعيا بيداء في غربتها بعد هربها من بيتها ودورانها المصيري في أنفاق وباصات لندن، وعبدل وهو ينظر لأطفالة بوهم الغربة، وصالح الذي مزقت شهرزاد روايته التي يروي فيها أخر حلقات الصراع بين ناظم كزار وصدام حسين وما حدث للسيارات المتجهة لأيران وهي تحمل وزير الدفاع والداخلية، كما يصور كل مالاقاه محيي الدين بن عربي من وله “نظام” وهو في العشق أو تداخل الأسماء بين  الدولة الدمشقية وما سببته الحروب الصليبية في المنطقة، لتنفرش جميعها على شاشة الحديقة الإنجليزية وغرف لندن وجلسات الشلة العراقية مروية خلال ألبوم صور تتجمع فيه المشانق التي نصبت للوصي مع العائلة المالكة القتيلة، مع صور الدراسة، وصور وشم الحب وموت الأعمام والأخوال،وصور المعدومين بعد انقلاب 1968، وصور التعذيب للسياسيين العراقيين وصورإسقاط النساء جنسيا ثم متابعتهن وهن في لندن، وصور الممارسات تحت الأسرة وفي أسرة النوم بطريقة الذوبان الكلي، وحيثيات الرواية التي  يكتبها صالح لم تكتمل عن النظام السابق،وطريقة تمزيق شهرزاد لهذه الرواية تاركة له بعض الأوراق وكأنها حلقة لا يمكن أن تنتهي بموت النظام، إذ ما يزال ثمة أمل بأن يعاود صالح كتابة الرواية فأحداثها لم تكتمل وبيداء وشهرزاد وهن من أسرة واحدة لم يكتمل دورهما فيها بعد، هذه المدينة التي ستكتب فيها الرواية الجديدة هي نفسها المدينة التي ستحدث صدمة كبيرة بما تملكه من أمكانية تغيير مستمر في بنية الشخصيات. فالمصاهرة بين إنجلترا والعراق في نهاية الخمسينات وحتى أواخر هذا القرن يجعلنا نطمئن إلى أن رؤية فنية جديدة ستلملم المشهد العراقي المشتت بين المدن والعواصم والبلدان وبين ما يمكن أن نتصوره ونحن ننتقل بعد الحرب الايرانية العراقية إلى عوالم جديدة ترسمها الرغبة بالعودة ثانية إلى قميص جيفارا وسترة ماوتسي تونغ وحرب الأهوار والهروب من السجون وفشل ونجاح  الوطنيين وهم يعملون على أرض الواقع، ستعيد إلينا هذه الرؤية الجديدة الأمل بوجود نمط آخر من الشخصيات يقوم على أنقاض الشخصيات القديمة وأفكارها، هذه الرؤية لقصاص مشبع بالروح العراقي وهو يعيش تجاذبات زمانية لن يبني شخصية عراقية دون عمق ولن يجعلها تضيع أيضا وسط أصوات نشاز،وأصوات مستعارة، وأصوات لا تغني، وأصوات الدين والطائفة والقومية والنهب. هؤلاء جميعا وهم يعيشون اخضرار الحديقة الإنجليزية، عليهم أن يحسنوا ترتيب بيوتهم من جديد، دون أن ينسلخوا عن أزمنتهم القديمة.

3-3- تلملم الرواية شظايا العراقيين المفترقة بين البلدان والأسرة والسجون والأبناء والعلاقات والرغبات المحبطة والشاذة والصادقة، وتصهرها في رواية تفتح نافذة عريضة على المجتمع وفئاته وأفكاره وما حدث فيه، ولن تغلقها أبداً إلا بعد ضياعها وتشتت أسمائها وفقدانها بوصلة الإنسجام. فالحياة الحديثة في أوربا تنطوي على قدر كبير من إمكانية أعادة تشكيل الشخصية من جديد، وفي الوقت نفسه تنطوي على قدر كبير أيضاً من التدمير للحلقات الضعيفة في بنية هذه الشخصية، ومن هنا يكون الصراع  متمحوراً في الممكنات اليومية وبأشكال عابرة وبسيطة، وليس في المطلقات الكبيرة، لأن الحياة الحديثة لا تحتاج نظريات معقدة ولا تقنيات على مستوى وجود الشخصيات يوميا، فذلك من شأن العلماء والفلاسفة، إن التعقيد يكمن في الممارسات اليومية البسيطة، التي لا توجد لها حلولاً، ومن هنا تتحول الشخصية التي لا تنسجم مع حداثة المدينة الغربية إلى عدوة نفسها، وأول ضحاياها جسدها، لأنها ستكون مقيدة بحاجاته وغير قادرة نفسيا أن تنقل أقدامها خطوة باتجاه ترميم ذاتها. فالمدينة الغربية ولما تمتلكه من قدرات ثقافية ومادية وحداثة تجدها في الأسواق والبيوت والحرية الجنسية وأمكانية أن تكتب دون قيود،لكن هذه الفوضى التي تعيشها الشخصيات لابد لها من مثال منقذ يعيد توازنها، فاخترع المؤلف لها ممكنات محي الدين بن عربي لتلجأ إليه أسماؤها لتندمج في وحدة كونية تبقى حية للأبد، علما أن المدينة الأوربية هي الآخرى لا تنمو دون هذا الإله الكامن في أحشائها، فكيف إذا كانت الشخصيات آتية من مجتمع شرقي تكون الإرادة الإلهية هي المتحكمة فيه بالحداثة؟. من هنا تبدو المفارقة في تصميم بنية الشخصيات نفسها، التي جاءت لندن كي تعيد ترميم ذاتها لكنها تجد نفسها في دوامة تدميرأعماقها، لأنها عاشت لا كما ينبغي أن تكون الحياة متوازنة، بل عاشت في جمع من أخطاء متراكمة ومخلة بتكوينها فما كان من المؤلف إلا أن يسارع لالقائها في وهج الصوفية مقترحا لها لعبة الأسماء والممكنات في الفتوحات المكية عند محيي الدين بن عربي،معتمدا طريقة السرد الدائرية التي تحولت هي الأخرى إلى أسلوب مركزي للرواية  يجمع فيه أقسامها الأثنا عشرة كي يتمكن من تدوير الشخصيات في أزمنتها وأحداثها القديمة والحاضرة وفي سيرورة حلقات تتوالد مستمرة بتغذية بنية الشخصية والرواية معاً، وهكذا ثمة دوران بين ماضي الشخصية وحاضرها ينتج تغييرات مستمرة في قراراتها وتصوراتها وأفكارها وبنية مشاعرها، يتداخل في هذا الدوران الواقع المعاش بالأحلام التي أصبحت في هذه الرواية واقعا آخر- عدد كلمة الحلم ومشتقاته بلغت في الرواية 171 مرة- ويشكل  الحلم سريدا سياقا آخر يسير بجنب السياق الواقعي ولذلك تجد بيداء أكثر الشخصيات تشظيا بين الواقع والحلم- هذا الواقع يسير بجنب الوقائع اليومية لتغذيها ورسم الدوائرالعميقة لها التي  يخلط فيها، المتخيل بالواقعي، الرمزي بالإيقوني. وعندما تنتهي من قراءة الرواية لن تجد شخصية بقيت على سجيتها أو مواقفها القديمة، كما لن تجد شخصية ما قد تحررت كليا مما كانت  عليه، فالكل قد تحرك باتجاه بقعة غامضة من المصائر،لأن فهمها للمدينة الغربية وما تنطوي عليه من تعقيدات، لم يكن فهما جدليا بل كان الفهم سطحيا ولمجرد الانتقال من مدينة شرقية إلى مدينة غربية دون أن يعني مثل هذا الإنتقال الاستعداد النفسي لتقبل حداثة لم تألفها الشخصية. نحن قوم لم نكتب ملحمتنا بعد، هذا ما تؤشر إليه الرواية التي تضع أقدامنا على عتبة مضيئة في هذا الطريق، التي سترصد بفنية عالية كل ما إختلج في نفوسنا وفي مصائرنا وفي قدراتنا ، رواية لم اقرأ- حسب قراءاتي المتواضعة – نشيداً مثل نشيدها الدرامي منذ ” النخلة والجيران”  و”الرجع البعيد” و” آخر الملائكة”.

 

4

البنية الفنية

سنتتبع في البنية الفنية عناصر بنية الرواية،في معطيات الحديقة الإنجليزية، وفي تأملات محيي الدين بن عربي وهو يعود بنا إلى دمشق كمعادل موضوعي عن بغداد، وإلى الأسماء كملاذ صوفي لعدم فقدان الموتى الذين فقدوا وكملجأ صوفي للعشق ممثلا بالفتاة الدمشقية نظام والعاشق محيي الدين، هذا التكوين المختلط والواقعي هو الملاذ الجدلي للسيرورة الجديدة التي نشأت بعد أن تهدمت كل قوائم الاسر والشخصيات في لندن. أملا في أن نجد مكونات الرؤية التي أشرنا إليها في الصفحات السابقة والتي تتلخص بأن الرواية تعيد تشكيل مجموعة من العراقيين المهاجرين إلى لندن بصياغة وجودية مغايرة لما سبق وأن عاشوه، بالرغم من أن ماضيهم ما يزال عالقا بأثوابهم ،وفي الوقت نفسه ثمة خطوات جديدة تنقلهم إلى أن يتحولوا إلى الممكنات الألهية كنوى دائمة الحضور من خلال تصور صوفي يصبح الإنسان مُجلي مرآة الأله، هذا السياق الجدلي لن يكون رغبة الشخصيات وحدها، بقدرما كان تشكيلات بنيوية توفرت عليها الرواية كتصور واقعي ينقذ الشخصيات من أدرانها التي علقت بها ويصيّرها طيورا في جنان الله.

 

4-1- العنوان

يعتبر عنوان الرواية العتبة الأولى لعالم النص فهو الفاصل بين ماقبل النص ومابعده، مرورا بالنص نفسه، ولذلك يؤلف العنوان سياقا مركبا، فهو:

أولا، حدد العنوان بثلاث كلمات وهذا يعني أنه كثرة، وفيه ما يمكن طرح مفردة منه على أخرى، فتنشأ علاقات بنيوية بين الكلمات هي في صلب محتوى رواية.” كوميديا الحب الألهي”- يحضر لفظ لكوميديا في الرواية 2 مرتين فقط- ويحضر الحب 36 مرة، والإلهي 27 مرة،- وهذا العدد لا يشكل مهيمنات أسلوبية فقط،بل ويكوّن مدخلا آمناً للرواية . فلكل كلمة فيه تفسيراتها وإحالاتها الفكرية الخاصة بها وبغيرها، وأول صورة للعلاقة بين المفردات الثلاث أننا إزاء مفارقة.

ثانيا، أن العنوان  لا يعطي تصورا كاملاً عن فكرة الرواية غير أنه يحيلنا إلى الكوميديا الإلهية لدانتي، ورواية مائة عام من العزلة لماركيز، فما يحدث في الرواية هو إعادة تشكيل للحياة من جديد بعد أن تمر الشخصيات بأخطاء قاتلة، فالعلاقة بين الحب والإله علاقة تحددها أفكار بشرية وليس علاقات جسدية، ليصبح الجسد روحا محلقة في سماوات العالم العلوي،هل ثمة ريميديوس جديدة- بصورة بيداء-  يحاول لؤي خلقها من واقعنا العراقي؟ ربما فالرواية هذه نافذة ممتلئة بأحلام اليقظة الشعرية حيث المكان يخلق صورا لا حد لجماليتها.. فالكوميديا كفعل بشري يرتبط  مفهومها  ” بفعل مشترك فيه شيء من المرح  بين جماعة من الناس في بنية متشابكة من المفارقات والمتناقضات والمفاجآت التي تكشف عن طبائع الناس، وعادات المجتمع، ونقائض الحياة، بطريقة نقدية ساخرة ودعابة محببة، وتنتهي نهاية سعيدة(…) بحيث تصبح صورة معبرة وصادقة عن حياة المجتمع والناس”. وهذا التعريف الأصطلاحي للكوميديا لا يمت بصلة لكوميديا دانتي،ولا لكوميديا لؤي، لذلك فالمفارقة القائمة في العنوان تولد السخرية المبطنة على ما يحدث للشخصيات وهي ترتكب جرائمها الفكرية والجسدية، وهذا شيء يبدو لنا سيلازم كل التركيبة الروائية من أحداث وشخصيات ومواقف وحتى البيئة والأمكنة.

أما مفردة ” الحب التي تستدعي الإلوهية لتوصيفها،- يحضر الحب 36 مرة في الرواية- والسرير 28 مرة، وهما على علاقة مكانية بالفعل الجسدي، تتحول مفردة الحب في السريرإلى شيء مغايرعما نعرفه عن الحب، أنه في الرواية مزيج من تصور بشري / كوميدي، يتحول من الثقافي إلى غطاء للدنس الروحي، وإلى البحث عن المصائر المشوهة، صالح/ شهرزاد، المبدع/ حياة، كل الشخصيات تمارس الحب المشوه وهي على علاقة ما بأكثر من إنسان، فتبدو كيانات هشة،هي مزيج من الوهم والحقيقة، فيحيلنا العنوان الى مدخل مخاتل للنص، يوحي من جهة بالفعل العاطفي اندماج الجسدين،صالح/ شهرزاد، صالح / بيداء، ومن جهة أخرى يتنكر له بالرفض الجسدي،بيداء/ صالح، بيداء/ عبدل، لينتهي بصياغة موضوع الإندماج بالممكنات التي تزيح قشرة الواقع عنها،لذلك فالإنسان العاشق ليس مقصودا لذاته، بقدر ما كان مجسا لكشف دواخله القلقة وهي تتحول من سكونيتها القديمة إلى حركة مثقلة بالأخطاء.

أما كلمة الالهي فتضفي على الكوميديا والحب، شطحات من الـتأويل الصوفي والغريزي معا، ولذلك لا نركن للعنوان بأن يجيبنا على تسؤلات الرواية أو يلخص لنا الرواية، بقدرما يكون جامعا قلقا لأقسامها. إنه ذلك المدخل السري الذي يستبطن المطلقات الثلاث: الحب، الله،الكوميديا، كي يرسم لنا طريقا ثالثا هو التراجيديا الكوميدية لمجموعة إشكالية، وفي لندن إكتشفت هذه المجموعة أنها عاجزة على المواصلة إن هي بقيت بتلك العلاقات القديمة أو الجديدة المنسجمة وروح المدينة الغربية، وعليها كي تتحرر من ماضيها  وحاضرها، أن تنطلق بكامل عنفوانها متحررة من الأثنين ولتدوين تجربتها، إما بالأمتناع عن الممارسة الجنسية، أو بتربية الأطفال، أو بكتابة رواية ، أو بالعودة لممارسة الأعمال،أو بتتبع روايتها في هذا النص الذي بين أيدينا   وهي تحتضن في شرنقتها كل الإحتمالات، لكنها وهي تحاول ذلك تزيد من أخطائها، فيتطلب الأمر مطهرا جديدا موازيا لمطهر دانتي في الكوميديا الألهية. ويبدو أن مثل هذا العنوان يصنع الشك أكثر مما يصنع التفسير. وعلينا ونحن نجتاز عتبة  العنوان أن نكون حذرين، بأن ما سنقرأه هو كوميديا بشرية تدعي التقرب لله عن طريق الحب ، فالعنوان يشكل عتبة اللاداخل واللاخارج معاً، لأن كل مفردات زمانية.

 

4-2- القوس الأول

تبتدئ الرواية  بعد عتبة العنوان بمقدمة صغيرة، اعتبرها العتبة الثانية للدخول إلى الرواية، يتحدث الكاتب فيها عن رؤية محي الدين بن عربي- يحضر محيي في الرواية 14 مرة –  هذه الرؤية متكونة من” أن عناصرالعالم قبل ظهورها إلى الوجود كانت جاثمة كممكنات في العماء، حيث يفصلها عن الذات برزخ الأسماء الإلهية، في ذلك السكون الأبدي كان الشوق يسكن ممكنات الوجود للتحررمن ظلمات العدم واكتساء حلة الوجود (….) عبر حكاية رمزية يخبرنا الشيخ الأكبر عن ذلك اللقاء الذي جرى بين الأسماء الإلهية والممكنات.” ونتأمل مفردات هذه المقدمة نجدها تنحصر بـ : عناصر- وجود- ممكنات- عماء- ذات- الأسماء الإلهية – التحرر -ظلمات- عدم- حلة الوجود. سنجد ثمان مفردات من بين عشر كلمات هي مفردات مكانية. ولذلك ترسي العتبة الثانية بنا إلى الواقع، والى التجربة بعدما أخذنا العنوان إلى الفكرة المطلقة للحب.

لا أعتبر هذه المقدمة المكثفة التي يتحدث فيها القاص عن تداخل الأسماء والممكنات، استهلالاً للرواية، بقد ما تكون هذه الشذرات قد فتحت لنا قوسا كبيراً قبل أن ندخل الرواية، وسيكون الفصل الأخير من الرواية، والمعنون “الأسماء الإلهية 2” هو القوس الكبير الآخرالذي سيغلق علينا الرواية. أما الرواية نفسها فتقع بين هذين القوسين الكبيرين. ومن الكلمات التي ابتدأت بها الرواية يضعنا المؤلف في سياق مبهم وهو يحرر ممكنات الوجود من ظلمات العماء، كي تكتسي حلة الوجود، بهذه الدرامية الجدلية يدخلنا لؤي إلى بنية روائية ليس من السهولة التعامل العادي معها، سنجد الشخصيات كلها دون استثناء واقعة بين فعلي امكانية التحرر من العماء والإنطلاق إلى الوجود، وفعل البقاء ضمن العماء، والعودة ثانية للمكون.

3- المتن الروائي

العتبة المبهمة الثالثة ونحن ندخل عالم الرواية بأقسامها الأثنا عشر، وكأنها أشهر السنة  الميلادية – تقترب صفحات الرواية  360 من عدد أيام السنة أيضاً- هي، الأقسام التي تبني بيتها بين لندن وبغداد – تحضر لندن في الرواية 66 مرة، وبغداد 50 مرة-  ونجدها الأكثر حضورا في : القسم  الثاني والثانث والرابع والخامس و السادس والسابع و التاسع والحادي عشر، بينما الأقسام الأخرى إما مغايرة لسياق الرواية، وأما أنها تركيبة لا واعية لربط الأفعال الأرضية بالسماوية، وفي هذه التركيبة الشاملة لم يسم الكاتب أقسام روايته بالفصول، لأن الفصول تعني تسلسلا منضبطا لتتابع أحداثا معينة، في حين سماها أقساما لحياة مجموعة من الناس غير متجانسة كليا،يشملهم خيط واحد هو أنهم عراقيون، جاءوا لندن بعد كوارث وحروب ومضايقات وعليهم أن يبحثوا عن وجودهم من جديد فيعيدون تشكيل ذاوتهم بما يجعلهم أن يكونوا وحدة بشرية قادرة على الإستمرار، الأقسام في مثل هذه الحال هي الأقدرعلى لملمة مشاهد متباعدة يجمعها زمن متقارب وأعمار متجاورة وحيوات متداخلة سهلت المدينة الغربية على إقترابها أكثر. ما يلمح التقسيم إليه أن الأقسام الخاصة بالأسماء الإلهية هما القسمان العاشر والثاني عشر وهما قصيران، مجموع صفحاتهما 21 صفحة فقط،، والأقسام التي تحدث في العراق إثنان – أزرار ملونة 1 و2″ عدد صفحاتهما 44 صفحة، والأقسام الباقية التي تحدث في لندن  وبغداد معا، والمسماة بأسماء بيداء وصالح وشهرزاد والمبدع  وحياة، هي التي تسيدت بقية الصفحات و التي امتدت داخل الأقسام الأخرى مازجة بينها، أومستقلة .

لا تبدو في هذا المتن ثمة صلات جذرية بين الشخصيات وهذا يسهل معاينتها لتجميع فكرة شاملة عنها،لأنها عينات منتقاة من شرائج المجتمع، ولكن العينات تتشبث بأقل الأسباب لتخلق منها قرابة، وهذا ما حدث، فعلاقة شهرزاد ببيداء ابنة عمومة،أما بقية الأسماء لا نجد بينها أية قرابة، وهذا يعني أن بنية الأقسام تسك طريقا فرديا إلا من تداخل بين الأسماء في لحظات وبالأخص الثنائي بيداء/ عبدل وشهرزاد/صالح. و هذه الطريقة تدلنا بوضح على أن بيت الرواية ستسكنه شخصيات مختلفة الجذور والانتماءات بالرغم من تعامل الروائي معهم بوحد اسلوبية متشابهة.

يوحي الإنطباع العام لمثل هذا التقسيم أن ثمة وحدة أسلوبية مشتركة  كبيرة وواسعة تلملم بغداد ولندن، وداخل هذين المكانين الكبيرين، ثمة أمكنة صغيرة كثيرة استوعبت تقلبات الأحداث وطورتها وعمّدت السرد بمناخ وصور أغنت المشاعر الدفينة للشخصيات، فالروائي لا يتعامل مع الشخصية من خلال لسانها أو موقعها الآني فقط، بل ومن تجمع شتات لحظاتها في كل التواريخ لتصبها في بوتقة اللحظة الشعرية الآنية، فتأتي الصورة الكلية للمشهد عابرة أمكنتها السابقة ومستدعية أمكنتها الجديدة الأوسع، في هذا السياق النفسي / الواقعي تشحن الشخصية بشعرية اللحظة المكانية لتبدو أنها منسجمة مع ذاتها في تلقباتها وصحوها وخدرها وأحلامها،لذلك لا تشكل الأمكنة الكبيرة والصغيرة فواصل في حياة الشخصيات بقدر ما تكون متداخلة تغتني بلحظة استحضارها. والمهم في هذا التوزيع المكاني أن بعض الشخصيات أتت لندن وهي تحمل إرثها العراقي، وأخرى نشأت في لندن كي تمتد في ذلك الأرث، وتبقى الحلقة الوسطى دائرة بين مزج هذا المكان بذاك، حيث النص الروائي يعيد عن طريق هذه الحلقات الدائرية للسرد سوراته التي تحفر في الأمكنة  كلها فيكشف السرد عن مستويات نفسية ما كان لها أن تظهر لو سلك المؤلف سياقا سرديا بخط واحد. إذن أقسام الرواية وأن سميت بأسماء وحددت بعلامات هي تدفق شعري بفواصل سردية تمثل التفاصيل لجسد الرواية المكتمل.

نقطة أخرى أن متن الرواية لا يتشكل من خط العلاقات السردي بين الشخصيات، فثمة اسلوبية غاية في الجمالية كانت تعمق هذا الخط وتطوره وتوسع من ممكناته، تلك هي سردية الأحلام وقد حضرت في الرواية 66 مرة وسردية الكوابيس وقد حضرت في الرواية 12 مرة وسردية النوم وقد حضرت في الرواية 76 مرة وسردية الهواجس وقد حضرت في الرواية 17 مرة.

 

4- الاستهلال

يعيدنا الاستهلال ” أزرار ملونة 1″ إلى ثيمة التداعي الحر، وهي الطريقة  المعتمدة في كل أقسام الرواية مكان ما في لندن يستدعي أمكنة وأحداث ما في العراق، وهكذا حتى بدا التناوب بين المكانين طريقة عامة في سرد هذه الرواية، الشخصية فيها منقسمة بين الـ “هنا” والـ “هناك” ومن حدث بسيط تعيد تركيب أزمنة وأمكنة متباعدة ،ها هو في لندن يتجول في حديقة ريجنت بارك، يلمح امرأة شقراء تصطحب كلبها ” بيب” للتنزه، وبكلمات أعجاب قليلة يلتقي لاحقا بها في البارالقريب، وهناك يعيد تركيب أقسام الرواية، فيعود بنا لطفولته في المحلة البغدادية مع أسرة وأب صارم، ويسرد حادثة سرقته لأزرار ضيوف والده التي ستشكل عماد تحولاته اللاحقة، وعندما يكتشف والده صدفة هذه السرقة، يشتد غضبه، لكن الأبن يبرر ذلك بأنه سيبيعها، فيقسم الأب على تغيير اسم ابنه من عبد الوهّاب إلى عبد النهّاب، لكن القسم سرعان ما يجد من يحل عقدته فيتغير اسم بنه إلى عبدل، تاركا للأخرين حرية مناداته بعبد الوهاب أو عبد النهاب، سيشكل الأسمين تجذرا نفسيا في تركيبة عبدل لاحقا،فهو تارة يعود لطبيعته القديمة في العلاقات مع النساء فيغدو دون جوانا،وتارة يفكر بالإغتناء عن أي طريق يأتي،بما فيها مصادقته لبعد الرؤف المحتال، ستلازم هذه التركيبة الرواية وأقسامها كما تلازم حياة عبدل وأفكاره، فهو تارة عصامي ومثقف وإنساني رائع، وأخرى مراوغ وذكي ومتغير ومستسلم لرغبات بيداء بالانجاب، ومن هنا تشكل مسالة البيع والشراء ثيمة مركزية في تفكير وسلوك عبدل، وما وجوده في لندن إلا تأكيد لهذه الثيمة الدفينة في لاوعيه وسط تركيب شعوري خاص به منذ الطفولة بأنه سيكون الأفضل بين أخوته مستقبلاً. ومن غرف لندن وحديقة ريجنت بارك يعود ثانية وثالثة لجوانا وكلبها ثم إلى غرفة نومها بعد أمسية موسيقية صاخبة والأقتران بها لأربع سنوات، ومن هناك يستحضر بغداد وطفولته يوم عمل نجارا يكتنز النقود، ثم السفر إلى لندن بعد أن أسر إليه أحد المهاجرين بأحترام الدول الأوروبية المهاجرين ورعايتهم المادية والصحية. في هذه المداولة بين لندن وبغداد تتشكل شخصية عبدل،  لكن الأب يرى فيه صورة أخرى، صورة من يقربه لأصدقائه فيقترح عليه تزويجة ببيداء أبنة صديقه القديم، وبيداء هذه كما يصفها الراوي، واحدة من مقلقات البشر ، هيفاء ممتلئة بلون السمار العراقي وبغمازين جنسيين، إلا أن عبدل يفضل السفر مع وعد بالزواج من بيداء التي شكلت عنده هاجس الأرتباط المصيري، وها هو في لندن تتداخل حياته الدراسية مع جوانا مع صورة بيداء، وفور حصوله على الجنسية البريطانية يعود إلى بغداد مصطحبا بيداء معه، لتبقى معه أربعة أشهر دون زواج وسط بشائر حمل يحاولان أخفائه عن الشاهدين صالح وشهرزاد. في لندن يعيد تركيب الصور المتشظية لمستقبله، ها هو مع بيداء في البلدية لتوقيع عقد الزواج، وها هو مع صالح وشهرزاد في بيت شهرزاز الذي تصفه بيداء بالمتحف، لينتهي الاستهلال بمشهد مركب لا يمكن حدوثة إلا في أوروبا:  تنهض بيداء متأخرة قليلاً لتجد شهرزاد المتألقة بثوبها الزهري تجلس مع عبدل في الصالة،في حين يخرج صالح من غرفة نوم شهرزاد، كما لو كان زوجها، وهو الذي اعتقدته  بيداء أنه مصلح كهرباء أومريض من مرضى شهرزاد.

في أزرار هذا الاستهلال ألقى المؤلف كل نوى الرواية، فهو فصل دقيق البناء ومركب وشعري الإنتقالات، لعلني أقول أنه من أجمل ما قرأت من بنى الاستهلال للرواية الحديثة، سنجد أن كل نوى هذا الاستهلال متوسعة في أقسام الرواية اللاحقة وشخصياتها، وستعود كل هذه الثيمات الصغيرة  التي بثها في الاستهلال لتصبح اقساما وجزئيات وكليات، شيئان لم أجدهما في الاستهلال هما الأسماء الإلهية،وشخصية حياة والمبدع، وهي ما سوف يتشكل منها تصور عن خلود الحب،وعن استغلال النظام جنسيا للنساء السجينات، بالرغم من أن مقدمة صغيرة تقدمت الاستهلال تشير إلى أهمية كتاب الفتوحات المكية لأبن عربي، لا يمكننا أن نلحقها بالأستهلال باعتبارها عتبة قوس كبير يضع الرواية كلها أمامه.

5- مجتمع الرواية

عبر من كان المؤلف يريد توصيل خطابه ؟ لاشك أن إختياره للشخصيات وخلفياتهم وانتماءاتهم لم يكن اعتباطيا أوعشوائياً، وحتى لو تم لبعض الشخصيات فلن يكون ذلك للشخصيات الأساسية، وسنجد عبر مكونات مجتمع الرواية، أننا أمام شرائح أجتماعية متباينة الطبقات والإهتمامات والجذور، وهذا يعني أن النص الروائي سيكون شاملاً وعاماً وغير مختص بفئة أو جماعة محددة، بالرغم من إستعماله الأسماء والأحداث المشتركة، هذا المجتمع العريض يمثله الروائي بشريحة أو عينة منتقاة، فيها العامل “عبدل” وفيها الخياط والدة “صالح” وفيها السياسي “صالح” وفيها التاجر “سليم سلمان” وفيها المرأة التي استغلت جنسيا “حياة عارضة الجسد والموديل ” وفيها الجمال الذي يستغل “بيداء” وفيها المرابي “عبد الرؤوف” وفيها الطبيب “شهرزاد” وفيها الانجليزي الفقير “جوانا “وفيها المدرس” توماس”، وفيها الطلبة والأطفال،” سليم” نحن أمام شريحة متباعدة التجانس الوظيفي والعملي، لكن المدينة الأوروبية جمعتهم في بوتقتها،خاصة بين طريقتي شهرزاد وبيداء، واللتان تشكلان محورا تدور في فلكه بقية الأقمار.

فطبيعة المجتمع الذي اختاره الروائي كي يوصل لنا هدف الرواية نجده يتألف من خمس فئات أساسية هي- سنضع بجانب كل شخصية عدد المرات التي وردت في الرواية، وغايتنا من ذلك احتساب حضورها كقوة تهيمن على سياقت الرواية سلبا كان أم إيجاباً-.

الفئة الأولى، المجتمع المقيم: ويمثله جوانا، 37 مرة، وتوماس، 63 مرة، وسليم 143 مرة، وطلبة أكاديمية الفنون مرتان. معظم شخصيات هذا المجتمع منسلخون من ماضيهم: جوانا تعيش لوحدها بعد وفاة أمها، بعد انتهاء علاقتها بعبدل تعود لمزاولة لعبتها مع الكلب،توماس يسافر لعرض أعماله الفنية في أميركا تاركا حياة لطلبته،بعد أن أمضى معها سنتين، سليم الطفل المعوق يموت موتة غامضة ليترك أمه بيداء في حرية جسدية أكثر وشك مستديم.

الفئة الثانية، المجتمع المهاجر: ويمثله عبدل – 330 مرة، وبيداء 210 مرة، وصالح 233 مرة، وشهرزاد 186 مرة، وحياة 57 مرة، وسليم سلمان 4 مرات، وعبد الرؤوف 31 مرة. وهم عماد تشكيلات الرواية وبنيتها. تكوين هذه المجموعة هو عين الرواية ومحورها،وعبرهم تتجلى المدينة الغربية بكل تفاصيلها،شهرزاد تتنقل من عشيق إلى آخر، بيداء تحلم برجل يتعرف جيدا عن جسدها ونفسيتها، صالح ممتهن الجنس يكتب رواية عن خبرته في السياسة والجنس،عبدل انشغل بالبيت والعمل وتربية الأطفال والبحث عن المال، وسليم سلمان مجرد شبح لخلفية سياسية تحتل مكانا ضمن هذه التركيبة،وعبد الرؤف تاجر ومرابي، ومرتبط بجهات حكومية. المحور الأساس لهذا المجتمع هو الجسد في المدينة الغربية.

الفئة الثالثة، المجتمع الطارئ: ويمثله رواد البارات ومتنزهو الحدائق والموسيقيون،والأطباء،والأطفال، وسواق العربات والجيران وكل من يملأ مساحة بصرية في الطريق.ويشكل هؤلاء ديكورات الوجود الإنساني.وقاع المدينة الأسفل، والناس الذين يملأون الأرصفة والبارات ويغنون ويدخنون عندما يشربون اعينهم ترصد دائما حركة الغرباء وقلما نجد لهم حضورا ملفتا لكنها الشوارع  التي بدونهم تبدو فارغة هشة،فتفقد المدينة عنصرا مهما من مكوناتها وهؤلاء وحدهم يشكلون لحمة المدينة وعنصرها المرتخي.

الفئة الرابعة،المجتمع القديم: ويمثله الآباء،165 مرة والملوك13  مرة، والمس بيل5 مرات، والمبدع  64 مرة، والمعدومون في ساحة التحرير. ومعظم هؤلاء يستدعون من الذاكرة ولم يشكل حضورهم تغييرا مهما  لسياق الرواية لكنهم موجودون لغة وخلفية للحوار، بل أن المبدع يشكل في رواية صالح غير الكاملة العنصر الأساس الذي سيقيم عليه سردها، هؤلاء كانوا ظلال كهف أفلاطوني يمر من أمامنا كلما تحرك الزمن خطوة.

الفئة الخامسة، المجتمع المستعاد: ويمثله محي الدين بن عربي14 مرة، الرسام سيزان9 مرات، الرسامون 6 مرات،والموسيقيون 8 مرات. وهولاء مهمون جداً في قياس حركة تحول الشخصيات، يلازم بن عربي الروائي وعبدل ويمثل إطارا للرواية تبتدئ وتنهي به ، له سلطة روحيه يضغط بها على السرد كلما شذ عن قاعدته الأسرية، فيعيده إلى سياقه المعتاد. ويشكل سيزان طريقة في ضبط ايقاعية صالح وهو يكتب روايته التي يجدها بعد هجره لشهرزاد ممزقة الأوصال كما لو كانت نثار بقايا مضاجعة على مختلف الأمكنة البيتية.

ملاحظتان على مجتمع الرواية:

الملاحظة الأولى: أن الشخصيات العراقية بدأت تحتل المشهد الروائي الذي يكتبه الروائيون العراقيون في المهجر، وبينما أصبحت الشخصيات الأجنبية ثانوية أو مكملة للمشهد الروائي، وإن حضرت يكون حضورها أقل مما كانت تحضر في المشهد الثقافي القصصي والروائي للكتاب العراقيين الذين هاجروا قبل خمس عشرة أو عشرين سنة، وأن حضر بعضهم مثل توماس وجوانا في هذه الرواية، كان حضورهم جزئيا وفي قسم واحد منها.

الملاحظة الثانية :هي أن أمكنة هذه المجتمعات تتوزع بين لندن 66 مرة وبغداد 50 مرة. تمثل لندن ثقلا مكانيا وحضورا للزمن الحاضر الذي تبني الشخصية العراقية فيه مشهدها الروائي، وبلغتها المطعمة بمناخ المدينة الغربية، وبسياق حياتها الجديدة الذي يشكل نقلة في الأحساس والبنية والتصرف والسلوك والعمل، في حين تمثل بغداد الزمن الماضي،بمشهدها الروائي المنسحب للوراء،وبلغة الذكريات والعلاقات القديمة، وبشخصيات الآباء، فكان حضورها هامشياً وحياتها قريبة من نهايتها، كل آباء الشخصيات : بيداء وعبدل وصالح وشهرزاد وحياة، قد توفوا أثناء ما تبني الشخصيات العراقية مشهدها الخاص في الغرب. مجمل الملاحظتين، أن الكتاب العراقيين المهاجرين بدأوا بإنشاء بيتهم الروائي في الخارج الذي يشكل إمتدادا للبيت الداخلي، وضفة لتوسيع نهر الثقافة العراقية. فالثقافة العراقية بعد موجات الهجرة اصبحت لها ضفتان.

في سياق بنية مجتمع الرواية نجد أن خط الزمن الحاضرهو الذي تشتبك فيه كل الأحداث،فيتبادل فيه المقيمون والمهاجرون والطارئون حواراتهم وأفكارهم وحياتهم، فتنشأ علاقات صداقة وعمل وجيرة وجنس،وهو ما يشكل سدى الرواية ولحمتها. ففي خط الزمن الحاضرنجد الشخصيات تبحث عن وجودها الخاص، عن ذواتها،عن ما يميزها عن الآخرين، لم تكن قد استقرت على تكوين ثابت بعد، أنها تعيش حياة المدينة الغربية المال والجنس والعلم، لكنهم يواجهون مدينة قاسية تدفعهم دائما إلى التقوع أو الشللية، وهو ما حدث حيث ان كل علاقات بيداء/ عبدل تركزت مع شهرزاد/صالح، ولم نجد خروجا عن هذا الخط الضيق، كما تركزت علاقات حياة بالموديل والطلبة ثم العلاقة الجنسية مع توماس،فالمدينة تضغط على هذه الشخصيات بقوتها المادية فتجعل منهم هامشيون يفكرون دائما بما يحيط بهم،لم نجد ولا مرة أن ثمة تطلع أكبر من الطموحات الشخصية الصغيرة قد ظهر.. ما يلاحظ على شخصيات خط الحاضر، أنهم من جذور اجتماعية بسيطة، جوانا من أسرة فقيرة بسيطة، متوفاة الأم تعيش عزلتها، وعبدل من أسرة فقيرة عمل نجارا ثم تفنن بالعمل، صالح من أسرة فقيرة أعالته أمه الخياطة بعد وفاة والده، بيداء أبنة صديق والد عبدل من الفئة الاجتماعية نفسها، عبدل من الأسرة متوسطة الحال، وشهرزاء أيضا من أسرة مشابهة ابنة عم بيداء، رؤوف لوحده كان على علاقة بالبرجوازية والإقطاعية الملكية، وهذا أيضا لا يشكل رسوخا اقتصاديا كبيراً. البنية الإجتماعية  لهذه الفئات تتراوح بين الفئة الوسطى والفقيرة وفي مجمل تكوينها فئة وسطية، وعموم بنية هذه الفئة أن تكون تابعة لمتطلبات المدينة فكانت علاقاتها بالأسواق وتربية الأبناء والجنس،وهو ما يشكل عصب العلاقات غير المتكافأة.

أما خط الزمن الماضي ويشكل مصدرا للأحداث ومحركاً في الفكر والفلسفة، فهو يعين الشخصيات على تمثل الحاضر في ضوء الفلسفة والوجود والحب والروح، وكلها مواد لا يمكن الإستغناء عنها خاصة ونحن نتتبع سير الشخصيات وهي تنتقل من مجتمع شبه مغلق – العراق- إلى مجتمع علماني متحرر –انجلترا-، لكنها كلها في الماضي.  لذلك لابد من الروح كعامل كابح للشطحات والخلل ، وهوية هذا الماضي ما تزال مؤثرة في المجتمع المقيم، والمجتمع القديم، والمجتمع المستعاد،لكنها غير مستقرة على ثيمة واضحة، أنها جزء من تركيبة شخصيات لا تريد أن تتحرر كليا من ماضيها، بالرغم من إنسلاخ تدريجي منه، موت أب بيداء وأب عبدل،وقطع علاقة شهرزاد بأهلها،وانسلاخ حياة كليا منه،وارتباط الأطفال بالمدينة من خلال التعليم. مستوى شخصيات خط الماضي، جلهم أما من قادة الإحتلال الإنجليزي، المس بيل، 5 مرات وبيرسي كوكس- مرة واحدة-، وأما من ملوك العراق فيصل الأول -5 مرات- فيصل الثاني- مرتان- ، أو من رجال النظام السابق “المبدع”63 مرة وأما من الإنقلابيين، وإما من المستعاد حضورهم الفكري والثقافي، وكل هؤلاء يمثلون أرضية  فكرية مسلحة بالإحتلال وبالقوة لكنهم منسحبون من الماضي.

يمثل الخطان تصورا فكريا هو الدمج بين الفكر الأرضي والسماوي، في بنية جدلية كأن يكون للحب مصدره الروحي، وللروح مصدرها المادي البشري. ومادة هذا الدمج هو التغيير المستمر بالعلاقات والوظائف،ولذلك يكون استحضار محيي الدين بن عربي وسرد احداث الحروب الصلبيبية والعودة إلى عام 1129 الميلادي في دمشق بمثابة العودة الى تكوينات غائبة في لاوعي الشخصيات لينهضها الروائي كمعادل للإنهيارات الروحية والجسدية التي كان عليها مجتمع الرواية في المدينة الغربية.ثمة عالمان او حياتان تتلبس شخصيات الرواية، واحدة تقود للردى والأخرى تقود للحياة ص 283.

5-1خطوط متوازية

تعود قضية الإسم المزدوج لعبدل مقلقة عندما يفكر بالخروج من العراق ها هو يحمل جوازين بأسمين، وتعود قضية النهّاب ثانية لترافقه في لندن عندما قرر الطبيب احتسابه معوقاً،فتؤكد الشخصيتين فيه، وفي لندن يعود ثانية لمهنة النجارة، عائداً بحياته ثانية لرجينا وعاهرات ملهى الصفاء، يوم اشترى سيارة  عتيقة لنقل راقصات  ملهى الصفاء الليلي، كان يضاجع بعضهن في غرفة بيتهم العليا أو في السرداب، هذه الدوامة من التداخل والتخارج بين لندن وبغداد تمحي منه هوية التآلف مع المدينة،إنه ما يزال مشدودا إلى المدينتين، دواخله لم تتغير،ما تغير فيه هو زواجه، وعندما يثقل بالأسرة ومتطالبات الأبناء الثلاثة، يغض النظر عن مممارسات بيداء، حاول أكثر من مرة أن يصالح نفسه مع الآخرين إلا أنه يصطدم بحاجز عزلته ومتطلبات العيش والتفكير بالإغتناء،الآن هو خارج هذه الدائرة، فأبنه سليم قد مات بحادث القاء نفسه من نافذة البيت ،وبيداء قررت الخروج من البيت ، بعد أن كشف أمر علاقتها بصالح ، وعبد الرؤوف  الذي وضع مبلغا من المال في حسابة قد اختفى، والحساب الذي فتحه بأسمه قد أغلق،والنتيجة إنسحابه لداخله..

لم تكن علاقة عبدل بالمدينة عميقة بل علاقة هامشية، فقد وجدها مكانا لمواصلة صفاته كنهّاب وليس كمتعلم،وفمهمها كمكان لجوء يمكنه أن يعايش قشرتها وهو في لباسه القديم، كان طموحه أن يجد في المدينة نافذة لمواصلة مشروع بالإغتناء، لكنها أسقطته في وهم العلاقات العابرة، عندما وثق بالعلاقات القديمة بين بيداء وشهرزاد وصالح، فبقي يدور ضمن دائرة عبد الوهّاب/ عبد النهّاب دون أن يرتفع لمستوى متطلبات بيداء النفسية، شيئا فشيئا إنسحب عبدل إلى داخله مغلقا عليه أبواب الإتصال بأحد، فالعزلة هي المجال الذي سيمارس فيه المصالحة من جديد مع المدينة، بعد أن بقي طوال الرواية متجنبا الإنخراط فيها.، فما كانت من المدينة إلا أن مارست عليه عنفاً من نوع آخر، حينما لم ينتبه إلى قدرتها على سحق الحلقات الضعيفة عندما لا تساير تطورها، وها هو يتقوقع في البيت يواصل عمل النجارة ومداراة الأطفال،مغلقا الباب على أطفالة ومنسحبا إلى الداخل.

بالتأكيد ثمة نص مخفي في أحشاء عبدل لم يظهر بعد،سيستمر وجوده في المدينة ولكنه لن يسلك الطريق الذي سلكه معها يوم كانت بيداء موجودة،ثمة قطيعة ستوفرها له شخصيته الجديدة مع محيطه القديم.هذه القطيعة هي عودته ثانية  متجولا بصحبة أبنائه باحثا عن جوانا وكلبها.

أما بيداء الشخصية الأغنى في الرواية  الآتية من بيئة محافظة والمنتقلة لبيئة مفتوحة، تجد نفسها كأي امرأة عراقية تتطلع للحرية حتى خارج إطار بيت الزوجية، فالمدينة الغربية تمنحها طاقة أكثر للحرية، ولذلك انطلقت بسرعة لتعمق العلاقة مع شهرزاد وصديقها صالح، ثم لتجد نفسها منغمرة في جو رومانسي لم يستطع عبدل إحتواؤه خارج الفراش. وفي غمرة اندماجها بالمدينة لن تجد منفذاً لها غير الجسد، وها هي مع صالح تحت أسرة الأطفال وفي شقته تعيد ترتيب بناء ذاتها المهدمة، لكنها وهي تتبع نزواتها وجدت نفسها في عزلة وعليها أن تعيد توازنها بالهرب من واقعها.

تتجاذب شخصية بيداء ثلاث نساء متداخلة: الزوجة التي استجابت لعبدل بناء على وصية أمها، و الأم عندما أُثقلت بأربعة أبناء،و العشيقة المتوحدة، (*)عندما فتحت المدينة لها سبل التحرر. ومن الصعوبة أن تكون شخصية أتية من مدينة شرقية أن تستوعب مضاعفات هذه الشخصيات الثلاث في المدينة الحديثة، فتنهي روايتها في تجوال درامي بين صخب المدينة ودوران المرايا والأضواء، وشبح ابنها وإبيها في محطات المترو، وكأنها تكتشف لأول مرة أنها في مدينة المرايا، إنها في غيبوبة تهذي وهي تتنقل ففسح الركاب لها مجالا لأن تجلس بحرية، لكنها في كل محطة تركب المترو نفسه أو الحافلة نفسها لتدور بها في الأمكنة الموصلة بين بيتها وشقة صالح وشقة شهرزاد، تسيّرها قوى غامضة نحو مصير مجهول وكأنها تودعهم منطلقة نحو اتحادها بممكنات محيي الدين بن عربي، فإما العودة إلى المستشفى ومقابلة الطبيب الذي حاول ان يجلبها له، أو الجنون، أو الموت كالمرأة الآسيوية تحت عجلات المترو. ولكن تبقى ممسكة  بلعبة الكلب التي حبها إبنها سليم.

تكتشف بيداء لأول مرة نوافذ المدينة ومراياها، وأمطارها، ومحطاتها،فتلتحم معها في حميمية شعرية قلما وجدت في الرواية العربية سياقا بمثلها،وأثناء متاهتها في المدينة الكوموسبوليتية، تعود  بنا إلى شخصياتها الثلاث: حلما تعود إلى بغداد/ الماضي، ووجودا تعود كصورة أخرى لـ “نظام” عشيقة محيي الدين بن عربي، وحقيقة تعود إلى نفسها /الضياع.

أما صالح،فتلخصه عبارة سقراط ” الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تعاش”  هذه الشخصية التي شدت النساء إليها، مركب من شخصيات عدة، فهو من جذور فقيرة، أعالته أمه بعد وفاة والده بماكنة خياطة. لكنه يتخلى عن فقره بالإرتباط بأجهزة الدولة، يهاجر إلى لندن بعد فشل محاولة ناظم كزار لقتل البكر في المطار، يعيش بلندن في جو ممتلئ بالصمت، يكتب رواية عما حدث في العراق، يضمنها محاولة أغتيال البكر ويكتب أوراقا يضعها في ملفات عن آرائه بشهرزاد وبيداء شخصيات وجسد، لم تكتمل فصول الرواية بعد،حينما علمت شهرزاد عن طريق ابنتها ما شاهدته بين بيداء وصالح من عمل جنسي تحت سرير الأطفال ، تزور شقته بغيابه، تعثر على الرواية، تقرأ صفحات منها وتباشر بتمزيقها إلا من ورقة استقرت تحت السرير، كما تدمر أشياء الغرفة وسريره وملابسه.

يعود صالح للبيت فيجد الخراب قائما يحاول لملمة ما تناثر لكنه لم يستطع كتمان ضحكة عميقة في نفسه،أنه غير معني بما آلت إليه علاقته مع شهرزاد، تتحدث ملفاته الصفر التي لم تكتمل بعد عن علاقة “المبدع” ناظم كزار بصدام حسين ثم الهروب إلى إيران بوزيري الدفاع والداخلية والأم، ونزول الهليوكوبترات قاطعة عليهم الطريق لتقتاد “المبدع” لمنصة الإعدام، ووسط تداعياته يتذكر فيها المعدومون من الوطنيين في قصر النهاية وكيف تم دفنهم في مقبرة القصر ثم يحكي عن أنين هؤلاء المعدومين في الليل، فما كان منه إلا أن طلب من النائب إلى  دفنه معهم وكان قد طلب منه قبل ذلك تحويل المقبرة إلى حديقة مزروعة بالورود، ومع ذلك بقي الأنين يتواصل، كما تحكي أوراق صالح الصفراء عن لعبة الهيمنة على القلعة – قصر النهاية- فلن  يكون للقعلة العراقية إلا سلطان واحد، هذه الدوامة تترافق مع تدفق شعوري لشهرزاد” التي تكتشف دفتراً أزرقا صغيرا، في درج مكتب صالح، فتضعه في حقيبتها، هو نفسه الدفتر الأزرق الصغير ألذي أوصله سليم سلمان إلى عشيقة المبدع” حياة” في شقتها بلندن، وهو يؤمن شقته من الخراب الذي حلّ، يحاول أن يتصل ببيداء لكنه لن يعثر عليها، تخرج شهرزاد  من الشقة مخلفة  وراءها عشيقا رابعا ، بينما تبقى بيداء تحاول الإتصال بصالح طلبا لثمن تذكرة للسفر إلى بغداد.

لم يجد صالح في المدينة الغربية إلا مجالا لممارسة لعبته في الإيقاع بالنساء،ها هو يترك شهرزاد بعد أن ترك غيرها، وها هي تتركه وسط فرح ابنتها بعد أن تركت ثلاثة من قبله،فالمدينة الغربية لا تضع موانعا دينية أو أوراق عقود لتحد من حرية الشخصيات، ولذلك بدت الشخصيتان صالح وشهرزاد غير معنيتين بما جرى، سيجدان في اقرب فرصة مجالا للعودة إلى الطريق ذاته، فالمدينة لها اكثر من سبيل للوصول إلى التدمير الذاتي.

جمعت شخصية شهرزاد بين الثراء والتعليم العالي والسياسة والجمال والوظيفة فوالدها سياسي قديم ضربت مصالحه،وهي طبيبة متميزة في لندن،إضافة إلى ذلك تملك جمالاً متميزا وحرية شخصية ، فتجد نفسها في موقع  المتميز بين الجميع، تمارس رغبتها في الجنس مع أي شخص تجد فيه نموذجا يغذي مشاعرها،علاقتها بصالح هي العلاقة الرابعة، أنجبت من علاقة سابقة ابنتها هيلين، ولذلك وجدت ثمة إنسجام بينها وبين طبيعة المدينة بأن تكون سيدة مستقلة تفرض أحيانا شروطها في الجنس والمأكل والملبس والصداقة وحتى العطر،تتحول في الرواية إلى موقع جذب لكل الشخصيات، تكشف أولا أن علاقاتها المتعددة ليست إلا جزء من لعبة المدينة التي تحترم الحريات الشخصية، وتكشف عن أن تركيبة الرجال النفسية هي أن يكونوا معها لا أن تكون هي معهم، فثمة فاصل ما تضعه للعلاقة بإمكانها أن تقطعها بسهولة عندما يتعارض مع سياق حياتها، وتتخذ من حادثة بيداء مع صديقها صالح وخيانتها لها طريقة لفرض وجودها على مستويين، الأول أنها الوحيدة التي تمكنت من البحث في أوراق صالح وكشف مخلفاته التي دونها في ملفات وفي رواية لم تكتمل بعد، فعرته أمام نفسه بأنه شخص مرتبط بالنظام السابق، وهي ثانيا، باستطاعتها أن تغير العلاقة مع بيداء، ليس من خلال تمزيق صورتها وإنما من خلال إمكانية أن تعيد ترميم صورتها ثانية، وهي لا غيرها التي أبلغت عبدل بدم بارد بعلاقة زوجته مع صالح، وهي لا غيرها التي أفهمت صالح بأنه ليس بمقدوره التخلي عنها، فهي تعرف تفاصيل ما يدور في ذهنه، وتكشف في الوقت نفسه عن طبيعة المدينة الغربية من أنها دائما تحتضن المتناقضات وعلى من يعيش فيها عليه أن يغير من سلوكه بما ينسجم وهذه الطبيعة حيث تنعدم فيها سلطة الأب والعشيرة والمرأة الأخرى، وهذا ما لم تفهمه بيداء من المدينة فكانت أن ضاعت في متاهتها بعد أن جعلت حاجاتها النفسية والجسدية في مقدمة وجودها في المدينة.

شخصية المبدع شخصية نموذجية بامتياز،اساسه من عائلة فقيرة يصبح نتيجة انظمامه لحزب البعث الشخص الثاني بعد صدام حسين،ثم يصبح جلاد العصر يتفنن في تعذيب الشيوعيين فيجلب صديقاتهم وأسرهم للامن العامة كي يمارس الجنس معهم ، واحدة من ضحاياه هي حياة الشخصية التي كان يريها كيف يعذب صديقها، ثم يريها كيف يمارس السجناء الجنس مع بعضهم البعض،وها هو المبدع أو ناظم كزار يحكى لها أن الشيوعيين الذين أعدمهم في قصر النهاية يسمعونه ليلا أصواتهم فيبلغ صدام بالامر،أمر صدام حسين لاحقا بعد أن قضي على ناظم كزار بهدم قصر الرحاب وزرع المقبرة فيه بالورود ثم تحويلها إلى جزء من معرض بغداد الدولي.

يروي صالح في دفتر أصفر عثرت عليه شهرزاد في هيجانها وفيه تفاصيل حادثة مؤامرة اغتيال البكر من قبل ناظم كزار وشلة من رجالات الأمن، يبدو أن صالح كان واحدا منهم، وها هي الأوراق الصفر تتابع سير العملية ابتداء من المطار وحتى القاء القبض عليهم في الصحراء الجنوبي بالقرب من الحدود مع إيران،وفي هذه الاوراق تجد المبدع شخصية متوازنة من جهة يعيش هاجس ضحاياه، فيطلب من الزعيم إذا ما قرر قتله أن يدفن معهم، ومن جهة أخرى يجد في فشل محاولته تنبئ لحقيقة أن صراعا دمويا داخليا كان يجري بين قيادات البعث للأستيلاء على مركز الحكم – القلعة-.ويبقى دور صالح في العملية غامضا إلا من تدوينه لهذه الورقات التي مزقت شهرزاد الكثير منها عدا ورقة تمثل الفهرست لما جرى، وفي ابعاد شخصية المبدع نتلمس الصورة الكاركتورية لأي دكتاتور صغير من أنها دائما محددة الرغبات، همها أن تكون حاضرة حتى في موتها. نتلمس جزء من شخصية المبدع أنه كان على علاقة بصديقة احد الثوريين من الكفاح المسلح،فيطلق سراحها بعد أن تصبح صديقته،وها هو صالح ومن خلال شخصية مقاول في لندن يرسل الهدايا لها عبر توقيع المبدع، وكاننا في حلقة دائرية بان رجالات العهد الماضي ما زالوا بامكانهم أن يكتبوا روايتهم من جديد وأنهم قادرون أن يواصلوا حضورهم حتى بعد موتهم.

في شخصية حياة، نعثرعلى نموذج ثالث من النساء في المدينة الغربية،مختلف عن بيداء الساكنة المضطربة داخليا،وعن شهرزاد التي تملك حرية ووظيفة وسلطة،تأتي المدينة وهي حامل بطفل من علاقة مشوهة مع مدير الامن “المبدع” وتترك والدها مريضا لوحده يعرف ما جرى لها في السجن،،وتأت المدينة وهي منفصلة عن تنظيمها في الجيش الثوري، وبدون مقدمات وجدت نفسها موديلا عاريا لعدد من الطلبة والأساتذة الرسامين، فالجسد يتحول إلى سلعة يمكن الإستفادة منها عبر تجديد الرؤية إليه، تتعرف على توماس المدرس ومعه تقضي أكثر من ثلاث سنوات،تصل إليها هدية من المبدع فتفاجأ بدفتر بنفسجي صغير يقبع في أحشاء العلبة فيه شيء من الاسرار، وفي لندن لا تجد حياة صعوبة من أن تتآلف معها بسرعة،تسرد حياتها في المعتقل بطريقة مباشرة عندما يستحضرها المبدع مع صديقها الثوري ويسلمه مسدسا لقتله والهروب لكن صديقها لم يفعل، ووسط السرد المباشر والسرد المستعاد تتكشف شخصية حياة لنا من أنها قد إرتبطت بالمبدع وها هي في لندن حرة بإمكانها أن تمارس حياتها كما تشاء، لكن وشجيتها مع المبدع تبقى طريقة عيش وسلوك،وفي فراشها يتقاسم توماس وتلميذه أيان النوم معها وسط وضوح داخلي من أنها أصبحت سلعة في سوق فنون المدينة، وها هي تفرح لرؤية تفاصيل جسدها المثيرة في تخطيطات توماس عندما زارته في شقته، تشعر حياة أنها مثقلة بماضيها لذلك وجدت في توماس حرية لجسدها المتحرر من كل الأثقال الزمنية القاسية، وبسفر توماس إلى نيويورك وزواجه من كرستين صالحبة كاليري، تشعر حياة بالوحدة والعزلة، وها هو جسدها يضغط عليها ثانية من أنه أصبح عالة عليها، يصلها خبر موت والدها،الذي تعزو سبب موته إلى معرفته عما جرى لها في القلعة على يد المبدع، كما عرف أن المبدع قد زرع نطفة في أحشائها، تجد نفسها بعد أن هجرها توماس حركة منطلقة في المدينة بسعادة لا توصف فلقد تركت بموت والدها الوطن وكل ما يحمله من الماضي لتدخل هي وجسدها  تفاصيل المدينة الحديثة..

6- القوس الأخير

أنه فصل المؤلف بامتياز، ونشيده الذي ألفه بعد سلسلة من التمارين المريرة والقاسية عبر تكوينات وشخصيات منتقاة من شرائح المجتمع العراقي، جاء بها إلى لندن ليمتحن قدراتها بأن تتآلف مع المدينة أو أن تعود منكسرة إلى أزمنتها القديمة، فوجد فيها كل النقائض منها من تحرر من زمنه، ومنها من سحقته الحياة بزمنها، ومنها من مات وهو طفل، ومنها من مات وهو شيخ كبير- كل الشخصيات يتوفى أباؤهم وهم خارج الوطن- ليجمع في هذا الفصل / النشيد خيوط روايته كلها، ليس كما فعل في القسم الحادي عشر عندما جعلنا نقرأ نهاية كل الشخصيات كما لو أن هذا القسم جوابا على استهلال الرواية في قسم أزرار الأول، وإنما لأن الشخصيات في القسم الحادي عشر هي التي تتكلم وتروي بمشاركة فاعلة من المؤلف من أنه يعدل من مساراتها، ويصوب توجهاتها، ويختصر حوارتها عبرالتركيز والتكثيف. في القسم الثاني عشر وهو نهاية السنة الروائية، يعود المؤلف إلى تلك المقدمة الصغيرة – القوس الاول- ليفتح لنا كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، ويعيد تشكيل الصورة الكلية للرواية ولشخصياتها، ولكن في عالم الجنان وليس في العالم المادي الذي سحقته العلاقات وصيرته المدينة الغربية إلى كيانات ضعيفة تمارس حضورها المادي على الناس وفق عادات وتقاليد مكررة، في حين أن عالم المثل،عالم الجنة والخلود سيكون تصورا آخرا لهذه الكائنات، بعد أن سحقتها الحياة ومررتها بجحيم التجربة المريرية، يأتي المؤلف بها إلى الملكوت ليطهرها من أدران التجارب يحولها إلى أسماء تبحث عن ممكناتها، كي يجعل منها مجموعة عراقية تعيش حياة جديدة خالية من أدران ومساؤى الماضي لتحيا كما لو أنها ولدت للتو وبانتظار أن تخرج ثانية للنور كي تعيد بناء وطنها و شخصيتها التي عكرتها وأذابتها التجارب الحياتية. وها هو القسم الثاني عشر يدمج بين الأرواح الحية والميتة،الإنسان والحيوانات،القديم والحديث، بغداد ودمشق ، حكم الولاة وحكم الملوك والزعماء والسلاطين،ماحدث لدمشق من حصار وما حدث لبغداد من تدمير، وإذا بالأرواح تتجاذب مع الخالق بصياغات عقلية لا قلبية، وبطريقة الإندماج الكلي في مصهر التطهير من أجل أن تعود ثانية حية نقية من أدران الواقع،عراقية محلقة في سماء الخير،جاذبة لها كل نجوم الكون، رائية عبر انطلاقتها سماوات زرقاء، لم تكن قبل ذلك إلا غيوما سوداء أو رمادية تغلق عليها النوافذ، وتسقط المطر، وتذيب الطرقات وتتعثر بها الرؤية، إنها كوميديا الحب الإلهي الذي لا صراعات مادية ولا جسدية ولا مؤمرات صغيرة أو كبيرة ولا قتل ولا تدمير، أنها الملكوت السماوي الذي طارت إليه كل الكائنات التي رفضت أن تعيش في عالم ممتلئ بالأدران والقذارة والاستغلال، عالم يحرر الشخصيات من ادران الأرض وما عليها ومن الأفكار الناقصة وما تسببه ، وها هي شخصية لؤي عبد الإله تعيش  هي الأخرى حالة الوجد الإلهي ممتنعة عن أن تكون مجرد كائن روائي يلعب بأحداث السياسة والهجرة، أنها يصيّر شخصياته إلى كيانات هلامية يمسكها ” العالم والمريد والقائل والقادر” كيانات هلامية حية وبأثواب كونية، وبروح شرقي يفرض على ساكني تلك الجنان تقاليد وصيغ عملية لكوميديا حب إلهي نقي صاف، لا يجد أحدا أو نظاما أية فرصة لأن يخترقه بأزمنته الخاصة. فكل الإزمنة في عالم الدمج بين الأسماء والممكنات ملغاة، لم يبق إلا زمن المؤلف الوجودي الذي سيصنع لنا كوميديا معاصرة ولكن بحب إلهي خالص.

7- كلمة ختام

أني بعد الإنتهاء من قراءة الرواية،وقفت أمام فنان ” أسطة ” متمكن، في السرد وفنونه، شخصياً أعتبر ذلك إنجازا للقصة العراقية، بأن يكون فيها مثل لؤي عبد الإله كاتب له من انسيابية اللغة ما يشعرك بغناها وباحتواء المشهد وهو يستوعب الأزمنة والأمكنة في لحظة سرد واحدة، أعتبر ذلك من أنتاج مرحلة  التجديد الحالية التي ستشهد تغييرات بنيوية كبيرة في طرائق السرد وفي التفكير. بمثل هذه الأسلوبية الشعرية المنسابة والمستوعبة لحيثيات الحدث نجد واحدة من إنجازات هذه المرحلة، أنه يداور السرد حتى يستوعب تقلبات المشهد، ثم يجلس منتشياً بعد أن يحتسي قدح نبيذه، أنه المستوعب لتدفقات الصورة وتشعباتها، يا للقدرة الأسلوبية الشعرية التي أغنت الرواية ووسعت من ثوبها دون خلل، وحصيلة ذلك  كله أننا أمام تجارب جديدة.

ثلاثة مشاهد للحب قرأتها :

* في مسرحية شكسبير “هملت” عندما تُجنْ أوفيليا بحب هملت، وتقول لغة  مبهمة لما تزل حية.

**في مسرحية الشقيقات الثلاث لتشيخوف عندما يُكمِلْ صديق سونيا  الضابط معزوفة تعزفها سونيا ولم تكملها، وهو الذي لا يعرف المعزوفة من قبل.

***وفي “كوميديا الحب الإلهي”  للؤي عبد الإله عندما تشرب بيداء  بقايا كأس صالح، ممرة شفتاها الشهيتين على حافة القدح الذي شرب منه صالح علّها تصنع قبلة..

شاهد أيضاً

لؤي عبد الإله في “لعبة الأقنعة” كســـر مفهــــوم التعليــــب الرقمـــــي تمام علي بركات

يعيد القاص العراقي لؤي عبد الإله، تأكيده على هويته الثقافية والفكرية، هوية المكان وثقافته في …