الرئيسية / قراءات / الحديقة الإنجليزية قراءة في رواية “كوميديا الحب الإلهي”

الحديقة الإنجليزية قراءة في رواية “كوميديا الحب الإلهي”

الجزء الاول

ياسين النصير

1

هذه الرواية

تسعى رواية “كوميديا الحب الإلهي” للؤي عبد الأله الصادرة عن دار المدى 2008، في 359 صفحة من القطع المتوسط، أن تسقط حجرا من علو شاهق على الواقع العراقي المتشظي بين بلدان الهجرة لتدميره، ومن ثم لإعادة بنائه من جديد، بعد أن تفككه إلى أجزائه الصغيرة لترينا من داخل بنيته المتشظية؛ الكيفية التي فككت بها هذا الواقع وعرته. وتقترح الرواية طريقا لإعادة بناء هذا الواقع، هو أن تدمجه بوحدة كونية إلهية، اندماج الأسماء بالممكنات، كما لو أن مطهر دانتي يعود ثانية ليطهرالعراقيين من المساوئ التي اقترفوها طوال خمسين عاماً. فهذه الرواية واحدة من المجسات الكبيرة التي أيقظت الأشياء الساكنة في مجموعة بشرية قذفتها المحن إلى لندن لتعيش أجواء هجرتها وغربتها الروحية والجسدية. ففي سياقات شعرية تدمج الرواية الحياتي بالغيبي، الواقعي بالحلمي،الممكن بالمحتمل، البحث عن مصائر للذات بالبحث عن الفردوس، نحن إذن في مهمة هدم جذري لواقع وأبعاد الشخصية العراقية بعد الذي جرى لها وللعراق منذ 1958 وحتى اليوم. وتبدو مهمة الروائي وهو يجمع هذا النثار المتشظي  للشخصية العراقية من بين البلدان صعبة، حين يجعل شخصياته المغتربة تعيش محنة بقائها أسماء مجردة أو ممكنات يمكن استعادتها، ليس على المستوى الشخصي فقط، وإنما على مستوى بينة النص أيضاً. وأول ما فعله الروائي هو أنه حول قلق الشخصيات على مصائرها – التي إعتقدت بأن هجرتنا ستنقذها-،إلى دوامة من البحث عن ذاتها وخصوصيتها، في حين أبقى جذورها متشبثة بذلك الماضي الذي تركته في العراق، لنجدها – وهي تعيش حاضرها- أنها مازلت تعيش ظلال الماضي في حين أن الحاضر يعريها منه ويجردها من كل اتصال به بموت الآباء ويجردها من حاضرها أيضا بموت الأبناء، ليتركها تتمرغ  يوميا في بحثها عن وجودها وخصوصيتها وكأنه قدرها الذي لا فكاك منه. حقيقة الأمر أن ذلك مجرد تصور لروائي انتحل صفة الإله فجاء بمجموعة من العراقيين ليلقي بهم في لندن كي يعيد صياغتهم من جديد، أملا في أن يبقيهم أحياء، بالرغم من أنهم بعد أن إنتهى من رواية حكايتهم، أضاعهم في متاهات لندن والعراق والأحلام ودوامة الإتحاد بأسماء الله، ما سبق وأن عاشته هذه الشخصيات وجدت صداه في الذي تعيشه الآن، وكأن لكل واحد منها شخصيتين لاتغادران أجسادها، واحدة تشعل النار والأخرى تطفؤها، أما النثار المكتون منهما، رماد يطوف بأسمائهم في ملكوت الله.

2

قراءة أم قراءات

 

في البدء ساقترح عدة قراءات لهذه الرواية، لأنها ليست رواية بمسار فكري واحد، ولا بشخصية محورية واحدة، ثمة أقسام عدة توزعت عليها الرواية- وليست فصولاً-  فأستطال بعضها وظهر بعضها الآخر ثانويا ثم أختفى، وفي مجموع هذه الأقسام نقرأ رواية مركبة لها أسطح وغرف وصالونات ودهاليز ومجازات ومستويات للقول وللرؤية، تفرض قراءات وتأويلات وإحالات. ومن هنا لن تنفعنا قراءة نقدية واحدة لها كي نلملم أبعادها القريبة والقصية. ولذا أقترح أن نقرأ صورها المتداخلة قراءة جدلية، بمعنى أن نضع في أعتبارنا إن ما نقرأه من أحداث ستختفي في نهاية الأمر، مولدة أحداثا أخرى أكثر قابلية للحياة، هذه القراءة  التدميرية هي من أجل أعادة صيانتها وتبدأ أول الأمر بالكشف عن مستويات الرواية العديدة وهي عندي أربعة مستويات،ثم نعيد تركيبها من جديد في قِدرٍ السرد، محاولة لتكوين رؤية جديدة لهذه المجموعة البشرية التي هاجرت إلى لندن.

 

القراءة الأولى: يمكنك أن تقرأ الرواية متتبعا خيط العلاقة بين الزوجين بيداء وعبدل وعلاقتهما بالصديقين صالح وشهرزاد، وفيها ما يجعلها قراءة لرواية تعتمد بنية الأسرة القائمة عن المصاهرة- بيداء /عبدل، وبنية اسرة قائمة على الصداقة شهرزاد/ صالح،ومن داخل هذه التركيبة المتداخلة الوشائج يشتغل محور صالح وشهرزاد على تفكيك بينة الأسرة التقليدية، فلشهرزاد الطبيبة عدة عشاق تركوها أو تركتهم، ولصالح عدة عشيقات تركهن،في حين أن بنية أسرة عبدل وبيداء ابتدأت من بغداد بصداقة أبويهما واستمرت في لندن، هذه البنية الأسرية سيجري تدميرها بعوامل عدة: منها مرض ابنهما سليم الذي ولد مشوها،كتعبير عن علاقة غير متكافئة، ومنها بحث بيداء عن وجدوها الذاتي، فتجده في صالح بعد أن أغوته بمضاجعتها لتنحي شهرزاد عنه، لكنها وهي تسعى لصيانة وجودها تدمر ذاتها، فيموت إبنها سليم وتترك  صالح ثم تدعي السفر إلى بغداد تاركة رسالة لعبدل في البيت، وها هي تاهئة في متاهات لندن وقطاراتها وظلالها وأمطارها وغيومها الرمادية. وهكذا سنجد في هذه القراءة المنفصلة مستويين من الفعل، أسر تفككت بعد أن انسلخت عن واقعها العراقي – موت الآباء- وأسر بنيت على السياق الغربي مهددة بالإندثار ايضاً. في حين تكون بقية الشخصيات إما ملحقة أو أساسية لتغذي بعض مفاصل الرواية وقد تنفرد بأقسام أو أجزاء منها..

 

القراءة الثانية: ويمكنك أن تقرا الرواية من محورية العلاقة بين صالح /شهرزاد، صالح /حياة، صالح / البقية. لأن  محورية صالح  تتمثل بأنه رجل دولة سابق يعرف بأسرارالإنقلابات العسكرية وعاش واحدة منها، وها هو يكتب رواية عن ذلك كله منتظر أن تكتمل فصولها في لندن، بعد أن انفتحت علاقاته على شهرزاد وبيداء وحياة مما جعله يغني العلاقة بين العراق ولندن بطريقة متداخلة، ثم تلحق به الشخصيات والأولاد كل حسب موقعه ومن هنا يكون محور هذه القراءة هي إشكالية الجنس والسياسة التي تعيد تكوين هذا المجتمع وتهدمه معا، وتكون شخصية حياة والمبدع من مكملات هذا النص.

 

القراءة الثالثة: يمكنك أن تقرأ الرواية من خلال بنية المال كثيمة مركزية ومحور هذه القراءة عبدل / بيداء كزوجين، يبحثان عن الثراء، وعبدل / جوانا كعشيقين يبحثان عن المتعة،وعبدل / الغانيات في بغداد كواجهة لجمع النقود، ثم عبدل / النجارة في لندن، واخيرا عبدل/ عبد الرؤف المرابي والمقاول، وصديق الطفولة والبرجوازي، وأخيرا عبدل/ العوق الجسدي الذي اعفاه من العمل الملزم للمهاجرين.في سياقات هذه القراءة يمكننا أن نفكك بنية الشخصية العراقية التي لاتفكر إلا بالمال وسط أسرة قامت على رغبة أبويهما بالزواج، في حين أن لا هو ولا هي قد تعارفا كثيرا قبل الزواج، ثم بعد قدوم بيداء إلى لندن حبلت منه دون عقد، وها هي نراها في كل مرة تصافح أحدا تغرق في تنظيف يديها من أدران هذه المصافحة، وفي بنية هذه التركيبة التي هيمنت على سياقات الرواية ينغمر عبدل في جمع المال بينما تتمرد بيداء للبحث عن ذاتها وجسدها فتجد ضالتها في صالح  الذي أسهم بان يغرق عبدل بالمال، وأنغمر عبدل في صنع خشبيات ألعاب ليبيعها، ثم تنهار هذه البنية عندما تكشف الرواية عن حجم الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت.

 

القراءة الرابعة: هي أن تقرا الرواية وهي تحت تأثير مقولات محيي الدين بن عربي واسقاط علاقته مع “نظام” الفتاة الدمشقية التي ارسلها الرب له وإسقاطها على مجريات ما حدث لـ عبدل /بيداء، بيداء /صالح، صالح / شهرزاد، عبدل /جوانا،المبدع /حياة، وهكذا ستجد أن ظلال الأسماء الإلهية تتغلغل في نسيج الأسر والشخصيات وصولا إلى أسرة مكتملة مبنية على الخروج من جحيم العلاقات المشوهة بعد أن تتحد الأسماءا بالممكنات الإلهية.

بالطبع لن تكون القراءات الأربع منفصلة بعضها عن البعض الآخر، كما لن تكون متتابعة أو متجاورة، بل تكون متداخلة ،فالرواية بنيت على أقسام وليست على فصول وما يجمع هذه الأقسام هو بنية المكان وسنحاول أن نقرأ القراءات الأربع للرواية خلال تشكلها مكانيا، ثم كيفية تفككها، محاولة لإعادة بنائها من جديد.

 

3

القراءة المكانية

3-1- الحديقة الإنجليزية

ابتدأت الرواية بمكان عام، هو الحديقة الإنجليزية- سأستعمل الحديقة الإنجليزية مجازا كمكان للملكوت الأرضي بمقابل الملكوت الإلهي الذي تنتهي إليه الأسماء- لتكون الصورة هكذا: الأرض بمقابل السماء، وما بينهما هو التكوينات للشخصيات العراقية التي عاشت جزء من حياتها في العراق وتعيش بقية حياتها في لندن- ثم تغور الرواية بنا في تركيبة مجموعة من البشر مبهمة إلا من شذرات توصيفية عامة لهم، حتى لتحسب أن هذه الرواية قد لملمت شتات الشخصيات الإشكالية والموزعة بين بغداد ولندن وقد دمج فيها العام بالخاص، الذاتي بالموضوعي. ففي الحديقة الإنجليزية وهي المكان المحايد العام والأخضر السمات والمقّنع، تبتدئ خيوط الرواية لتمتد أسبابها في المكان البغدادي وفي المكان الإنجليزي لتجمع المكانين في تداع فني يعمق إحساسنا بوجود تكوين غامض في الشخصية العراقية، ثم يفكك هذا الإحساس بأن تدع الشخصيات تعيش حياتها من جديد محاولة للخلاص من ثقل الماضي، بما فيهم الآباء. نحن في حيادية حديقة إنجليزية واقعية ورمزية، تحتضن جوقة روائية تحكي قصصا متداخلة زرعت في هذه الحديقة أحداثها، بعضها تحمله من الخمسينات والستينات أتت به إلى هنا على هيأة رواية لم تكتمل بعد أو البومات صور أو بقايا حب أو اسقاطات مادية وجنسية، والبعض الأخر حدث أثناء الهجرة إليها حين تبدلت العلاقات وسحب كل شخص زوجة غريمه من فراشها، فبدت وكأنها هايد بارك بلافتات متفاوتة الطول والجذور، ثم وجدت هذه الشخصيات نفسها بين أن تتجذر في هذه الحديقة ومن ثم تندمج كليا في ثقافتها ،ساحبة خلفها تاريخها العراق، أو أن تعيد ليلاها العراقي فتعيد تشكيل أحداثها السياسية تمهيدا للعيش مع مرحلة ما بعد عام 2003، أو لتندمج بوهج الحديقة الإلهية عند محيي الدين بن عربي. فالحديقة الأنجليزية لا ترفض أحداً،ولا تتبنى أحدا أيضا، أنها تعيد تشكيل ذات من يعايشها بما يجعله مع محتويات الحديقة الكوسموبوليتية التي تتجمع فيها ألوان الزرع المختلف المناشيء والأعراق والأفكار، فتصبح حديقة كونية يعاد فيها تشكيل المصائر البشرية لمختلف القوميات والأديان والأفكار. لذلك، ليس من السهولة التعامل مع أشجارها المختلفة المنشأ إلا متى ما شعرت أنها تُسقى بالمياة نفسها، وتتغذى من التربة نفسها، وتلقي بشذاها على كل العابرين والمقيمين بنفسها. وهذا شيء لا يبدو سهل الحدوث في المدينة الغربية، فالأحداث التي تجري في الرواية لا تشير إلى أن الحديقة ستتقبلهم على علاتهم، ربما هذه الشحنة المكانية الخضراء، في مجتمعات لم تتعارف جيدا على بعضها البعض إلا من خلال موجات الهجرة القسرية إليها أو أحتلالها العسكري لبلداننا،لن تكون خضراء نقية، فقد تكون رمادية أو بيضاء، فتحت سطهحا الظاهري ثمة دراما عنيفة وقاسية عندئذ ستفصل تدريجيا بين المهاجرين وسكان البلد الأصليين. نحن في إخضرار حديقة راسخة يأخذنا إليها لؤي عبد الأله ويخرجنا منها، دون أن تكون قد غابت أو حضرت في مدوناتنا اللاحقة،أنها أشبه بالمطهر الذي علينا أن نمر به يوميا،لأن الأمكنة الراسخة مشحونة بالأغتراب والعزلة والوحدة، وليس من السهل التعرف على خصائصها إلا بعد معاشرة طويلة، وقد لا نجد فرصة لفهمها، ربما يدعونا الموقف إلى أن نهرب إلى بيوتنا للتعويض حينما نسترجع قضايا حدثت في الماضي ، وهذا ما يحدث في الرواية. لأننا لم نكن مهيأين لفهم جدليتها العميقة، فالشخصيات العراقية فهمتها بأنها طاقة مباحة للجميع يمكن أن تكتب فيها رعويات رومانسية في حين أن لحداثة المدينة الغربية أنيابا قاسية وشديدة البأس إذا لم نكن مستعدين لفهمها.

 

تبدأ أوليات الأحداث خارج البيوت في الحدائق والبارات والأسواق، ثم تنضج في الأمكنة الضيقة وغرف النوم، وتحت تأثير النبيذ الأحمر، ثم تصل بنا إلى الذوبان الكلي في الألهي، من هنا تصبح الرواية مراوحة سردية بين أفعال مستحضرة من الذاكرة خاصة ما حدث منها في بغداد خلال الأعوام الأربعين الماضية وبين سياقات حديثة تنمو في أمكنة ضيقة، هي بارات وبيوت لندن المحشوة بالناس والصور والمخدرات والموسيقى،أو تبني بيتها الروائي في المخيلة الروحية والأحلام التي تعيد تكوين الأشياء والأسماء ضمن ممكنات إتحادها بالإله، وبإندماج هذه الأمكنة المفترقة يُستدعى العراق جملة وتفصيلا، بمحلاته، وبيوته، وسلطاته، وملوكه، وحكامه، ومحاكمه، وسجونه، ومشانقه، وموبقاته. وتُستدعى لندن بما فيها من صخب وعزلة وأفكار واستقرار وأماكن حسم للأمور القلقة، ليؤسس مكانا روائيا ثالثا يلغي المكانين السابقين،هو المتاهة الجسدية / النفسية، بعد أن يصهرهما في الوجود المطلق لكينونة أشخاص عاشوا تجارب متضاربة وفهموا الحياة المتناقضة وشاهدوا إعدامات في ساحة التحرير ومطاردات وحب وملاحقات وسجون وأغتصاب، هذا المكان الثالث هو حصيلة جدلية لتلك الأمكنة القلقة التي تتداخل فيها الممارسات الجنسية، بالمواقف الثورية، وبأحلام عودة النضال، والرغبة في كتابة رواية عما حدث. ثمة رغبة حقيقية لدى المؤلف بأن يعيد تفعيل هذه الكيانات الهشة ويصهرها ثانية  في حداثة المدينة الغربية ليُحيي فيها قواها الداخلية التي هدمتها المدينة العراقية، يطالعنا المؤلف ببناء سياق تجديدي يجمع بين كتابة لاواعية مقترنة بلوحات سيزان التي تبدو كتلها مهشمة من الخارج لكنها ببنية متماسكة داخليا ، ليدلنا على كل الأصوات الدفينة في هذه التشكيلة الجديدة، وبطرق فنية هي الأخرى تدمج بين السرد والمنولوج الداخلي،وبممارسات لا تكتمل إلا بمثل هذا الأنين العميق عن العلاقة، الجنس، الزواج، اللغة،المشاركة،وتلقيح الثقافة بمصادر ثقافة أخرى،الحوار الصوفي الباطني والبحث عن أسئلة الوجود،الإندماج في بعد صوفي للملكات العقلية والفكرية كي تضيع الفواصل بين الذات والأله، وهذا هو بيت القصيد؛ تكوين بنية جديدة في الحديقة الأنجليزية الخضراء تقوم على أنقاض العلاقات الأسرية السابقة، فقد تستبدل بيداء، عبدل بصالح، كما إستبدل عبدل جوانا ببيداء،وأستبدل المبدع بعد موته “حياة” بالهدايا، نحن إذن في عزف موسيقي لا يستقر على جذر محدد، ولا تعزف مقطوعاته بآلة موسيقية واحدة، نحن نستمع لموسيقى درامية مشبعة بالمفارقات، تأتي ألينا عبر فضاءات بغداد الخمسينات والستينات معلمة بتواريخ حاسمة وبنضالات مشتته ووعود بأن يكون العراق جديدا بأحلام صالح وسلمى وشهرزاد وبيداء وعبدل ممتزجة، بأيام المس بيل وبيرسي كوكس والملك فيصل الأول، وصولا للمرحلة الحاضرة وهي تدمج بين عراقيين لم يتخلوا بعد عن مسهم الجنوني بالعراق عبر المصاهرة والعمل واللغة والمهجر.. من هنا تطرح رؤية  لؤي تأثير المكان الغربي بكل أبعادة وانشغالاته على العراقيين،كي ينقذهم مرة أخرى من ثقافة مدينة ما تزال قائمة على التقاليد القديمة،ليسكنهم في مطهر دانتي العراقي الذي احتوى فيها حروب حطين والقدس ودمشق وولاة العثمانيين وشطحات الصوفية. ولعلها الرواية الثالثة – التي أقرأها- بعد رواية، “المؤمل والمرتجى” لغائب طعمة فرمان ورواية  ” سواقي القلوب” لأنعام كجه جي ” التي تعرفنا من الداخل على المجتمع الأوربي، موسكو غائب- باريس انعام- ولندن لؤي-،  بمجسات إنسانية مختلطة الجذور والإنتماء، فالكيفية التي يتشكل فيه الحدث العراقي في المكان الغربي، هي جوهر مخيلة كتابنا  في المهجر وهم  يكتبون نصوصهم هنا.

 

ضمن هذا المكان الرمزي والواقعي يسرد علينا لؤي عبد الإله حيوات شخصياته وهي تحب وتعشق وتختلف وتسافر وتستعيد متداخلة مع الشخصيات الإنجليزية في لحمة مشتركة؛ مرضا وغناء وفوتوغراف وعشقا وعربدة ومخدرات وجنسا وحياة يومية، وكأن الحديقة الإنجليزية خصصت لمثل هذه الأشجار المختلفة المنبت لتؤلف سياقاً يستقر فيه البشر كاستقرار الطير، حياة جديدة قادرة على أن تكون في كل الأمكنة عبر تاريخ التداخل على أرض الواقع وبين الأسماء الإلهية والممكنات، فيصبح الموت حياة، والحياة تواصلا مع الأقدمين، وتتحول السياقات الشعبية في الحديث عن الماضي إلى سياقات فكرية  سياسية مطعمة بوشيجة العلاقة والجيرة واللغة والإهتمامات، فكانت الحديقة والمقهى والبيت والأسواق أمكنة تلملم شتات المواقف وتصهرها في بوتقة البيت الإنجليزي ، ثم لتدمجهما بوحدة كونية ولغوية هي الممكنات الألهية.

 

كي تصل الرواية بنا إلى لملمة هذا التشتت من جديد تعود شهرزاد ثانية لممارسة الطب بعد إحباط علاقتها بصالح، ويعود صالح ليكتب روايته من جديد عن المبدع  وحياة بعد أن مزقتها شهرزاد عندما اكتشفت خيانته لها مع بيداء، وتهرب بيداء من بيتها مدعية السفر إلى إهلها في بغداد تائهة في شعاب المدينة وقطاراتها وألوانها مندمجة بذلك الحلم الطويل الذي لخص لها كل حياتها مع عبدل وخارجه وها هي تدق أبوابا في الوهم وفي الذاكرة لتعود ثانية إلى المستشفى تحت صدمة أخطائها، وفي ذاكرتها تلك المرأة الأسيوية التي دهسها قطار الأنفاق في إحدى محطات المترو في لندن،كما لو كانت هي المرأة الشرقية التي تدفعها اشكالياتها إلى الإنتحار دون أن يأتي القطار على وجهها الأسيوي، كل ذلك يأتينا بطريقة انسياب لغة فنان ماهر مقتدر بدقيق العبارة وباجادته لفن التخلص بالمواقف المفترقة والمحتدمة، وبشفافية السبك اللغوي،ونعومة السرد، كاشفا عن مستويات في السردية لم تظهر لولا هذا القِدرْ الذي يغلي بأحداث العراق وأسئلته  المصيرية.

 

3-2- نحن في حديقة ريجنت بارك بالقرب من سكن الشخصية عبدل،- تحضر كلمة “الحديقة” في الرواية 27 مرة- مما يعني أنها تشكل مفردة مهيمنة في الرواية- عندما يرى سيدة في متقبل العمر تسرح بكلبها الجميل وتدندن بأغنية وسط مطر لندني لايحجب سماء أو إخضرارا – لا كما أحدثه  المطر اللندني في بدر شاكر السياب عندما حول السياب الضباب والمطر إلى عماء كوني يوصد عليه الأبواب-  لؤي عبد الأله يستجيب لهذا الجو ويحببه إلينا، لا بل يجعل منه لازمة لكل شخصية تمر بأزمة، كما هو عند بيداء وشهرزاد كي يفتح به مسامات الروح لأستقبال هذا المطر، ووسط ابتسامة ونظرة وتحية من جوانا، تنتهي المحاورة بينهما بلقاء ببار قريب، سينفتح  اللقاء لاحقا على الشارع والمقهى والمطعم وغرفة النوم والنفس. وإذ تبتدئ الرواية بالحديقة تنتهي في حديقة متخيلة مستدعاة من الجنة التي سكنتها الأسماء ، ولكن هذه المرة في تصور الراوي، الذي يعيد قصة موت الطفل سليم، الذي مات في منتصف الرواية، تاركا أمه في دوامة البحث عن سؤالها فهو بالنسبة لها مكان مرآتها التي تجلو نفسها بها، ولما فقدته إختلت موازينها فسقطت في أحظان العشيق صالح، ثم تهرب منه ومن بيتها وزوجها وكل ما جمعته في لندن ضائعة في ملكوت الأنفاق والصور والغياب. فبعد أن سرد لنا الروائي تاريخ محي الدين بن عربي والحروب التي مرت على الشام وفلسطين مستدعيا بيداء في غربتها بعد هربها من بيتها ودورانها المصيري في أنفاق وباصات لندن، وعبدل وهو ينظر لأطفالة بوهم الغربة، وصالح الذي مزقت شهرزاد روايته التي يروي فيها أخر حلقات الصراع بين ناظم كزار وصدام حسين وما حدث للسيارات المتجهة لأيران وهي تحمل وزير الدفاع والداخلية، كما يصور كل مالاقاه محيي الدين بن عربي من وله “نظام” وهو في العشق أو تداخل الأسماء بين  الدولة الدمشقية وما سببته الحروب الصليبية في المنطقة، لتنفرش جميعها على شاشة الحديقة الإنجليزية وغرف لندن وجلسات الشلة العراقية مروية خلال ألبوم صور تتجمع فيه المشانق التي نصبت للوصي مع العائلة المالكة القتيلة، مع صور الدراسة، وصور وشم الحب وموت الأعمام والأخوال،وصور المعدومين بعد انقلاب 1968، وصور التعذيب للسياسيين العراقيين وصورإسقاط النساء جنسيا ثم متابعتهن وهن في لندن، وصور الممارسات تحت الأسرة وفي أسرة النوم بطريقة الذوبان الكلي، وحيثيات الرواية التي  يكتبها صالح لم تكتمل عن النظام السابق،وطريقة تمزيق شهرزاد لهذه الرواية تاركة له بعض الأوراق وكأنها حلقة لا يمكن أن تنتهي بموت النظام، إذ ما يزال ثمة أمل بأن يعاود صالح كتابة الرواية فأحداثها لم تكتمل وبيداء وشهرزاد وهن من أسرة واحدة لم يكتمل دورهما فيها بعد، هذه المدينة التي ستكتب فيها الرواية الجديدة هي نفسها المدينة التي ستحدث صدمة كبيرة بما تملكه من أمكانية تغيير مستمر في بنية الشخصيات. فالمصاهرة بين إنجلترا والعراق في نهاية الخمسينات وحتى أواخر هذا القرن يجعلنا نطمئن إلى أن رؤية فنية جديدة ستلملم المشهد العراقي المشتت بين المدن والعواصم والبلدان وبين ما يمكن أن نتصوره ونحن ننتقل بعد الحرب الايرانية العراقية إلى عوالم جديدة ترسمها الرغبة بالعودة ثانية إلى قميص جيفارا وسترة ماوتسي تونغ وحرب الأهوار والهروب من السجون وفشل ونجاح  الوطنيين وهم يعملون على أرض الواقع، ستعيد إلينا هذه الرؤية الجديدة الأمل بوجود نمط آخر من الشخصيات يقوم على أنقاض الشخصيات القديمة وأفكارها، هذه الرؤية لقصاص مشبع بالروح العراقي وهو يعيش تجاذبات زمانية لن يبني شخصية عراقية دون عمق ولن يجعلها تضيع أيضا وسط أصوات نشاز،وأصوات مستعارة، وأصوات لا تغني، وأصوات الدين والطائفة والقومية والنهب. هؤلاء جميعا وهم يعيشون اخضرار الحديقة الإنجليزية، عليهم أن يحسنوا ترتيب بيوتهم من جديد، دون أن ينسلخوا عن أزمنتهم القديمة.

 

3-3- تلملم الرواية شظايا العراقيين المفترقة بين البلدان والأسرة والسجون والأبناء والعلاقات والرغبات المحبطة والشاذة والصادقة، وتصهرها في رواية تفتح نافذة عريضة على المجتمع وفئاته وأفكاره وما حدث فيه، ولن تغلقها أبداً إلا بعد ضياعها وتشتت أسمائها وفقدانها بوصلة الإنسجام. فالحياة الحديثة في أوربا تنطوي على قدر كبير من إمكانية أعادة تشكيل الشخصية من جديد، وفي الوقت نفسه تنطوي على قدر كبير أيضاً من التدمير للحلقات الضعيفة في بنية هذه الشخصية، ومن هنا يكون الصراع  متمحوراً في الممكنات اليومية وبأشكال عابرة وبسيطة، وليس في المطلقات الكبيرة، لأن الحياة الحديثة لا تحتاج نظريات معقدة ولا تقنيات على مستوى وجود الشخصيات يوميا، فذلك من شأن العلماء والفلاسفة، إن التعقيد يكمن في الممارسات اليومية البسيطة، التي لا توجد لها حلولاً، ومن هنا تتحول الشخصية التي لا تنسجم مع حداثة المدينة الغربية إلى عدوة نفسها، وأول ضحاياها جسدها، لأنها ستكون مقيدة بحاجاته وغير قادرة نفسيا أن تنقل أقدامها خطوة باتجاه ترميم ذاتها. فالمدينة الغربية ولما تمتلكه من قدرات ثقافية ومادية وحداثة تجدها في الأسواق والبيوت والحرية الجنسية وأمكانية أن تكتب دون قيود،لكن هذه الفوضى التي تعيشها الشخصيات لابد لها من مثال منقذ يعيد توازنها، فاخترع المؤلف لها ممكنات محي الدين بن عربي لتلجأ إليه أسماؤها لتندمج في وحدة كونية تبقى حية للأبد، علما أن المدينة الأوربية هي الآخرى لا تنمو دون هذا الإله الكامن في أحشائها، فكيف إذا كانت الشخصيات آتية من مجتمع شرقي تكون الإرادة الإلهية هي المتحكمة فيه بالحداثة؟. من هنا تبدو المفارقة في تصميم بنية الشخصيات نفسها، التي جاءت لندن كي تعيد ترميم ذاتها لكنها تجد نفسها في دوامة تدميرأعماقها، لأنها عاشت لا كما ينبغي أن تكون الحياة متوازنة، بل عاشت في جمع من أخطاء متراكمة ومخلة بتكوينها فما كان من المؤلف إلا أن يسارع لالقائها في وهج الصوفية مقترحا لها لعبة الأسماء والممكنات في الفتوحات المكية عند محيي الدين بن عربي،معتمدا طريقة السرد الدائرية التي تحولت هي الأخرى إلى أسلوب مركزي للرواية  يجمع فيه أقسامها الأثنا عشرة كي يتمكن من تدوير الشخصيات في أزمنتها وأحداثها القديمة والحاضرة وفي سيرورة حلقات تتوالد مستمرة بتغذية بنية الشخصية والرواية معاً، وهكذا ثمة دوران بين ماضي الشخصية وحاضرها ينتج تغييرات مستمرة في قراراتها وتصوراتها وأفكارها وبنية مشاعرها، يتداخل في هذا الدوران الواقع المعاش بالأحلام التي أصبحت في هذه الرواية واقعا آخر- عدد كلمة الحلم ومشتقاته بلغت في الرواية 171 مرة- ويشكل  الحلم سريدا سياقا آخر يسير بجنب السياق الواقعي ولذلك تجد بيداء أكثر الشخصيات تشظيا بين الواقع والحلم- هذا الواقع يسير بجنب الوقائع اليومية لتغذيها ورسم الدوائرالعميقة لها التي  يخلط فيها، المتخيل بالواقعي، الرمزي بالإيقوني. وعندما تنتهي من قراءة الرواية لن تجد شخصية بقيت على سجيتها أو مواقفها القديمة، كما لن تجد شخصية ما قد تحررت كليا مما كانت  عليه، فالكل قد تحرك باتجاه بقعة غامضة من المصائر،لأن فهمها للمدينة الغربية وما تنطوي عليه من تعقيدات، لم يكن فهما جدليا بل كان الفهم سطحيا ولمجرد الانتقال من مدينة شرقية إلى مدينة غربية دون أن يعني مثل هذا الإنتقال الاستعداد النفسي لتقبل حداثة لم تألفها الشخصية. نحن قوم لم نكتب ملحمتنا بعد، هذا ما تؤشر إليه الرواية التي تضع أقدامنا على عتبة مضيئة في هذا الطريق، التي سترصد بفنية عالية كل ما إختلج في نفوسنا وفي مصائرنا وفي قدراتنا ، رواية لم اقرأ- حسب قراءاتي المتواضعة – نشيداً مثل نشيدها الدرامي منذ ” النخلة والجيران”  و”الرجع البعيد” و” آخر الملائكة”.

4

البنية الفنية

سنتتبع في البنية الفنية عناصر بنية الرواية،في معطيات الحديقة الإنجليزية، وفي تأملات محيي الدين بن عربي وهو يعود بنا إلى دمشق كمعادل موضوعي عن بغداد، وإلى الأسماء كملاذ صوفي لعدم فقدان الموتى الذين فقدوا وكملجأ صوفي للعشق ممثلا بالفتاة الدمشقية نظام والعاشق محيي الدين، هذا التكوين المختلط والواقعي هو الملاذ الجدلي للسيرورة الجديدة التي نشأت بعد أن تهدمت كل قوائم الاسر والشخصيات في لندن. أملا في أن نجد مكونات الرؤية التي أشرنا إليها في الصفحات السابقة والتي تتلخص بأن الرواية تعيد تشكيل مجموعة من العراقيين المهاجرين إلى لندن بصياغة وجودية مغايرة لما سبق وأن عاشوه، بالرغم من أن ماضيهم ما يزال عالقا بأثوابهم ،وفي الوقت نفسه ثمة خطوات جديدة تنقلهم إلى أن يتحولوا إلى الممكنات الألهية كنوى دائمة الحضور من خلال تصور صوفي يصبح الإنسان مُجلي مرآة الأله، هذا السياق الجدلي لن يكون رغبة الشخصيات وحدها، بقدرما كان تشكيلات بنيوية توفرت عليها الرواية كتصور واقعي ينقذ الشخصيات من أدرانها التي علقت بها ويصيّرها طيورا في جنان الله.

 

4-1- العنوان

يعتبر عنوان الرواية العتبة الأولى لعالم النص فهو الفاصل بين ماقبل النص ومابعده، مرورا بالنص نفسه، ولذلك يؤلف العنوان سياقا مركبا، فهو:

 

أولا، حدد العنوان بثلاث كلمات وهذا يعني أنه كثرة، وفيه ما يمكن طرح مفردة منه على أخرى، فتنشأ علاقات بنيوية بين الكلمات هي في صلب محتوى رواية.” كوميديا الحب الألهي”- يحضر لفظ لكوميديا في الرواية 2 مرتين فقط- ويحضر الحب 36 مرة، والإلهي 27 مرة،- وهذا العدد لا يشكل مهيمنات أسلوبية فقط،بل ويكوّن مدخلا آمناً للرواية . فلكل كلمة فيه تفسيراتها وإحالاتها الفكرية الخاصة بها وبغيرها، وأول صورة للعلاقة بين المفردات الثلاث أننا إزاء مفارقة.

 

ثانيا، أن العنوان  لا يعطي تصورا كاملاً عن فكرة الرواية غير أنه يحيلنا إلى الكوميديا الإلهية لدانتي، ورواية مائة عام من العزلة لماركيز، فما يحدث في الرواية هو إعادة تشكيل للحياة من جديد بعد أن تمر الشخصيات بأخطاء قاتلة، فالعلاقة بين الحب والإله علاقة تحددها أفكار بشرية وليس علاقات جسدية، ليصبح الجسد روحا محلقة في سماوات العالم العلوي،هل ثمة ريميديوس جديدة- بصورة بيداء-  يحاول لؤي خلقها من واقعنا العراقي؟ ربما فالرواية هذه نافذة ممتلئة بأحلام اليقظة الشعرية حيث المكان يخلق صورا لا حد لجماليتها.. فالكوميديا كفعل بشري يرتبط  مفهومها  ” بفعل مشترك فيه شيء من المرح  بين جماعة من الناس في بنية متشابكة من المفارقات والمتناقضات والمفاجآت التي تكشف عن طبائع الناس، وعادات المجتمع، ونقائض الحياة، بطريقة نقدية ساخرة ودعابة محببة، وتنتهي نهاية سعيدة(…) بحيث تصبح صورة معبرة وصادقة عن حياة المجتمع والناس”. وهذا التعريف الأصطلاحي للكوميديا لا يمت بصلة لكوميديا دانتي،ولا لكوميديا لؤي، لذلك فالمفارقة القائمة في العنوان تولد السخرية المبطنة على ما يحدث للشخصيات وهي ترتكب جرائمها الفكرية والجسدية، وهذا شيء يبدو لنا سيلازم كل التركيبة الروائية من أحداث وشخصيات ومواقف وحتى البيئة والأمكنة.

 

أما مفردة ” الحب التي تستدعي الإلوهية لتوصيفها،- يحضر الحب 36 مرة في الرواية- والسرير 28 مرة، وهما على علاقة مكانية بالفعل الجسدي، تتحول مفردة الحب في السريرإلى شيء مغايرعما نعرفه عن الحب، أنه في الرواية مزيج من تصور بشري / كوميدي، يتحول من الثقافي إلى غطاء للدنس الروحي، وإلى البحث عن المصائر المشوهة، صالح/ شهرزاد، المبدع/ حياة، كل الشخصيات تمارس الحب المشوه وهي على علاقة ما بأكثر من إنسان، فتبدو كيانات هشة،هي مزيج من الوهم والحقيقة، فيحيلنا العنوان الى مدخل مخاتل للنص، يوحي من جهة بالفعل العاطفي اندماج الجسدين،صالح/ شهرزاد، صالح / بيداء، ومن جهة أخرى يتنكر له بالرفض الجسدي،بيداء/ صالح، بيداء/ عبدل، لينتهي بصياغة موضوع الإندماج بالممكنات التي تزيح قشرة الواقع عنها،لذلك فالإنسان العاشق ليس مقصودا لذاته، بقدر ما كان مجسا لكشف دواخله القلقة وهي تتحول من سكونيتها القديمة إلى حركة مثقلة بالأخطاء.

 

أما كلمة الألهي فتضفي على الكوميديا والحب، شطحات من الـتأويل الصوفي والغريزي معا، ولذلك لا نركن للعنوان بأن يجيبنا على تسؤلات الرواية أو يلخص لنا الرواية، بقدرما يكون جامعا قلقا لأقسامها. إنه ذلك المدخل السري الذي يستبطن المطلقات الثلاث: الحب، الله،الكوميديا، كي يرسم لنا طريقا ثالثا هو التراجيديا الكوميدية لمجموعة إشكالية، وفي لندن إكتشفت هذه المجموعة أنها عاجزة على المواصلة إن هي بقيت بتلك العلاقات القديمة أو الجديدة المنسجمة وروح المدينة الغربية، وعليها كي تتحرر من ماضيها  وحاضرها، أن تنطلق بكامل عنفوانها متحررة من الأثنين ولتدوين تجربتها، إما بالأمتناع عن الممارسة الجنسية، أو بتربية الأطفال، أو بكتابة رواية ، أو بالعودة لممارسة الأعمال،أو بتتبع روايتها في هذا النص الذي بين أيدينا   وهي تحتضن في شرنقتها كل الإحتمالات، لكنها وهي تحاول ذلك تزيد من أخطائها، فيتطلب الأمر مطهرا جديدا موازيا لمطهر دانتي في الكوميديا الألهية. ويبدو أن مثل هذا العنوان يصنع الشك أكثر مما يصنع التفسير. وعلينا ونحن نجتاز عتبة  العنوان أن نكون حذرين، بأن ما سنقرأه هو كوميديا بشرية تدعي التقرب لله عن طريق الحب ، فالعنوان يشكل عتبة اللاداخل واللاخارج معاً، لأن كل مفردات زمانية.

 

4-2- القوس الأول

تبتدئ الرواية  بعد عتبة العنوان بمقدمة صغيرة، اعتبرها العتبة الثانية للدخول إلى الرواية، يتحدث الكاتب فيها عن رؤية محي الدين بن عربي- يحضر محيي في الرواية 14 مرة –  هذه الرؤية متكونة من” أن عناصرالعالم قبل ظهورها إلى الوجود كانت جاثمة كممكنات في العماء، حيث يفصلها عن الذات برزخ الأسماء الإلهية، في ذلك السكون الأبدي كان الشوق يسكن ممكنات الوجود للتحررمن ظلمات العدم واكتساء حلة الوجود (….) عبر حكاية رمزية يخبرنا الشيخ الأكبر عن ذلك اللقاء الذي جرى بين الأسماء الإلهية والممكنات.” ونتأمل مفردات هذه المقدمة نجدها تنحصر بـ : عناصر- وجود- ممكنات- عماء- ذات- الأسماء الإلهية – التحرر -ظلمات- عدم- حلة الوجود. سنجد ثمان مفردات من بين عشر كلمات هي مفردات مكانية. ولذلك ترسي العتبة الثانية بنا إلى الواقع، والى التجربة بعدما أخذنا العنوان إلى الفكرة المطلقة للحب.

 

لا أعتبر هذه المقدمة المكثفة التي يتحدث فيها القاص عن تداخل الأسماء والممكنات، استهلالاً للرواية، بقد ما تكون هذه الشذرات قد فتحت لنا قوسا كبيراً قبل أن ندخل الرواية، وسيكون الفصل الأخير من الرواية، والمعنون “الأسماء الإلهية 2” هو القوس الكبير الآخرالذي سيغلق علينا الرواية. أما الرواية نفسها فتقع بين هذين القوسين الكبيرين. ومن الكلمات التي ابتدأت بها الرواية يضعنا المؤلف في سياق مبهم وهو يحرر ممكنات الوجود من ظلمات العماء، كي تكتسي حلة الوجود، بهذه الدرامية الجدلية يدخلنا لؤي إلى بنية روائية ليس من السهولة التعامل العادي معها، سنجد الشخصيات كلها دون استثناء واقعة بين فعلي امكانية التحرر من العماء والإنطلاق إلى الوجود، وفعل البقاء ضمن العماء، والعودة ثانية للمكون.

شاهد أيضاً

عن الكاتب العراقي لؤي عبد الاله ومجموعته القصصية (لعبة الأقنعة) بقلم: مصطفى الموسوي

تجربة لؤي عبد الاله الثقافية تختلف تجربة القاص والروائي والمترجم والصحفي لؤي عبد الاله عن …