الرئيسية / المدونة / الربيع العربي: هل يمكن ان تفرز سلطة قمعية معارضة غير قمعية؟

الربيع العربي: هل يمكن ان تفرز سلطة قمعية معارضة غير قمعية؟

١٩/ ١٠/ ٢٠١٦
الربيع العربي: هل يمكن ان تفرز سلطة قمعية معارضة غير قمعية؟
كان احد الإبداعات التي فرزها الربيع العربي شعارات إيقاعية تجذب اللسان وبشكل لا شعوري لترديدها. وابرز هذه الشعارات : الشعب يريد إسقاط النظام
وهنا يمكننا تقسيمه الى مقاطع صوتية فنكتشف انه قريب من مقدمة السيمفونية الخامسة لبيتهوفن ( ضربة القدر)
الشعب ( دٓدٓم)
يريد ( دٓدٓم)
إسقاط النظام (دٓدٓددٓم)
ولعل ميل الاطفال الغريزي للموسيقى جعلهم اول من يطلقه عاليا.
عند النظر الى نتائج الاستفتاءات التي جرت في معظم البلدان العربية ستصدمنا انها غالبا ما تكون فوق ٩٠٪‏ للرئيس الموجود في الحكم في زمن الاستفتاء ، وقد تكون النتائج صحيحة لكنها في الوقت الحاضر تشير الى خطورة كبيرة بان هناك نقمة تغلي داخل قطاع واسع لم يعط اي خيار غير الارنب فالغزال المطروح كخيار اخر هو افتراضي محض.
وبهذه النتيجة تكون السلطة قد صاغت شعارا مماثلا للشعار الآنف الذكر مع تعديل طفيف عليه من دون ترديده
غنائيا:
الشعب يريد بقاء الرئيس !
في الانتخابات الاخيرة التي جرت في فرنسا كان قطاع واسع من الفرنسيين يغلون غضبا على نيكولاي ساركوزي ويريدون إخراجه من الرئاسة باي شكل من الأشكال بعد فضائح مالية وغير مالية تراكمت ضده وآخرها لعب دور فعال في إسقاط وقتل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي على الرغم من انه ( كما زعم) أخذ دعما ماليا منه لحملته الانتخابية ( يعني غدرا وخيانة لا تليق حتى بالقتلة واللصوص) لكن البديل فرانسوا اولاند اثبت انه يتجاوز ساركوزي في تهوره وفضائحه مما أوصل شعبيته الى مستوى لم يصلها رئيس سابق في فرنسا: ١٣٪‏.
والآن هناك حظوظ كبيرة لعودة ساركوزي للحكم!
بحساب بسيط لفترتي الحكم اللتين احتلاهما واحدا بعد الاخر نجد ان الدولة ومصالح طبقاتها واليات عمل الدولة لم يتغير باي شيء لكن الشيء الأساسي الذي تحقق هو نجاح الدولة في التنفيس عن الحنق والغضب المتراكمين وتحقيق التوازن النفسي للمجتمع مع بقاء الخيار هو أرنب وان الغزال كان افتراضيا لكنه قابل على المسك اي انه كائن ملموس وليس مجردا كحال الدول العربية الملتزمة بنظام الانتخابات!
اعود الان الى شعارنا الابرز خلال موسم الربيع العربي: الشعب يريد إسقاط النظام
انه يفترض ان الشعب كله يريد إسقاط النظام من دون وجود اي سبر او استطلاع راي او استفتاء ما ( لاستحالة تحققه) وهذا هو بحد ذاته استبداد مضاد لاستبداد الدولة يرفض فكرة قبول نسبة معقولة مع او ضد النظام .. ففي أحسن الحالات لم يحصل اي رئيس ذي شعبية عالية في الغرب على اكثر من ٥٥-٦٠٪‏ من الأصوات.
اضافة الى ذلك هناك جانب الإطلاق من دون تحديد من يطلق الشعار: حزب ما او تنظيم سري ما او نقابة ما فهو شعار خارج اي إطار وهذا بالتاكيد بسبب مسح الأنظمة لأي تواجد معارض سلمي لها.
الخلل الثالث: عدم تحديد مبدأ الشك في اي قناعة شخصية او جمعية انطلاقا من مبدأ النسبية الذي ما زال بعيدا عن العقل العربي بشكل عام وترسخ مبدأ المطلقية.
كان الشعار اكثر تجسيدا للواقع لو صيغ بهذه الطريقة:
نحن المعارضين السلميين للنظام نظن ان نسبة كبيرة قد تزيد عن ٥١٪‏ من الشعب تريد تغيير النظام بنظام اكثر شفافية ويؤمن بمبدأ تداول السلطة ويسمح بتشكيل تنظيمات سياسية على أساس مدني لا ديني ..
وهنا يفقد الشعار غنائيته ونجاحه في تقليد مدخل السيمفونية الخامسة ويصبح برنامج عمل وقد يكون قادرا على تجنيب البلد الى خرابة لا يستطيع احد فيها ترديد هذا الشعار غنائيا سوى الغربان بنعيبها وهي تبكي الضحايا وخراب المدن والنفوس.
الشعاران مسؤولان عن الخراب: الشعب يريد بقاء الرئيس والشعب يريد إسقاط النظام . فهل هناك نقطة وسط الشعارين يمكنها ان تحقق تجاوزا كما هو الحال في الفكر الهيغلي : الاطروحة ونقيضها ثم الاطروحة المركبة .. كانني في قبول هذا المبدأ افترض اننا منتمون الى التاريخ لا الى ما قبل التاريخ. هل هناك امل؟

شاهد أيضاً

فرانكنشتاين وعصرنا .. من سيعيد الجني إلى القارورة

جاءت رواية فرانكشتاين في لحظة تاريخية مهمة كان الغرب يمر بها، فهناك من جانب صعود …