الرئيسية / مقالات / الطائفية المؤسساتية في عراق ما بعد 2003

الطائفية المؤسساتية في عراق ما بعد 2003

لميدوزا في الأسطورة الإغريقية ضفائر في هيئة ثعابين وعينان ناريتان حالما ينظر إليها أي إنسان يتحول إلى حجر. وكم هذا شبيه بنظام “المحاصصة” السائد اليوم في العراق.

كان السؤال الذي بقي يشغلني فترة هو التالي: كيف تمكن الرومان من احتلال معظم أوروبا وشمال أفريقيا وأجزاء كبيرة من آسيا بما فيها  بلاد الشام والعراق لما يقرب من ألف سنة؟ وفوجئتُ عندما علمتُ أن ابتكار جيش مُنشأ على أساس هرمي لا مكان فيه للقبيلة أو الدين أو القومية مكان، كان هو الأساس الذي قام عليه نشوء وتمدد الإمبراطورية الرومانية وثباتها، حيث أصبحت المراتب العسكرية وحدها هي التي تحدد مَن يطيع مَن.

وعلى ضوء ذلك تأسست الوحدات العسكرية التي تبدأ من الفصيل، فالسرية وانتهاءً بالفرقة والفيلق حيث يكون أفرادها قادمين من شتى فئات المجتمع الروماني ومستعمراته، كذلك أدخِلت الخدمة الإجبارية جنبا إلى جنب مع الخدمة الطوعية، وأصبح للخدمة العسكرية الطوعية مدة محددة  بخمس وعشرين سنة، وبعد ذلك يمنح المحاربون القدماء قطعة أرض في الإمبراطورية الرومانية ويكون دخلهم معفيا من الضرائب مع موقع اجتماعي وسياسي متميز في أماكن إقامتهم.

الاكتشاف الثاني هو أن كل الجيوش الأوروبية حذت حذو النموذج الروماني ابتداء من القرن الثامن عشر بعد اهمالها له خلال القرون الوسطى. كذلك الحال مع الدول الناشئة في آسيا وأفريقيا.

وفي بلد متعدد القوميات والطوائف والديانات مثل العراق، مع غياب أي تواصل ثقافي واجتماعي بين أغلب مدنه ومناطقه، أكثر من ستة قرون، يكون جيش على النمط الروماني حاجة أكثر من ضرورية. فغياب الطرق المبلطة والجسور والدولة المركزية القوية منذ الغزو المغولي لعب دورا كبيرا في سيادة الطابع “الغيتوي” للمدينة والبلد بشكل عام، بل حتى التجارة بين المدن الكبيرة مثل بغداد والموصل والبصرة محكومة بوسائل نقل بدائية عبر دجلة أو براً حيث تستغرق الرحلات المحفوفة بخطر قطاع الطرق أياما وأسابيع.

لذلك جاء تأسيس الجيش العراقي على يد واحد من الضباط العراقيين البارزين في الجيش العثماني قبل انحيازه إلى قوات الأمير فيصل بن الحسين ومساهمته في تأسيس الدولة العراقية عام 1921 خطوة أساسية في تشكل العراق الحديث: إنه الجنرال جعفر العسكري خريج أرقى المعاهد العسكرية في تركيا وألمانيا.

وبفضل نظام الخدمة الطوعية والإجبارية تم كسر “الغيتو” النفسي والثقافي بين فئات اجتماعية لم تعرف ولقرون أي تواصل مع الآخرين خارج أزقتها وقراها وقصباتها.

كذلك وفر تأسيس الجيش فرصاً كثيرة، عبر ما يقرب من قرن، للجنود وضباط الصف لتعلم عدد كبير من الحرف مثل السباكة والبناء والخياطة وتصليح السيارات والسياقة والكهرباء والميكانيك والحدادة وغيرها، وبذلك ظل الجيش يضخ المجتمع بعمال مهرة حال إكمالهم خدمتهم العسكرية عقودا عديدة. والأكثر من كل هذا،  أن الجيش وفر الفرص لإجيال من الشباب كي يختلطوا بعضهم ببعض ويكتسبوا خبرات وملامح مشتركة خارج دائرة مناطقهم وقراهم وأزقتهم. إضافة إلى ذلك، والأكثر أهمية هو أنّ الجيش أصبح ذا عقيدة موحدة تتمثل بإطاعة كل عسكري لمن هو أعلى منه رتبة، بغضّ النظر عن خلفيته الدينية والمذهبية والاثنية. صحيح أن بعض المغامرين الطامحين من الضباط الكبار استغلوا هذه العقيدة لكي يقفزوا إلى الحكم (مثلما هو  الحال خلال مسار الإمبراطورية الرومانية) عبر مؤامرات وانقلابات عسكرية، لكن هذا الجانب السلبي لم يغير حقيقة كون الجيش العراقي هو المؤسسة الوحيدة التي لعبت دورا جوهريا في تذويب وصهر عناصر متفرقة ومعزولة بعضها عن بعض لتخلق في بوتقته ما يمكن تسميته بنواة المجتمع العراقي الحديث.

حتى مع بروز حكم الحزب الواحد وتحكّمه بالمؤسسات الحكومية عام 1968 فإنه لم يسع إلى حل هذه العقيدة التي تشبه مادة الاسمنت الرابط لأجزاء جسم مركب: المؤسسة العسكرية. لقد ظلت قوات الحرس الجمهوري على سبيل المثال تتمتع بكفاءتها الحرفية (بغض النظر عن القرارات الكارثية التي اتخذها صدام حسين)، وكما ثبت لاحقا فإن نسبة عدد الضباط الشيعة في هذه القوات (عكس ما ظلت الصحف الأميركية تردده لسنوات) كانت حوالي 65%، لكن الطاعة القائمة على الرتبة العسكرية جعل رفاق السلاح متوحدين بفضل هذا النظام بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والاثنية.

قبل استلام بول بريمر منصب رئيس “سلطة الائتلاف المؤقتة” يوم 12 مايس 2003 كان هناك توجه لدى المؤسسة العسكرية الأميركية لإبقاء الجيش العراقي ودفع رواتب أفراده، ومنح الضباط الكبار فيه دورا مستقبليا، لكن اللعبة تغيرت تماما عند قدوم المسؤول الأميركي إلى بغداد: إذ كان أول قرار له هو حل الجيش العراقي الذي يبلغ تعداده حوالي نصف مليون عسكري. ولم تكتفِ سلطة الاحتلال هذه بذلك بل رفضت منح الحد الأدنى من الرواتب لهذا العدد الهائل من العاملين فيه. وكأن انفراط هذه المؤسسة الضخمة وانفراط عقيدتها القائمة على طاعة الأصغر رتبة لمن هو أعلى منه رتبة دون اعتبار لمذهبه أو دينه أو أثنيته، جنبا إلى جنب مع العوز لإطعام أنفسهم وعوائلهم، وراء تفرق رفاق السلاح السابقين، لينتقل أفضل الضباط في الجيش العراقي من وحداتهم العسكرية إلى الميليشيات وفق هويات قادتها المذهبية، وأصبحت الطاعة قائمة لرجال دين مزيفين أصبحوا هم أنفسهم القادة العسكريين. ونتيجة لذلك بدأ رفاق السلاح السابقون يقاتلون بعضهم بعضاً.

في مقالة لمجلة التايم، خلال فترة تفجر الفتنة الطائفية في العراق عامي 2006 و 2007  اعترف كاتبها بأن الضباط المحنكين وراء المواجهة المسلحة بين الميليشيات هم ضباط من قوات الحرس الجمهوري، ولو تمكنت الولايات المتحدة من إعادتهم إلى ما كانوا عليه ضمن نفس المؤسسة العسكرية التي كانت فسيمكن إيقاف سعير الفتنة المدمرة، لكن البيت الأبيض تجاهل هذا الاقتراح، بل هو مضى أبعد بتحويل المحاصصة نهجاً مؤسساتيا تصاغ عليه كل المؤسسات بما فيها الجيش والشرطة والوزارات وكل هذه المؤسسات فقدت قدرتها على تقديم الخدمات للناس على أساس انتمائهم للوطن قبل كل شيء، واتضح هزال الجيش اللاحق الذي تأسس بعد إنهاء الخدمة الإجبارية فيه، عندما نجح عدد صغير من تنظيم داعش الإرهابي في احتلال مدن كبيرة مثل الموصل بوقت قصير جدا دون أن يلقى أي مقاومة من وحدات “الجيش” الجديد، رغم عددها الضخم.

كذلك، فإن حل مؤسسة عدد أفرادها يزيد عن نصف مليون شخص وتمتلك عددا كبيرا من الكوادر المتخصصة في شتى القطاعات البنائية والخدماتية، قد أضاع فرصة التحكم بالأمن وحماية المؤسسات الحكومية والحفاظ على مستوى الخدمات العامة من توفير للكهرباء والماء إلى إعادة بناء المدارس والمستشفيات والمؤسسات الخدماتية الأخرى التي تضررت خلال فترة الحرب وما بعدها.

بدلا عن ذلك، برزت الميليشيات الطائفية لتحل محل الجيش في أداء بعض من هذه المهام، ولتعمق تقسيم المدن والقصبات والمناطق حسب الهوية الطائفية، وليصبح قادتها طغاة مستبدين يبذرون في الوطن الفساد بكل أشكاله من سرقة النفط وبيعه في أسواق سوداء دولية إلى فرض الاتاوات على رجال الأعمال في مناطقهم، إلى التدخل في تعيين أعوانهم ومريديهم في دوائر الدولة هنا وهناك وانتشار ظاهرة التعيينات لـ “فضائيين” غير موجودين في المؤسسات الحكومية لكنهم يقبضون رواتب شهرية بانتظام.

وبهذا الشكل أصبح القادة المسيِّرون للمجتمع شيوخ العشائر، الذين استعادوا مكانتهم، جنبا إلى جنب مع معممين لم يدرسوا يوما علم الإلهيات في أي جامعة. وكأن العراق سار باتجاه تراجعي: قبل ثورة 14 تموز 1958 كان الخبراء وحملة شهادات جامعية عليا من بريطانيا وأمريكا هم المخططون لسياسات البلد وعمرانه وتطوره، ثم جاء الضباط ليحلوا محلهم، وبعد ذلك القادة البعثيون ثم سلطة الفرد الواحد، وبعد الغزو الأميركي- البريطاني للعراق يوم 21 آذار 2003 أصبح رجال الدين والمعممون وشيوخ العشائر هم دينامو المجتمع، ومعهم أصبحت المحاصصة الطائفية – الاثنية آلية مؤسساتية تنتفع منها نخبة سياسية  جاءت تجسيدا لها أكثر من أن تكون صانعة لها.

لم يتمكن أحد من تخليص البشرية من شرور “ميدوزا” إلا بطل أسطوري هو بيرسوس، و”الميدوزا” العراقية اليوم هي “المحاصصة” في زمن لا تحكمه سوى قاعدة السبب والنتيجة ولا مكان فيه لأبطال يأتون من خارج التاريخ ليقلبوه رأسا على عقب.

 

 

شاهد أيضاً

باختين ودوستويفسكي: مَن أنقذ مَن؟

غالباً ما ينتابني شعور عند الدخول إلى مكتبة عامة بأن كل المؤلفين الذين استقرت كتبهم …