الرئيسية / نصوص / العيش على حافة الوهم

العيش على حافة الوهم

العيش على حافة الوهم

 (1)

تعود بداية كتابتي للقصة القصيرة الى ايام الثانوية. اذكر انني بعثت، انذاك، بنص قصصي الى احدى الجرائد اليومية، للاشتراك في مسابقة ادبية، نظمتها تلك الجريدة. ولم تكن النتيجة سوى ملاحظة صغيرة، على احدى صفحاتها تطالبني  باجراء تكثيف  للقصة، ولابد ان تكون تلك الاجابة لمراهق في الخامسة عشر، ذات تأثير كبير. الان وانا استرجع تلك التجربة، اجدني ممتنا كثيرا لذلك المحرر، اذ ما الذي سيحدث لو ان تلك القصة، قد وجدت طريقها للنشر؟ لا بد ان عفريت الشهرة، سيسوطني بدأب دافعا اياي لكتابة القصص، اشباعا لنرجسية متنامية مع العمر، تنتهي بالانطفاء، مبكرا، على انا مضخمة، منفصلة كليا عن الاخر..هذا هو مجرد احتمال واحد من الاف الاحتمالات، فالمصادفة،  التي تبدو، في وقتها، ذات تأثير ضئيل، ستقود الى نتائج متعاقبة، توصلنا في الاخير الى  شخص آخر، مختلف

عما يمكن ان نكونه وفق تأثير  مصادفة اخرى.

بعد خمسة وعشرين عاما، سأعود الى تلك القصة، التي فقدتها مع الكثير من الاوراق، لكنها ظلت عالقة بين متاهات الذاكرة، من بين عشر قصص، كتبت في تلك الفترة. ولن يتطلب الامر سوى تقمص روح ذلك المراهق الذي خلفته ورائي في بغداد، لاستحضرها ثانية، مع قليل من التحويرات. ها انذا امام عمل مكثف، خال من اي عقدة، او تنام لحدث او شخصية ما. مجموعة من الاشخاص يسافرون في قطار ليلا: طفلان وابواهما، مجنون واخت عمياء، جنود، وشرطيان .. وعند تمعني في العمل لم اجد سوى القطار بطلا، او بشكل ادق ايقاع حركة القطار نفسه، الذي اخرج النص من الزمن التاريخي ليضعه في الزمن المطلق، او في اللازمن.. اطلقت على هذه القصة اسم “ضحكات آخر الليل”.. وما عنيت به ضحكات ذلك المجنون الذي تتقاطع مع ايقاع حركة القطار، او ايقاع الزمن.

يبدو ان النجاح في اعادة كتابة “ضحكات آخر الليل”، بعد مرور هذه الفترة الطويلة، وفي مدينة تبعد الاف الاميال عن بغداد، قد اعاد لذلك الشغف الطفولي بكتابة القصص، الحياة مرة اخرى، وكأن الخيارات الحياتية الاخرى، التي ما انفك العيش في لندن يقدمها لي، عاجزة عن جذبي اليها.. هكذا اصل الى نتيجة غريبة:  ثمن النجاح في حقل كتابة ادب الخيال، يتطلب تحقيق الفشل في جوانب الحياة الاخرى. بصيغة اخرى، الوقوف موقفا تدميريا تجاه اي خيار يقود الى الانغمار في متطلبات الواقع لتحقيق البقاء، فلا متابعة دراسة تتطلب قسرا لخيارات ذهنية محكومة بالنزوة والحلم، اكثر من ان تكون محكومة ببرامج الاخرين، لا وظيفة ناجحة  تجبرني على  العمل مع الاخرين، لانجاز اهداف معينة، مرتبطة بالحاضر.. كم يحضر في ذهني، اولئك الكتّاب الذين انجزوا  افضل اعمالهم وهم يعيشون تحت وطأة الافلاس.. ولعل  اولئك الذين اغتنوا، سيظلون يوهمون انفسهم عكس ما هم عليه، كي يستطيعوا المواصلة.

كتابة ادب الخيال، هي احلال عالم متوهَّم محل الواقع، على الرغم من الاواصر التي تجمعه به، لكنه منفصل عنه بآلياته، وحينما يحاول المرء ان ينقل الواقع كما هو الى ادب الخيال، سيفاجأ بفقدان هذا الواقع لحقيقته الفنية، سيصبح ملفقا تماما على الرغم من كونه حقيقة في الاصل. الفارق بين عالم القصة او الرواية وبين  عالم الواقع هو  الثيمات التي تحكم الاول بينما يظل الواقع مندلقا بشتى الاتجاهات. القصة او الرواية هي تمثيل ايمائي للواقع، محكوم بنفس القواعد  الجمالية التي تحكم الفنون الاخرى الاخرى كالرسم والموسيقى.. لذلك فهي تقع بين عالم الوهم  والواقع، وهذه هي حال الممسوس بكتابتهما ايضا.

(2)

كانت المدرسة التي التحقت بها عن مضض، تستقطب طلبة من عشرات الاحياء والمناطق

الزراعية المحيطة بها. بعضهم كان يقطع اكثر من ثلاثين كيلو مترا في الباص، للوصول

اليها. من جانب اخر، فالرحلة الى بغداد تستغرق ما يقرب من ساعة، وهذا الوقت  كاف كي

“ينفى” بعض المدرسين اليساريين اليها بعد انقلاب 63. في اوقات الفرصة، كنت اتنصت

لبعض طلبة صفي وهم يرددون اسماء لم اسمع بها من قبل، او مرت علي دون ان تعني

شيئا: فرويد، ماركس، تشيخوف، غوركي، دوستويفسكي، كولن ولسن.. او هم يتحاججون

بافضلية الشعر العمودي على الشعر الحر، او بالعكس، بافضلية طه حسين او العقاد..  في

درس العربي، كان المناخ مختلفا عما عهدته من قبل، فمدرسنا كان شاعرا، سبق له ان قضى

عاما في السجن، ولم يخرج منه حتى سقوط  البعثيين في انقلاب 64. كان الطلبة المهتمون

بالثقافة، يلتقون مرة في الاسبوع، داخل المدرسة، وباشراف مدرس العربي، ليقرأوا ما كتبوه،

ثم يتبعها نقاش للنص.. هناك  كنت  استمع الى القصص والمقالات والخواطر، وملاحظات

المستمعين، وارائهم.. وكان علي ان امضي في طريق طويل كي الحق بالركب.. مقابل

المدرسة كانت هناك مكتبة محلية، ومع الزميل الجالس جنبي، بدأت اتعرف على الكتب

المتوفرة هناك.. لم اكتف احيانا بأستعارة الكتب الى البيت، بل بالبقاء في المكتبة بدل الذهاب

الى المدرسة طيلة اليوم، ولن يسألني احد في البيت عن جنوني هذا، اذ تفصلنا عن المدرسة

مسافة معتبرة. كان النص الاول الذي  كتبته،  وحاز على رضا اللجنة الثقافية ومدرس

العربية، خاطرة فنطازية قصيرة. وكان نشرها في الجدارية التي تصدر كل شهر، اهم حدث

في تلك السنة.. ها انذا اجد الطريق الصحيح على حساب الفيزياء والكيمياء.. كانت العطل

مناسبة للانكفاء في الحجرة مع راسكولينكوف، بطل رواية الجريمة والعقاب، او مع الاخوة

كارامازوف. وفي الاعياد، وبدلا من شراء الملابس، سابدأ بصرفها على الكتب. في مكتبتي

لم يكن هناك سوى جرجي زيدان ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وبعض روايات محمد

عبدالحليم عبدالله، لكنني الان منكب على نوع اخر من الكتب، فروايات كامو وسارتر ومالرو

متوفرة في السوق، ومجلة الاداب تصدر، بانتظام، وفيها الكثير من المقالات النقدية المعرفة

بالكتب المترجمة الجديدة.. انها روح جديدة تتقمصني، وكأن العالم يضطرم بالاثارة

والسحر.. الافكار تتقافز امامي من الكتب دون القدرة على ايجاد نسق لها.. في تلك الفترة،

جاءت  الافلام ذات النوعية الخاصة، اكتشافا مذهلا لي، فبدلا من الذهاب الى السينما لمشاهدة

شامي كابور او فيلم ويسترن، اصبحت افلام من نوع زوربا، عربة اسمها اللذة، وهاملت

الروسي مغناطيسا يجذبني.. في ذلك المناخ  خلقت الرغبة  في النفس بان اكون كاتبا . ومع

مرور الوقت في المدرسة، كانت تلك الرغبة تتجذر اكثر فاكثر في  مخيلتي..

(3)

يقول توماس مان: “لايعيش المرء حياته فقط بل حياة جيله وعصره”، كم يبدو لي ذلك

صحيحا وانا استرجع هزيمة 67، وآثارها على مسار الجيل الذي انتمي له. دون اي تنبيه،

ودون اي اعداد سبق، وجد الالاف من الشباب الذين ما زالوا في طور التعرف الى ذواتهم

وامكانياتهم مدفوعين صوب الثورة الموعودة. في تلك الفترة انحسر الادب ليحتل محله الفكر

السياسي والاقتصادي، وليتحتل الفكر الماركسي  الصدارة، بعض الاصدقاء تركوا جامعاتهم

والتحقوا  بالمقاومة الفلسطينية. في العراق اصبح، الانتماء لليسار المتطرف، عدوى سريعة التفشي، ولم اكن خارج هذا المناخ، كأن المشروع السياسي بالتغيير قد حل محل مشروع المراقبة الذي تتطلبه الكتابة القصصية. في تلك الفترة بين عامي 68 و75 غصت المكتبات في بغداد بمئات الكتب الماركسية ناهيك عن المجلات الفكرية مثل درسات عربية، الحرية، الطليعة المصرية، وغيرها. كان شراء مجلة بالنسبة لي يعني التخلي عن ركوب الباص والتمشي لثلاثة ايام متتالية مسافة تزيد عن العشرة كيلومترات.

مع صعود البعث الى السلطة عام 68، واندفاعه في تصفية الاحزاب والتيارات التي ظهرت في الفترة  الليبرالية السابقة، بدأت الاحلام الكبيرة التي راودتني بالتضاؤل، مع ذلك كنت اشعر بتغير اتجاه الاهتمام والقراءة، في تلك الفترة  تعرفت الى الاقتصاد الماركسي، الى تيارات اليسار الجديد الممثلة بافكار غارودي وماركوز، وعند خروجي من العراق  صوب الجزائر عام 76، كنت في حالة من الشك بما هو سائد، واقل دوغمائية مما كنت عليه قبل عامين او ثلاثة.

حالة الانتقال الى موقع المراقب، ومسرات العيش في بلد فتي، كالجزائر، اضافة الى العيش

قرب البحر كان له اثره في اعادتي الى الكتابة. لثلاثة اعوام انغمرت في كتابة مشروع روائي، وعند الانتهاء منه اكتشفت انه لم يكن سوى تبشير سياسي مقنع بافكار اكثر من كونه نسيجا عفويا. كأن الادب عاد ثانية ليتلبس ثياب ما هو سياسي وتبشيري. لذلك كان القرار بعدم نشره واعتباره تمرينا كتابيا، خطوة هامة في تجربتي القصصية. اذ ترسخت لدي فكرة ان الكتابة هي نتاج مفهوم يمتلكه الكاتب عن ماهية القيم الجمالية التي تتحكم بالنص.

لعام 82 اهمية خاصة لي، اذ اثناء انغماري في عمل تجريبي مغاير لما انجزته سابقا، وقع الغزو الاسرائيلي للبنان. في الوقت نفسه كانت الحرب العراقية الايرانية قد مضى عليها مايقرب من عامين. وكانت الرغبة بالقيام باي فعل للتخفيف من الام الضحايا مساوية للرغبة باستمرار الكتابة في قصتي الموعودة. كان الواقع والخيال يسكنان في الى حد الشيزوفرينيا، بين شخصيات القصة وبين المعارك التي تدور في جنوب لبنان، ثم في بيروت، والتي كنت اتابعها دقيقة بدقيقة على شاشات التلفزيون.. كانت الكتابة اثناء تلك الايام، مقاومة للموت الذي ما انفك  الواقع يضخه كل يوم في روحي.. وكانت الحصيلة قصة “طيور السنونو”.

(4)

مع الخراب الذي لحق بالعراق منذ بدء الحرب العراقية الايرانية مرورا بنكبات حرب الخليج ومحنة المجاعة، يصبح عسيرا على القاص العراقي مقاومة توظيف القصة للتعبير عن احتجاجه او تعاطفه، فالشعور بالذنب مترسخ في اعماقه، ولا بد ان تكون الكتابة وسيلة فعالة للتخفيف من هذا الشعور. بالنسبة لي ، سرت باتجاه معاكس لهذا الاغراء، واذا كان هناك سعي لتصفية الحساب، او لانتقاد جهة سياسية ما، فان المقالة هي افضل قالب لي  لتحقيق اهداف من هذا النوع.

العنصر الاساسي الذي سيتيح للقصة التحرر من شرك الخطاب  السياسي والتبشيري، هو زاوية الرؤية، وهذه تشبه النقطة التي ينظر منها الرسام الى الفراغ. ما اعنيه بزاوية الرؤية هو شخصية الراوي. من يقوم بسرد الحكاية. في قصة مدرسة المكارم، استخدمت صوت ضمير الجمع الاول “نحن”، وكأن مجموعة اطفال تسرد ما جرى لها بعد تجاوزها فترة الطفولة، ولان الوعي الفردي مفقود لدى الطفل، فتصبح  الشخصية ممثلة بمجموعة اكثر من فرد. هذه التقنية اتاحت خلق شعور ايهامي، باللحظة، اذ ان ايقاع السرد قادم من فترة بعيدة عن لحظة السرد، وكأن الكبار تتقمصهم حالة طفولية، اثناء استرجاعهم لاحداث الطفولة. زاوية الرؤية سمحت لاسطورة طرد آدم وحواء من الجنة بعد اكلهما شيئا من فاكهة المعرفة، ان تكون موازيا خفيا للنص، اذ  يحدث الشيء نفسه للاطفال السعداء، حينما يعرفون بحقائق الجنس، التي اخفاها الكبار عنهم.

استخدمت في قصص اخرى صيغة الضمير الاول “انا”، للسرد، في قصة “مملكة النمل”، تُروى القصة على لسان شخص مصاب بانفصام الشخصية،  وهذا ما يجعل خطابه متعرجا ومتقطعا، وفق لحظات الصفاء والفوضى التي تعصف به.. كان سبب جنون هذا البطل، وشايته بصديقه التي  ادت الى قتله.. مع ذلك لا اعلم الى اي حد استطاعت القصة ان تفلت من اسر التبشير والخطابية، وتدخل في عالم الايماء والتمويه.. في الكثير من القصص والروايات العربية، التي نقلت الاضطهاد السياسي واساليب التعذيب ضد  معارضي  السلطات الحاكمة، نجد ان زاوية الرؤية مأخوذة من موقع الضحية، وهذا ما حولها الى نصوص تبشيرية مشبعة بالعاطفية.. هذه المعالجة افقدت اعمالهم اهم خاصية تمتلكها  القصة

او الرواية، الا وهي  الطابع المحايد، (او على الاقل ظاهريا) الذي يسمح باثارة الاسئلة اكثر من تقديم اجابات لها، والذي يتيح لجميع الشخصيات  تبرير سلوكياتها.

هناك استخدام ضمير الشخص الثالث في بعض القصص، عبر تقاطع  صوتين  بعضهما ببعض: صوت الكاتب وصوت البطل، وهذا يمنح احساسا بان زمن القص ليس بعيدا عن زمن وقوع احداث الحكاية، وافضل مثال على ذلك  قصة “احلام الفيديو”.

على الرغم من محاولة التملص من قيود الواقع، والتخلي عن اغراءاته، لكنني اضطر اكثر فاكثر الى التورط باشكالاته، ان يكون المرء ماهرا في ادارة شؤون حياته العملية وكاتب ادب خيال هي موهبة يحسد عليها.. حالي مع الكتابة تشبه حال الصياد، فالقصة تقوم  بكتابة نفسها، وكل ما اقوم به هو دور الوسيط، لذلك لا تزيد قصصي المنجزة عن قصتين في العام، في احسن الاحوال. هذا لا يعني انني اظل مشلولا بانتظار قدوم السمكة، بل هناك قراءات متواصلة، وتسجيل ملاحظات بشكل منتظم، بما فيها الاحلام التي تزورني.. قبل وضع جملة الافتتاح لقصة مملكة النمل، انشغلت بقراءة الادب الذي نقل الخيانة: مسرحيتي شكسبير هاملت وماكبث. فصل العشاء الاخير ولقاء  يهوذا بالمسيح من الانجيل. كراس عن الشيزوفرينيا، قراءة قصص ادغار الان بو التي تروى على لسان قتلة مجانين.. لكن قراءات  من هذا النوع ستختفي من ذاكرتي، حينما يتلبس الوهم اقنعة الواقع، ليؤدي لعبته المسماة بادب القصة القصيرة.

 

شاهد أيضاً

الفرح عبر المعاناة: ثلاثة نماذج

لؤي عبد الإله* (1) يعزو بعض النقاد الموسيقيين تأليف بيتهوفن للسيمفونية التاسعة، إلى صممه الكامل، …