الرئيسية / فنون / حوار الحضارات موسيقيا

حوار الحضارات موسيقيا

 حوار الحضارات موسيقيا:

ظافر يوسف: لقاء عالمي الحواس والروح وتكاملهما معا

في ألبومه الجديد «النبوءة الرقمية» DIGITAL PROPHECY يواصل ظافر يوسف مسيرته الفنية في استثمار عناصر أخرى تندرج ضمن الموسيقى الصوفية عبر دمجها وبشكل عضوي بتقاليد موسيقى الجاز الغربية مع إدخال كل المؤثرات الصوتية الألكترونية المستخدمة في موسيقى البوب الحديثة. لكن النتيجة النهائية هي لصالح الألحان العربية التي تظل الخط الأساسي في مسار القطع الموسيقية والغنائية  لهذا الألبوم.

استخدم يوسف في عمله الجديد نفس العناصر المكونة لألبومه السابق «الصوفي  الكهربائي» Sufi Electric : أبيات قليلة من الشعر الصوفي، نفس فريق الموسيقيين النرويجيين: عازفَين على الجيتار أحدهما يعزف أيضا على البيانو الالكتروني مع إدارته للمؤثرات الصوتية الأخرى، وعازف على الطبل الغربي وآلات النقر وعازف على الكمان الأجهر (الكونتراباس)، وهناك عازف على الفلوت الهندي المعروف باسم بانسوري.

لكن ما يميز عمله الجديد «النبوءة الرقمية» عن سابقه «سوفي اليكتريك» قلة استخدامه للكلمات المغناة إلى الحد الذي لا تتجاوز فيه عن بيتين شعريين أو ثلاثة. بالمقابل يستخدم ظافر يوسف صوته ذا الطبقات العالية والحنجرة العربية الجامحة في ترديد تلك الآهات التي تشكل عنصرا أساسيا في الأغنية العربية إلى أقصى مداها مستخدما إياها جزءا من نسيج العمل الموسيقي نفسه. هنا يصبح الغناء عنصرا متكاملا مع الأدوات الموسيقية والمناخ الذي تخلقه بل هو آلة ملحقة لا يمكن عزلها عن الكل، وتصبح الكلمات بحد ذاتها لا أهمية لها بقدر خلقها لمناخ شعوري معين لدى المتلقي.

كذلك تميز هذا الألبوم عن أعماله السابقة بأجواء عذبة تتماثل مع مسرات الروح عند خروجها من دائرة سجونها اليومية. في معظم قطع الألبوم الجديد تبدأ أولا طبقة موسيقية هادرة ومصطرعة تخلقها الآلات الغربية معبرةً عن عالم داخلي صاخب للنفس محملاً بكل هيجان الرغبات المتعارضة وتطاحنها ثم يدخل صوت العود الرخيم بعد تضاؤل الخلفية المنتجة من مختلف الآلات والمؤثرات الألكترونية بلحن متواز مع الأولى في بناء بوليفوني مدهش، وكأنه ينقل المستمع إلى مستوى آخر تتصالح الأضداد فيه مع بعضها البعض وحيث تغسل الذاكرة بفضل تلك الضربات على أوتار العود زمنا آخر مفعما بالصراع.

في مقطوعة “آية” على سبيل المثال يبدأ صوت ظافر بترتيل بيت شعري صوفي: «والله ما طلعت شمس وما   غربت إلا وحكمك في الأنفاس». لكنه لا يتوقف عند هذا الحد بل يعود إلى لفظ الجلالة: الله ليصعِّدها إلى طبقات قصوى ثم يأخذ الجزء الأخير منها: آه فيمضي أبعد فأبعد حيث يصبح الصوت صفيرا حادا منغمَّا يدفعنا معه صوب منافذ علوية نائية، ثم يدخل الفلوت الهندي متحاورا مع ضربات العود الخافتة بنبرة عالية مترقرقة، ماضية في حالة تسارع مضطرد مع صوت المغني الجامح والعذب في آن واحد، بينما تظل الآلات الموسيقية الغربية الأخرى ترجّع الإيقاع.

تحقق كل هذا التنويع اللحني بفضل  الآلات الغربية القادرة على خلق تلاوين حسية  مختلفة مع العود. ومن خلال هذا التجاور تم إخراج ما تحمله هذه الآلة الشرقية من بعد روحي. هنا يصبح التناغم بين الفلوت الهندي والعود العربي طرفا في معادلة طرفها الآخر هو المناخ الموسيقي الذي تخلقه آلات الجاز والبوب والتي بدونها ما كان ممكنا تذويب الفاصل بين عالمي الحواس والروح، بين ما هو أرضي وما هو مقدس، ليعصف في قلب المتلقي ذلك الإكسير الذي يجعله متوحدا مع الوجود بأكمله.

تتحكم في ألبوم ظافر يوسف الجديد ثيمة موسيقية تستند إلى حركة «المولوي» التي ابتدعها جلال الدين الرومي، ووفقها يتدرب الأفراد مع بعض إيقاعات الموسيقى  الدوران وقتا طويلا. فكل القطع الموسيقية العشر تأخذ شكلا دائريا لكنها أقرب إلى الشكل اللولبي، فهي تخلو من أي تكرار أثناء تقدمها: هناك إثراء متواصل لهذه الثيمة: من خلال موسيقى الجاز التي تتفاعل بانتظام مع طبقات يوسف الصوتية العالية ومع آلتي العود والفلوت الهندي (البونساري)، ومن خلال تنوع كبير في خلق مزاجات شعورية مختلفة تتراوح بين الحزن والتأمل والبهجة وتتجاور مع بعضها زمنيا، منتجةً وبشكل متعاقب شداً وارتخاءً، تسارعاً وتباطؤاً، تنافراً وتجانساً، ضمن مناخ القطعة الموسيقية الواحدة.

يجب التذكير أن تعرُّف ظافر يوسف للموسيقى الصوفية يعود إلى عائلته التي تمتد جذورها إلى الشيخ الأندلسي «سيدي عيّاش». وعند وصول الأخير إلى تونس أنشأ مدرسة دينية ومسجدا. وفيهما تعلم يوسف منذ طفولته الألحان والموسيقى العربية التي ما زال المتصوفة يرددونها هناك.

ضمن المؤثرات الألكترونية الكثيرة هناك صرير خافت يتكرر عدة مرات في قطعة «آية 1984» وهو يوحي بفتح أو غلق باب ما. ويمكن للمرء أن يكتشف المعنى الذي يحمله هذا الصوت حينما يقرأ هذه الجملة الناتئة الموضوعة بجانب عنوان المقطوعة الموسيقية: صرخة من أجل حرية الفكر والتعبير… كذلك نقرأ في آخر الكراس المقتضب المرافق لـ «النبوءة الرقمية» جملة أخرى مثيرة خصوصا حينما نتذكر أن ظافر يوسف يعيش في الغرب منذ بداية التسعينات وأن أعماله أنجزت بفضل تعاونه مع موسيقيين بارزين عالميا: سيكون آخر نَفَس لي بالعربية.

وإذا كان الموسيقي التونسي لم يتجاوز بعد السابعة والثلاثين فإنه تمكن وبفترة قصيرة أن يحتل مكانة بارزة في موسيقى الجاز على المستوى العالمي. فهو من بين المدعوين المنتظمين إلى أبرز مهرجانات الجاز العالمية مثل تلك التي تجري سنويا في لندن وكيب تاون وباريس ومونتريال.

حينما ذهبتُ في نوفمبر إلى حفلته الأخيرة التي كانت في قاعة «الملكة اليزابيث» بلندن كان الفضول يعتورني لمعرفة ما سيقدمه ظافر يوسف من جديد بعد تعرفي إليه عبر عمليه السابقين «سوفي اليكترك» و«ملاك»: هل سيكرر نفسه؟ هل سيذوب في معمعة الجاز الغربي، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تصورتها: كان أمامي فنان يمتلك دفعة واحدة حزمة مواهب، أقلها الصوت المشغول عليه بجهد دؤوب مرورا بعزفه المتقن وموسيقاه المبتكرة.أما أكثر المواهب التي يمتلكها فهي تلك التي يسميها الشاعر الأسباني لوركا بـ «الدُوِنْدا» والتي لم أجد ترجمة لها أفضل من «الجذبة الروحية». هنا حينما يكون العمل الفني قادرا على كهربة متلقيه مثلما هو الحال مع كهربة مبدعه.

كان الجمهور الغربي الذي يشكل معظم الحاضرين في القاعة تحت سطوة ذهول كامل عندما اكتشفوا أن الرحلة مع ظافر يوسف قد وصلت إلى نهايتها. كان معظمهم يعيش  حالة إشراقية. إنهم يوضعون توا فوق كوكب مولود للتو: ها هي أرواحهم تحلق راقصة على نغمات عالم بأسره يمتد من الهند ويمر بالعالم العربي وينتهي بالنرويج. لذلك ظلوا مصرين على التصفيق ليعود ظافر مرة أخرى فيقدم أغنية من ألبومه السابق «سوفي اليكتريك».

إنه باختصار ظاهرة عربية نادرة بامتياز: أن يتمكن مع الموسيقيين الآخرين من بناء هذه الجسور بين الحضارات بزمن قياسي لا يزيد عن ساعتين وفي زمن كالذي نعيشه الآن، لإنجاز قريب من المعجزة. وكأني أراه يترجم عبر جمله الموسيقية الساحرة عبارة ابن عربي الشهيرة: «هناك نوعان من الحب: حب الخلق في الحق وحب الحق في الخلق».

لؤي عبد الإله

 

شاهد أيضاً

تأملات في معرض “طقوس العبور” حقيقتنا وحقيقة العالم تفلتان من أيدينا*

(1) تعكس رواية “ذئب البوادي” لهرمان هسه، حال بطلها هاري هللر أثناء فترة انتقالية حاسمة …