الرئيسية / المدونة / داعش والدعشنة وما بينهما

داعش والدعشنة وما بينهما

٢٠/١٠/٢٠١٦
في اغلب البلدان المتقدمة حينما تتكرر ظاهرة اجتماعية سيئة تلجأ السلطات للخبراء المختصين للمساعدة على إنهائها. فمثلا برزت في بريطانيا خلال الثلاثين سنة الاخيرة حوادث العنف بين بعض سائقي السيارات حيث وصل بعضها الى حد القتل. وكان لزاما البدء من الخطوة الاولى: تحليل الظاهرة سيكولوجيا ثم إيجاد مفهوم يصفها وكأن صياغة مفهوم كهذا أساسي في معالجة المشكلة فأطلق على هذا العنف الذي يحاسب عليه القانون تعبير Road Rage.
وترجمته الى العربية او الى اي لغة لا تنقل الحالة ولكن تكرار المفهوم في الصحف ووسائل الاعلام جعله واضحا لدى اغلب المواطنين. ترجمة هذا المصطلح هو “هيجان الطريق”، ٠٠ولو سألت اي شخص بريطاني مات قبل ظهور هذا المفهوم وعاد الى الحياة لفترة قصيرة عن معنى هذا المصطلح لفضل العودة الى قبره على ان يعطيك تفسيرا غريبا له، فالمعنى الحقيقي هومشاغبات سائقي السيارات في الطريق ولكن باستخدام كلمتين تبدآن بحرف R جعله غامضا قليلا وملتبسا ويعطي معنى يشير الى حالة مرضية تصيب البعض اثناء سياقتهم في شوارع بريطانيا. وتعميم هذا المفهوم جعل الناس يدركون الحالة التي قد يقعون فيها وما قد يترتب عنه من وسمهم بحالة مرضية ( او حولها المصطلح الى حالة مرضية) وما سيكون تاثيره على علاقته بأفراد أسرته وزملائه او في حالة تقديمه لعمل جديد، ولا استبعد ان ذلك أدى من دون عقوبات الى تقليل حالات العنف على الطرق بين سائقي السيارات.
الحالة نفسها مع داعش التي اقترب كنسها ككيان مادي من العراق بعد كل الفظائع التي ارتكبتها ضد المدنيين وضد النساء والأطفال. وسؤالي هو هل سيتم كنس الدعشنة مع كنس داعش في العراق؟
وهنا اجد من الضروري شرح ما اعنيه بمفهوم الدعشنة المشتق من اسم الحركة سيئة الصيت.
السؤال الاول: ما الذي جعل داعش تستخدم كل وسائل العنف البشعة من قطع للرؤوس وتعذيب بطرق شديدة البربرية لمن لا يتفقون مع معتقداتها او سبي النساء غير المسلمات ( وهذا بحد ذاته سبب لاضطهادهن لأنهن لا ينتمين الى نفس الديانة التي يعتقد أفراد داعش انهم اخلص حراس بوابتها) وبيعهن في الاسواق او توزيعهن على المقاتلين جواري ومحظيات لهم؟
كل أساليب العنف هذه لها هدف واحد هو تخويف الاخر المختلف معهم الى الحد الذي يقبل بان يؤمن بقناعاتهم وان يصبح واحدا منهم.
ولذلك فالدعشنة وهي مصدر لفعل رباعي اقترحه: دعشن. اي فرض قناعات الشخص على الآخرين بالاكراه والتهديد كي يؤمنون بقناعاته وفي حالة رفضهم او معارضتهم له فهو يملك الحق بتأديبهم بشتى الطرق بما فيها قطع رؤوسهم.
وقد يمكن استخراج فعل لازم لدعشن وهو تدعشنَ وهذا يعني انه تحول الى شخص مدعشَن وبدأ يتصرف كدعاشي، والتدعشن هو مصدر هذا الفعل والذي يعني التحول الى شخص بسلوك مماثل لسلوك الدواعش سيئي الصيت.
حال قبولنا بهذا المصطلح ومعناه وتلفّتنا حولنا نكتشف ولرعبنا ان داعش والداعشيين ظلوا يشاركوننا في الطعام والسكن والانشطة الاخرى منذ اكثر من نصف قرن. انهم اخواننا وجيراننا واقاربنا وربما نحن ايضا.
فمنذ ان اصبح الانتماء للوطن ثانويا قياسا بالانتماء للحزب راح الكثير يمارسون تدعشنهم على الآخرين كلما كان الآخرون في وضع اضعف من وضعهم، وربما هذا بفضل السلاح او السلطة اللذين بايديهم. ولعل اكبر دعشنة جرت للمجتمع خلال فترة حكم حزب البعث والذي توج بفرض الانتماء القسري لقطاع واسع من المهنيين والطلاب ان لم يكن لكل المجتمع. وفي الفترة التي تلت سقوط النظام السابق برزت دعشنة اخطر حين اصبح الانتماء لهذه الطائفة تحديدا او تلك في ان تكون مدعشنِا او مدعشٓنا عليه. وهذا يعتمد على المنطقة التي يسكن فيها المواطن.
وهنا ربما يأتي السؤال الاخر: هل هناك فرق بين قطع رأس إنسان وبين إذلاله وامتهان كرامته امام زوجته واطفاله.
الا تبلغ كراهية الشخص لنفسه بقبوله للاهانة درجة تجعله يتمنى لو قطع المتدعشن راْسه من دون ان يمس كرامته.
هل هناك فرق بين اي من فظاعات داعش اللإنسانية وبين شتم شخصية دينية أقدسها من قبل رجل ينتمي الى ميليشيا مسلحة ما اذا كان الهدف إذلالي وامتناني والحط من قيمتي؟ أليس هذا التصرف متدعشِنا وان الشخص الذي يمارس فعل الاذلال هو داعشي من الطراز الاول فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي على استعداد ان يخسر حياته مقابل الاحتفاظ بكرامته . فحقوق الانسان لم تظهر الا بسبب الامتهان الذي مارسته السلطات والأكثريات ذات الطابع الديني او المذهبي ضد الأقليات وبسبب المقاومة التي دفع الكثير من البشر ثمنا للحصول عليها.
قد نندهش اذا وجدنا نسخة اخرى من داعش في أوروبا القرن السادس عشر والسابع عشر حين كان البروتستانت في بلدان ذات اكثرية كاثوليكية موضع اضطهاد والعكس صحيح. او اضطهاد الأقليات اليهودية في المجتمعات ذات الأغلبية الكاثوليكية في القرون السابقة.
إذن ما اريد الوصول اليه هو ان التخلص من داعش في العراق او في بلدان اخرى لا يعني التخلص من الدعشنة ( تحويل المجتمع الى دواعش) او التدعشن ( ويعني التحول الى شخص داعشي بتاثير الخوف او الاقناع) او المتدعشِن وهو الشخص ذو التصرف الداعشي حتى لو لم يقم بقطع الرؤوس ويكتفي بتمزيق كرامة وقيمة الآخرين المختلفين عنه سواء مذهبيا او فكريا او دينيا، والمدعشٓن عليه وهو ضحية داعش ومشتقاتها..

شاهد أيضاً

فرانكنشتاين وعصرنا .. من سيعيد الجني إلى القارورة

جاءت رواية فرانكشتاين في لحظة تاريخية مهمة كان الغرب يمر بها، فهناك من جانب صعود …