الرئيسية / المدونة / سعدي عبد اللطيف: أي قلب ملَكَكَ؟

سعدي عبد اللطيف: أي قلب ملَكَكَ؟

سعدي عبد اللطيف : اي قلب مَلَكَكَ ؟
تدور احدى قصائد الشاعر والمغني البلجيكي جاك بريل حول بعض القلوب التي يصفها في كلمات أغنيته “القلوب الرقيقة”، فيذكر أربعة انواع منها: القلوب الكبيرة التي يدخل الزائر اليها دون ان يطرق بابها والقلوب الهشة القابلة للتهشيم بلمسة إصبع والقلوب الواسعة التي هي في سفر دائم تطارد سرابا ما وآخرها القلوب الخارجة عن صدورها. والاخيرة يتوقف بريل عندها فيكرس لها جزءا اكبر من قصيدته:
هناك من له قلب خارج صدره تماما
ولا يستطيع الا ان يقدمه للآخرين
كي يكون في خدمتهم
ذلك الذي قلبه في الخارج
يكون قلبه هشا ورقيقا اكثر مما ينبغي
بحيث تكون الأشجار الميتة اللعينة
غير قادرة على سماعه

اتذكر في منتصف التسعينيات عند قدوم صديق مشترك الى لندن وبقائه معي حين جئتَ في الْيَوْم الثاني صباحا وكنتَ قد علمت بان تقديم طلب اللجوء وفق القوانين الجديدة التي لم اسمع بها يجب ان يتم خلال ٤٨ ساعة ولحسن الحظ لم تكن الفترة قد انقضت بعد. اتذكر كيف سحبت صديقنا المتقاعس من فراشه وأخذته الى المكتب المعني الواقع على بعد اكثر من خمسين ميلا عن مركز المدينة . ولأول مرة أجدك جادا وحريصا ( على عكس اهمالك الكامل لنفسك ) فانتزعت الصديق من فراشه الدافئ وذهبت به بإصرار شديد الى ذلك المكتب لتقضي كل النهار معه وتنجح في مهمة تقديم الطلب باللجوء للصديق المشترك.
هذا مثال بسيط على همتك الكبيرة لمساعدة الآخرين حتى حين لا يكونون في حاجة حقيقية اليها انطلاقا من
تقديرك المبالغ به انهم بحاجة الى مساعدتك.
إذن فأنت حسب جدول جاك بريل الخاص بالقلوب تنتمي للفئة الرابعة: اصحاب القلوب الخارجة عن صدورها.
ولعله لهذا السبب لم يكن المال أو المنصب أو المكانة الاجتماعية لها اَي قيمة عندك فأصحاب القلوب الموضوعة خارج صدورهم ينتمون الى صنف بشري نادر . فهم من جانب متطوعون بلا حدود لخدمة الآخرين دون اَي تعويض ومن جانب اخر هم مهملون لابسط احتياجاتهم.
ولعل ما يميزك اكثر عن ذوي القلوب الخارجة عن صدورهم هو انك لا تجد سعادة الا في إسعاد أصدقائك أو ان يكون مركز ثقلك لا نفسك أو عائلتك بل أصدقاؤك. فهم حاضرون معك حيثما كنتَ وحيثما كنتَ مع صديق يحضر الآخرون ونجاحاتهم كأنها نجاحاتك انت وسعادتهم سعادتك.
حتى لو كان تقديم اَي خدمة لصديق تتسبب في افقارك وتعرضك لمخاطر ما فان ذلك لن يردعك في المضي بتحقيق ما يحتاج اليه.
كم كان لهذا القلب الخارج عن صدره الذي تملكه من مضار : لقد أزاح هذا القلب ذاتك وعائلتك من ان يكونا مركز الثقل بالنسبة لك وجعلت الأصدقاء بدلا عن ذلك مركز ثقلك. كأنك بهذه الطريقة أصبحت ذرة من دون نواة: طاقة نووية تستهلك نفسها خارج ذاتها على الآخرين.
ولعلك في اعماقك كنت تفترض ان يجاريك هؤلاء الأصدقاء عند احتياجك اليهم وكم كنتَ مخطئا.
قلب في المنفى من هذا النوع لا نصيب له بالبقاء طويلا فالعزلة هي القاعدة فيه في حين ان قلبك الخارج عن صدره يبحث عن الآخرين ليدفئ قلوبهم لذلك كان المشردون الأغراب هم من سكبتَ عليهم اخيراً عاطفتك الحرى بينما اصبح الكثير من أصدقائك غريبين عنك.
للمنفى نصيب في صياغة أقدارنا لكن نوع القلب الذي يسكننا له نصيب في صياغتها أيضا، ولعلك كنتَ أشجعنا في التماثل مع نوع القلب الذي مَلَكَكَ.
وداعا سعدي، فالملائكة ملّت من انتظار لحاقك بها.

 

شاهد أيضاً

فرانكنشتاين وعصرنا .. من سيعيد الجني إلى القارورة

جاءت رواية فرانكشتاين في لحظة تاريخية مهمة كان الغرب يمر بها، فهناك من جانب صعود …