الرئيسية / مقالات / شارع المتنبي:  زاوية هايد بارك البغدادية

شارع المتنبي:  زاوية هايد بارك البغدادية

 

ما يميز العمل الإرهابي الذي تعرض له شارع المتنبي يوم 5/3/07 عن غيره أنه لم يكن موجها ضد مؤسسة محددة تخالف مخططيه أو منفذيه سياسيا أو فكريا أو دينيا، أو ضد أفراد ينتمون إلى هذا الحزب أو ذاك، هذا الدين أو ذاك، فرواد الشارع ينتمون إلى شتى الاتجاهات الفكرية والسياسية وشتى الجماعات الدينية والمذهبية والقومية، ولعل الشارع  ظل منذ نيسان 2003 يمنح الفرصة للكثير منهم للإعلان عن أفكارهم والتبشير بها إن أرادوا بغض النظر عن مدى الاختلافات القائمة بينهم دون مواجهات أو احتكاكات، وكأنهم قد تعاهدوا لا شعوريا بتقبل بعضهم الآخر داخل هذا الشارع الذي أصبح يمتلك حرمة خاصة لدى الجميع، فحال دخولهم إليه ينزع كل واحد فيهم ما يحمله من رفض للآخر، قابلا بمبدأ التعددية الذي رسمته أرصفة شارع المتنبي المتواضعة. هنا تتعايش الأفكار والأذواق والاتجاهات المتعارضة مع بعضها البعض بطريقة سريالية: الخميني بجانب مادونا، لينين بجانب تشرتشل، الأمير عبد الإله  بجانب يوسف سلمان، سيد قطب بجانب صادق جلال العظم. بالمقابل وجد الباعة صيغة للتعايش وتقبل الآخر بشكل رائع، فلا أحد منهم يضع شروطا لكتب البائع المنافس التي ستستلقي على ظهرها بجانب كتبه. كذلك هو الحال مع الزبائن، الذين لا يجدون ضيرا في مشاهدة كتب مخالفة تماما لتلك التي يبحثون عنها حتى حين تحيطها إحاطة السوار بالذراع.

هنا في هذا الشارع بدأت تتشكل ظاهرة متميزة: تعددية الأفكار التي تجسدها الكتب المستعملة المعروضة على الأرض أو تلك الجديدة المعروضة على رفوف المكتبات الكبيرة الأخرى، وقبول زواره بهذا المبدأ والتعايش معه، فكأن زيارة الشارع يوم الجمعة أصبحت نوعا من التجديد لرتابة أيام الأسبوع الأخرى وتخفيفا من قسوة ومصاعب الحياة اليومية، وبشكل ما رفضا ضمنيا لحالة الاستقطاب السياسي الذي يستخدم الدين أو القومية أو الجغرافية أدوات لتحقيق مكاسب شخصية، أو للأحادية الرتيبة التي لا تقبل سوى زي موحد للجميع سواء في الأكل أو الملابس أو التصرف أو الهوايات.

في هذا “الحرم” الذي لم يأت عن قرار أو مرسوم رسمي، أصبح الجميع قادرين على تقديم ما لديهم من جديد في شتى المجالات الفنية والثقافية والسياسية، من دون وجود تهديد لأي منهم. الكل يملك نفس الحقوق التي تضمنها دساتير الشعوب المتقدمة على الورق، لكنها في شارع المتنبي أصبحت واقعا حتى حينما يكون هذا الواقع متعارضا تماما مع الوضع السياسي وحالة الاستقطاب ورفض الآخر. ومن هنا جاءت مخاطر هذه الظاهرة التي بدأت تتنامى بانتظام في هذا الشارع الذي يحمل اسم واحد من أعظم شعراء وادي الرافدين: أبو الطيب المتنبي.

لذلك جاء العمل الإجرامي الذي راح ضحيته العشرات من العاملين فيه ومرتاديه قبل سبع سنوات احتجاجا صارخا على هذه الروح المتنامية في تقبل الآخر والايمان بمبدأ التعددية لا في المجال السياسي فحسب بل في شتى المجالات الثقافية والفنية والذوقية. فما يميز الفكر الشمولي سواء كان سلفيا أو مستقبليا هو افتراضه امتلاك الحقيقة المطلقة وضرورة فرضها على الجميع. وهذا لا يتأتى الا بتصفية الأفكار المختلفة الأخرى وتصفية من يحملها بشتى الطرق.

يقول ميلان كونديرا في كتابه “خيانة الوصايا” إن الرواية هي التي غرزت الديمقراطية في الغرب، وما يعنيه أن الرواية سمحت للقارئ بأن يتعرف على الآخر من دون أحكام مسبقة، ففي هذا النوع الأدبي أصبح جميع الأبطال يمنحون فرصة متساوية في التعبير عن ذواتهم من دون محاكمة الروائي لهم. قبول الآخر هو الطريق للديمقراطية، والقبول بالتعددية الفكرية هو الطريق للتعددية السياسية، ولعل شارع المتنبي قد حقق خلال عشر سنوات ما عجزت عليه كل البنى السياسية التي ظهرت في العراق خلال الفترة  نفسها، مع ذلك فإنها ظلت تراوح في مكانها بفضل موروثها الشمولي وظلت تحكمها المصالح والأهواء الشخصية الضيقة.

لقد نجح هذا الشارع الضيق القصير بتحقيق معجزة حقيقية: زرع مبدأ التعددية: “دع مائة وردة تتفتح” كما قال الزعيم الصيني ماوتسي تونغ قبل انقلابه على شعاره خلال “الثورة الثقافية” التي أطلقها في أوائل الستينات من القرن الماضي، ومعها حرمت آثار أدبية مهمة من التداول من بينها مسرحيات شكسبير بتهمة بورجوازيته.

قد يمكن القول إن التفجيرات الغادرة التي كانت تسعى استهداف هذه الروح النامية للتو في شارع المتنبي وضعت رواده والعاملين فيه امام تحدٍ مصيري: إما التخلي عنه والانكفاء وراء جدران التعصب ورفض الآخر أو البدء بمشروع تجديدي يتجاوز الحدود الخجولة التي كان عليها الشارع: تحوله إلى شارع شبيه بشارع المسارح “برودواي” في نيويورك أو “زاوية هايد بارك” اللندنية التي ظلت زمنا طويلا معلما لحرية التعبير قبل أن تجرفها محطات التلفزيون ووسائل الأعلام الأخرى لتحولها إلى معلم أثري. ولعل ما نلحظه من ازدهار ثقافي فيه وعودة الكتب إلى أرصفته علامة على فشل ذلك المشروع الهادف إلى قفل العقول والأرواح تحت ظلاميته.

سؤال ملح: هل يمكن لهذا النفس التعددي والقابل بالآخر أن ينتقل إلى الجامعات والأماكن التربوية والثقافية الأخرى؟ هل يمكن لظاهرة شارع المتنبي أن تخرج من حدودها  لتنتشر في الجامعات ومراكز المدن الأخرى؟  ان تباع الكتب على الأرصفة وفوق الطاولات أسبوعيا، ومعها تقدم عروض رقص وموسيقى وتمثيل وقراءات شعرية في الهواء الطلق؟ الآن تحول شارع المتنبي ومحاولة اغتياله بأبشع طريقة بربرية ممكنة إلى أسطورة عالمية تعني البشرية ككل: هل سنقبل مرة أخرى بتنظيم حفلات صاخبة لحرق الكتب في ألمانيا كما جرى بعد وصول هتلر إلى السلطة؟ أو برمي الكتب في نهر دجلة  بعد سقوط بغداد على يد المغول عام 1258؟ أو برميها ثانية في النهر نفسه عام 1979 عند تعرض الكثير من العراقيين إلى حملات مطاردة منتظمة؟ هل سيحترم ضحية الأمس مبدأ “التعددية” ولا يكرر اليوم ما قام به الجلاد بالأمس؟

“الجمال سينقذ العالم” كما يقول دوستويفسكي ولعل ما كان يعنيه الفنون والآداب بأوسع تمثلاتها.  ولعل شارع المتنبي، وهو ينهض كالعنقاء من وسط الخراب والآلام، مفتاحنا الصغير لعالم أرحب تعدديّ وهواء أنقى.

لؤي عبد الإله

 

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …