الرئيسية / قصص / قبلة الحياة*

قبلة الحياة*

قبلة الحياة*

 كان البحر منذ الصباح متشحا بالبياض، ومن الشرفة راح أحمد يلاحق ذؤابات الموج العاتية متدافعة بإيقاع رتيب صوب الشاطئ، الذي يفصله عن ناظره خط من البيوت. فجأة تسرب إلى جسده خدر لذيذ، حينما لمست مليكة كتفه، التفت إليها، فواجهته غابة شعرها الأبنوسي، منسدلا فوق صدريتها الناصعة البياض، وعلى عينيها تراكم عناء النهار. همست، “هل نذهب إليه الآن؟”. “لكنك تحتاجين إلى قليل من الراحة”. “لا أحتاج إلاّ إلى غسل وجهي”.

يتابعها وهي تنسل من بين يديه، فيخفق قلبه، لكأنه سيفقدها دهرا، أي قسمات سيرتدي وجهها بعد دقائق؟ وأي لون ستكتسي بشرتها؟ يتأملها وهي تتقلب من لحظة إلى أخرى مثل تقلب درجات الزرقة فوق سطح الأبيض المتوسط.

لم يكن حصولهما على هذه الشقة إلاّ بضربة حظ حولت حلمه الطفولي حقيقة راسخة، فكم رسم البحر المتوسط خلال سنوات صباه شبيها بتمساح مستلق على ظهره، ولوَّنه مرارا، مستخدما كل أنواع الأصباغ. انتابه الشك عندما أخبرته مليكة بحصولها على عمل وسكن في آن، لكنه اعتبرها مزحة ثقيلة حين أكدت بأنهما يحتلان بناية واحدة مجاورة للبحر.

ظهرت أمامه مرتدية فستانا صيفيا مهلهلا. قالت ضاحكة: هل سيسر صديقنا بألوان هذا الثوب؟ ثم دارت بخفة حول نفسها مخلِّفة وراءها أثقال ساعات النهار الطويلة، ناثرة في الهواء فراشات بيضاء. منذ انتقلا إلى هذه الشقة وهما لم ينقطعا يوما عن الهبوط إلى الشاطئ، ليمضيا صامتين في خطواتهما جنب أمواج البحر المتكسرة تحت أقدامهما العارية، وكأن علاقتهما الخاصة بالبحر قد شدتهما إلى بعض بأواصر خفية. يقول لها، لنطلي البيت كله باللون الأزرق، تقول له، ليكن بيتنا امتدادا له، فيجيبها، لنرصِّع سريرنا بأصداف البحر ونجومه.

أغلق باب البيت وراءه، ثم تبعها وهي تعبر الشارع، ذراعاها ملتفان كالعادة حول صدرها، وعيناها غارقتان في متاهة لا مرئية. اجتازا  بيوتا قرميدية، وسط درب ترابي ضيق، يهبط دُرجاً صوب البحر. شد أحمد انتباهها لذلك الجدار المتألق بالياسمين. مررت كفها في الهواء فوقه، همست باندهاش، “أبيض كالثلج”.

ينفتح الأفق له على هيئة سراب متماه، فاصلا حافة السماء المتأججة بالزرقة الباهتة، عن عنان البحر الصاخب، تتهادى طيور النورس أمامه، وريقات بيضاء شفيفة فوق جحافل الموج الغاضب، حيث يرجِّع الفضاء إيقاع هديرها، وهي تتحطم قرب الساحل، متحولة إلى صف من الأرانب البيضاء المتسابقة نحو الشاطئ، لكنها ما تلبث أن تنقلب إلى زبد أبيض ناعم، فيطفو فوق الرمل باستسلام كلي، بينا يجذب البحر بعضه الآخر بقوة إليه. “اليوم، لون الماء أخضر”. “بل رمادي”. “إنه يتنقَّل بين اللونين”، أضافت مليكة، وهي تلاعب بقدمها الأيمن رغوة الماء المترجرج فوق الشاطئ.

ظلت عيناه تتابعان أمواج البحر، منذ أول تشكلها قرب الأفق، فبلوغها الذروة، وحتى انسفاحها تحت قدميه، دورة تتبع أخرى، لكن عيني زوجته كانتا مبحرتين بعيدا عنه، وحينما أشار بيده إلى ثلاثة صبيان يقفون في لحظة تأهب لقدوم موجة عارمة، ستدفعهم بقوة صور الشاطئ، التفتت إليه بانذهال، لكأنها تستغرب لوجودها الآن قربه، لكنها استجمعت شتات نفسها بسرعة، فمسَّدت برقة على شعره الكث، راسمة على شفتيها ابتسامة متكلفة، وفوق زجاج نظارتيها السوداوين ظل الموج الأبيض يتدافع بدون رحمة. أراد سحب النظارة عن عينيها بيده اليمنى، لكنها حركت رأسها إلى الخلف بغضب، صاحت بصوت جريح، “توقف”. “أنت تبكين؟”. “هذا أمر لا يخصك”، أجابت بحدة، ثم انطلقت في الخطو، ضاغطة بقدميها فوق الرمل المبتل.

اجتاحته مشاعر متناقضة راحت تتداخل في خلايا روحه صعودا ونزولا. ها هو يمشي وراءها تاركا بينه وبينها مسافة قصيرة، يتابع بشغف قامتها الرشيقة الهيفاء؛ خصرها النحيف ووركها المقوس. تملؤه الرغبة بالمضي إليها سريعا، الاعتذار لها، ثم إمرار أصابعه فوق ظهرها المستقيم، لكن شعورا بالمقت والكراهية لها عصف به بعد لحظة واحدة، جعل أنفاسه تلتهب في صدره. إنها ما زالت تحبه. بعد مضي خمسة أعوام على موته، ما زال مشهد البحر الغاضب، يوقظ فيها ذلك الوله المجنون به، رغما عن خياناته الكثيرة لها؛ قسوته وفظاظته معها. تقول له في لحظة انشداد خالص ببعضهما، “ما رأيك لو نسمِّي طفلنا الأول مراد”، وحينما لمحت الشحوب على وجهه، أدركت مبررة ، “كنت أظنه صديقك المقرَّب”.

يراقبها، وهي تطوف في عالمها الممغنط، تاركة له آثار أقدامها العارية فوق الرمل حيث ما تلبث رشات الماء أن تبتلعها تدريجا. تنحني من وقت إلى آخر لالتقاط محارة غريبة الشكل، يغمره إحساس عميق بالوحدة، بالجدب والانقباض، فتتقلص أحشاؤه، وينحبس الهواء في صدره. غمره، وللحظة واحدة، شعور بالندم لترك بلاده. لكن فكرة عدم الالتقاء بمليكة استفزت في خلجاته كثبانا من الوحشة والفراغ. في تلك اللحظة فقط، وكأنها كانت تقرأ ما يمور في خضم جحيمه، توقفت عن المشي، التفتت نحوه، أمعنت النظر إليه، ثم فجأة مدت ذراعها له.

انزلق زوج من النوارس قربهما، عائمين في الفضاء بانسيابية مطلقة، مطاردا أحدهما الآخر بشغف وتمنُّع في آن. على الشاطئ توزعت مجاميع صغيرة من الناس، بعضهم يسكن قريبا من بيتهما. تبادلا معهم التحية عن بعد، وهما يتابعان تجوالهما اليومي. قالت مليكة، “السباحة خطرة اليوم”. “البحر كان هائجا مثل اليوم…”، تمتم أحمد بدون أن يكمل جملته. فكأن المسرح الذي وقعت فيه حادثة غرق مراد متماثل مع حالته اليوم؛ البحر في نفس غضبه؛ زرقة السماء نفسها؛ الشمس  الجارحة؛ السراب نفسه… ستظل تردد، طويلا بعد خروجها من دوامة الجزع العميق، “كان ممكنا إنقاذه لو كنت قربه”، لكنها تستدرك أحيانا، “إنه القدر على أية حال”… كم مضى عليهما قبل أن يلتقيا مرة أخرى؟ إذ ظلت، أثناء فترة عزلتها، ترفض رؤيته، وحينما رجعت إلى دراستها استمرت تتجنب لقاءه. من بعيد كان يراقبها، مكتفيا بمشاهدة هيئتها عن كثب بدون أن يجعلها يوما تنتبه لوجوده، لكأنها أيقونة معلقة وسط وهران، يتحدد بها موقعه: أنا الآن شمالي بيتها. سيارتي الآن تقع إلى شرقه. أمشي الآن إلى غربه… تتحول المدينة إلى جرح أزلي مزروع في شغاف روحه، وتصبح مليكة، خلف قرنيتي عينيه، نافورة مشعشعة بالسحر. ستضحك بعد سنوات حينما يخبرها بتفاصيل جنونه قائلة بافتخار وخبث، “كنت أعلم”.

مرا بطفلين منغمرين في بناء قصر فوق الرمل. مضت مليكة إليهما بخفة، قرفصت بينهما، وراحت تحاورهما حول عملهما، تتبادل الحديث، من وقت إلى آخر، مع أبويهما الجالسين تحت مظلة مغروزة بالرمل. كان بإمكانه أن يسمع ضحكاتهم وأصواتهم تتداخل مع بعضها حتى بعد أن خلَّف ذلك المشهد وراءه. كانت الشمس آنذاك تستقر بين الأفق وسمت السماء ولم يبق أمامهما للتمشي سوى مسافة نصف ميل، حيث ينتهي الشاطئ المقوَّس على جرف حاد، تنبت على قاعدته صخور حادة. توقف بانتظار قدومها، ها هي تندفع مهرولة إليه بمرح، رغم احتجاج الطفلين، تحرك بذراعها لهما، “غدا سأقضي وقتا أطول معكما”. ثم رمته بابتسامة مشرقة. قال له جاره الموسيقي رشيد يوما، “تعال غدا للعشاء، فرقتنا ستتدرب على أغنية جديدة”. بعد تردد طويل، خرج من شقته بدون حماسة، ثم أخذ المصعد إلى الطابق السابع. قالت زازة زوجة رشيد، “دعوت ابنة خالتي أيضا”. لكن ذلك لم يخلق في نفسه أي فضول إذ ترسخ في ذهنه قالب واحد لنساء وهران محدد بعنصر واحد: التصنع. وسط ضجيج النقاشات وأنغام البونجو المتداخلة بضربات الدف رن جرس الباب. قالت زازة بابتهاج، “إنها مليكة”.

لم يكن هناك سوى عدد قليل من زوار البحر قد توغلوا خلف شريطه المزبد، إذ ظل أكثر السابحين قرب الشاطئ، يتلقون صفحات الموج اللينة ببهجة، لتقذف بهم صوب البر. فجأة بانت لهما غمامة  بشرية مستقرة عند حافة الشاطئ. صاحت مليكة بقلق عارم، “لنسرع”.

انفتح لهما طريق عبر تلك الدائرة المتحلقة حول غريق، أخرِج تواً من اليم، حينما نبس أحمد مشيرا لزوجته، “إنها طبيبة”. اتقدت العيون صوب مليكة وهي تجثو قرب الشاب الشاحب. صاحت لصديقه الذي أركأ رأسه في حضنه، “ابتعد عنه”. كانت عينا الغريق جامدتين، نصف مفتوحتين، وفمه منفرجا قليلا، حيث لا نأمة تصدر منه، عدا تلك الذبابة التي راحت تتنقل بولهٍ فوق وجهه وصدره. انتاب أحمد إحساس بأنه كان يراقب دمية، وأن ليس ما يراه سوى مشهد هزلي، وحينما صحا من وهمه، شاهدها منكبَّة في صراع جنوني مع شراك الموت. من أين جاء هذا الفتى؟ ماذا يفعل أهله في هذه اللحظة؟ كيف اختار هو وأصدقاؤه هذا الموقع بالذات؟ أسئلة تولِّد أخرى. ينقل عينيه بين أصدقائه المشلولين تحت وطأة الصدمة، وبين أولئك الأغراب المتابعين بفضول لما يجري أمامهم. كانت مليكة تنضح عرقا غزيرا، ملامحها اختفت وراء تلك الطاقة المندفعة في كل الجهات، ولا يستطيع أن يميز شيئا منها سوى شعرها الأدهم المنسدل فوق وجه الغريق. سيقول صديقه الظريف مراد متولها  بعد أن التقى بها في بيته، “لون شعرها مثل لون الغراب”. وهو الذي يستطيع ارتداء أي شخصية تميل لها المرأة، اكتشف منذ الوهلة الأولى ما سيجعل مليكة مأسورة به: الصمت. ومن زاويته راح مراد يشرنقها بخيوط غامضة، ليمتص شيئا فشيئا ذلك الميل الوجل الذي أبدته مليكة له… ها هي الآن توغر شفتيها بشفتي الغريق، مرة أخرى، تفتح بكلتا يديها فمه، ثم تنفخ في عروقه طويلا، حتى تمتلئ رئتاه بأنفاسها الحرى، لتضغط من بعد بكفيها المتعاضدين على صدره. اخترقت وعيه، مثل رصاصة، تلك الحقيقة التي ظلت غائبة عن طويلا: في الظلمة فقط كانت مليكة تقبِّله، وكم كان يجدها امرأة أخرى آنذاك، لا علاقة لها بامرأة النهار، كأن الظلمة توقظ فيها صفاء الشهوة وتأججها، وفي النهار تستيقظ الموسيقى والطفولة فيها. كم عزى ذلك للتربية المحافظة التي تلقتها في طفولتها، على يدي أبيها المتزمت، وكم كان مغفلا… ها هي الآن أمامه، لبوة جريحة تدافع عن صغارها بلا هوادة، تغرز بأسنانها في لثة الغريق، تضخ فيه نسمة الخلق، دون جدوى، وحين حل الضجر وفقدان الرجاء، شرع بعض المتفرجين بالانفضاض… آنذاك، وفي لحظة التحام مطلق بين مليكة وغريقها، انطلق زفير خافت من ذلك الجسد اللين، وعندما وضعت رأسها على صدره، صاحت بوحشية، “الحياة عادت له”.

التفتت صوب أحمد، بحثا عن ذلك الإعجاب الذي تلقاه منه دائما، ولدون سبب، لكنها، ولأول مرة، وأمام فعل خارق كهذا، كانت تجده، نائيا، غائبا، عنها كليا.

*من كتاب “أحلام الفيديو:قصص”، دار الجندي، 1996، دمشق

شاهد أيضاً

حانة القنطور الذهبي

حينما فتحتُ باب المصعد الكهربائي، قابلني رجل قصير، متين البنية، لم تظهر العتمة منه سوى …