الرئيسية / قصص / كذبة بيضاء

كذبة بيضاء

 

استرجع الشاعر، وهو يراقب أصدقاءه من أعلى، ذلك السؤال الذي طرحه عليه الصحافي في أول وآخر مقابلة معه: «لماذا تكتب؟» فوجد لسانه ينفلت بصياغة بلاغية غريبة عنه: «لأكسب حبّ أصدقائي.»

لا بدّ أنه كان يعني نفس هؤلاء الذين يستطيع الآن رؤيتهم: أربعة أعمدة موزعة بانتظام حول تلك الهوة المعتمة، دون أن يقدروا على تحديد موقعه. كم كان يحلم بشراء بيت خاص يسكنه برفقتهم، يحكمه شيطان الشعر، حيث تتوارد الخواطر بينهم عبر لحظات الصحو والنوم، وحيث الهاجس المشترك تنفيذ حلمهم: كتابة قصيدة واحدة بخمسة أصوات. بيت يطلوه باللون الأصفر ويضع على واجهته لافتة منقوشة بالنيون: هنا بيت الشعر: قصيدة مفتوحة على الأبدية.

لو استطاع الآن كسر هذا الحاجز البلوري العازل عنهم لتمكن من إخبارهم بالحقيقة كاملة. لكن هل سيجعلهم اعترافه أقلّ حزناً وأقلّ شعوراً بالذنب؟ سيقولون له بتشفٍّ: «كان عليك أن تتجنّب الكذب، وما حدث لك كان بسبب حماقتك. ألا تعرف شيئاً عن الطبيعة البشرية؟ أو لعلك نسيت كلّ نقاشاتنا حول ذلك المفهوم؟

ردد أحدهم ذات يوم ما قاله كاتب غربي: «أشعر بموت جزء مني كلما سمعت بنجاح أحد أصدقائي»، فأثار ردود فعل متعارضة بينهم، إلى حدّ الصراخ.

منذ وقوع تلك الحادثة، وهو يتابعهم بشغف كبير: كيف جلسوا وكتبوا نعياً عن “الشاعر الواعد” باسم “جمعية الشعراء الأبرار”. وتحته خطّوا أسماءهم.  ولم يكن عسيراً عليهم إقناع الشرطة بروايتهم: كنّا في البستان، فابتعد عنا قليلاً بعد هبوط الإلهام عليه، ليُكمل آخر مقطع في قصيدته “الناقصة”، لكن الذئب لم يرحمه. فلم يترك لنا من رفيقنا سوى هشيم من العظام، وثياب ممزقة حمراء، ودفتر صغير لم يكن ليفارق جيبه يوماً.

يكتشف الشاعر، وهو يراقب رفاقه من أعلى، أنّ أسماءهم اختفت من ذاكرته، مع ذلك فإنه يستطيع تذكر ما فعله كل منهم معه في ذلك المساء المشؤوم، من دون أن يترك ذرة كراهية أو غضب في نفسه. هل القدرة على الغفران تبدأ هكذا: سقوط الأسماء، إلى الأبد، في جبّ الظلمات؟ لذلك سيعطي أصدقاءه نعوتاً أخرى: الأقرب إليه: رقم1، الأبعد عنه: رقم 2: الواقف إلى يمينه: رقم 3، والذي إلى يساره: رقم 4.

قال رقم 2 حال فتحه الباب: «أهلاً برامبو الشرق. هل كل المشاهير لا يلتزمون بمواعيدهم»؟

«أعتذر عن التأخر. التاكسي تعطلت في الطريق».

«لا تكذب»، أجابه الصديق بنبرة حادة مريبة، ثم التفت إلى الخلف صائحاً بانشراح مفتعل:

«  لقد وصل شاعرنا الكبير».

إنه موقن الآن من مصداقيتهم في الاحتفال به  بمناسبة  فوزه  بأهمّ جائزة شعر في إيطاليا. موقن تماماً، (وهو يتطلع إليهم من فوق، أمام القبر المفتوح)، من حزنهم الشديد على فراقه. هل هم نادمون أيضاً؟  ليس متأكّداً، وماذا لو عرفوا الحقيقة؟

خرج الثلاثة الآخرون من حجرة الضيوف: أذرعهم مفتوحة للقائه، تعلو وجوههم ابتسامة مشرقة، وأقدامهم تمضي مسرعة صوبه.

«ألف مبروك”، قال رقم1، «كم أنا فخور بإنجازك”. وحينما احتضنه أحسّ الشاعر كأنه يلمس قِدراً ساخناً، فارتدّ رأسه قليلاً.

ها هم يحيطون به خلال تقدمه صوب حجرة الجلوس، بينما تصافح عيناه نثار ضوء الشمس المفروش فوق تراب الفناء الأعزل إلا من دجاجتين بيضاوين تبحثان دون جدوى عن  حَبّة  شعير مختفية في إحدى الحفر الصغيرة. ومن خلفه تصل نسمة هاربة محملة بعطر   أزهار البرتقال.

بدا ذلك البيت الريفي، أكبر وأجمل، وألوانه الكالحة أكثر صخباً. كم اعتادوا الذهاب إليه في العطل والأعياد، فصاحبه الثري لا يأتي إليه إلا عند زيارة بستانه الملاصق له. بالمقابل، يملك ابن أخيه، رقم 2، حق استخدامه كلما كان فارغاً. فهو الذي يشرف على عمل البستان بالنيابة عن عمه العجوز.

كانوا، بعد ارتشافهم آخر قطرة من العرق، ينطلقون تحت جنح الظلام إلى البستان  الواسع، ترافقهم كلاب الحارس الثلاثة، ومصباح يدوي. وحين يبلغ القمر مداه، تتشرب أشجار الليمون والبرتقال بنثيث الضوء الفضي، تحت بصر رؤوس النخل المتيقظ، فتدفعهم لترديد أشعارهم أو أشعار من سبقهم عالياً. إنهم هنا قريبون من روح الأرض، متماسون عن بعد، تتداخل أصواتهم بعضها ببعض، تتصاعد إلى أعلى، ابتهالات غامضة لشياطين الشعر كي تفتح أمامهم خزائنها.

أحاطوا به كما يحيط السّوار المعصم، وراح كل منهم يتسابق على خدمته: «هل أعجبك السيجار؟ إنه من كوبا»، « هل  تركيز كأسك مناسب؟ العرق لبناني من زحلة»، «لعلك تريد قطعة ثلج اخرى»…ومع كل عرض يأتيه، يتعمق في نفسه أكثر فأكثر شعور بالانفصال عنهم، كأنهم أخرجوه إلى الأبد  عن دائرتهم، تاركين إياه سجين وحدته وشهرته.

راودته فكرة الاعتراف بحقيقة الجائزة، وما كاد ينطق بها حتى قاطعه أحدهم: «هذه هديتنا بالمناسبة».  أعمال لوركا الكاملة. يتذكر أن رقم 3 قال له بنبرة خطابية: «أتمنى لو تترجم بعضاً من قصائد الشاعر القتيل إلى العربية». ردد متلكئاً: «إسبانيتي ليست بالمستوى المطلوب لإنجاز كهذا». قاطعه رقم 4: «شعريتك ستعوض بالتأكيد، مع مساعدة القواميس».

قال رقم 1: «ما زال لوركا حياً حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على مقتله».

قال رقم 4: «عدم العثور على رفاته جعلته مقاوماً للنسيان مثل الكثير من شعراء عصره».

قال رقم 2: «سمعت أن البحث ما زال متواصلاً عنه. الكل يعرف أين أطلق القتلة النار عليه في غرناطة».

قال رقم 3 بنبرة الواثق: «مع ذلك، فلا أثر له في كل قبور غرناطة الجماعية».

علق رقم 1: «بالمقابل، ما انفكّ الإسبان يصنعون له التماثيل في كل مكان، ويطلقون اسمه على الشوارع والحدائق».

التفت إليه متفاجئاً: «ما السبب وراء ذلك»؟

قال رقم 4: «لغز الاختفاء أفضل طريق للخلود».

قال رقم 2: «أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجل ربع خلود من هذا النوع».

ها هم يوشكون على الانتهاء من مراسم الدفن. يتأبط رقم 2 أباه منعاً من السقوط وتحتضن أختاه أمه المتهالكة. يُخرج رقم 3 فجأة ورقة مطوية من جيب سترته الداخلي، ينشرها بتأنٍّ ويبدأ بقراءتها، وسط أصوات العويل المتقطع: إنها قصيدة الفقيد الفائزة بالجائزة الكبرى:

على رؤوس أشجار الغابة،

حلّ الصمت،

والهواء سكن تماماً.

العصافير كفّت عن شدوها؛

لفّها الصمت أخيراً،

فلتصبر قليلاً يا صديقي

أنت لن تلبث أيضا أن تنام فتستريح…

بعد أن ألحّوا عليه بقراءتها، ران صمت غريب في الحجرة المضاءة   بالشموع ، جعله قادراً على سماع نباح الكلاب البعيد ولغط الجنادب الغامض، بالمقابل كانت أعينهم مسمّرة عليه، فبدت له وسط  العتمة حبات جمر متألقة. انطلق بتلاوة أبياته. حاصره خوف غريب عند بلوغه «أنت لن تلبث أيضاً… »، فتحشرج صوته، لكن ذلك لم يمنع رفاقه من ترديد عبارات الإعجاب: « الله»، «أعد»، «رائع»، «جميل»، لينتشي أكثر فأكثر.

لم تنطل حكاية “الذئب” على الشرطة والمحققين فحسب، بل على الصحافة والتلفزيون والراديو: تحقيقات عن الحادث الفاجع، صور لقميصه الممزق والملطّخ بالدم، جنباً إلى جنب مع صور قديمة له؛ مقابلات مع أصدقائه المنكوبين الذين كانوا معه، ها هي صورهم وقصائد رثائهم له وأحاديثهم تنتشر كالنار في الهشيم. كأنهم مع الصحفيين الآخرين قد اتفقوا على صياغة صورة رومانتيكية للشاعر القتيل: كأنه في موته، حسب تعبير أحد أصدقائه، يقول لرفاقه الشعراء في العالم: هذا جسدي فكلوه قرباناً للقصيدة التي ستنقذ العالم من الرتابة والموت الروحي.

جاء التحذير الأول له، عندما قاطع رقم 1 عبارات المديح التي ما انفكّ الأصدقاء الثلاثة يكيلونها  لقصيدته العصماء: «ألا تتفقون معي أننا نعيش عصراً لا يولد الشعراء فيه بل يُصنعون»؟

قال رقم 3: «ماذا تعني بالضبط»؟

قال رقم 1: «لا أعني أكثر من أن الشاعر الموهوب قد انقرض. نحن نشهد عصر الشعراء الذين قرروا أن يصبحوا شعراء. وكل ما عليهم فعله هو تقليد لغة الصحافة بعد تحريرها من نثريتها».

احتج رقم 2 بنبرة ساخرة: «هل تريد أن تقول إن شاعرنا صناعة أكثر منه موهبة»؟

«لا، أبداً.. »، قال رقم 1، «كل ما أردت قوله إن كتابة الشعر أصبحت عدوى. هل تتذكرون كيف بدأ شاعرنا مشواره؟».

قال رقم 4: «نعم، ولكن هذه حال الجميع: الشاعر يبدأ بتقليد من سبقه حتى يعثر على صوته الخاص».

جاء صوت رقم 3 إنذاراً ثانياً أقوى: «شاعرنا ما كان ليصبح شاعراً لو أنه لم يصادقنا».

قال رقم 1 ساخراً: «ظل يحفظ قصائدنا كتلميذ نجيب أكثر من عامين، حتى فاجأنا بنبوغه»، ثم وجّه كلامه لرقم 2 لائماً: «أنت الذي توسطت لنشر قصيدته الأولى، على الرغم من.. »، التفتَ إليه، كأنه انتبه فجأة لحضوره: «أنا آسف، ولكن الحقيقة يجب أن تقال».

تدخل رقم 2 بعد تكهرب الجوّ، فظن أنه سيقف إلى صفه، بدافع قواعد الضيافة على أقل تقدير: «أتساءل إن كان لمحكِّمِي المسابقة أي علاقة بالشعر»؟

قال رقم 4: «على الأغلب، هم من محكمي كرة القدم الإيطالية».

انفجر الجميع بالضحك. راودته رغبة قوية بمغادرة البيت، فتذكر انقطاع المواصلات بين العاصمة وهذه الزاوية النائية؛ عليه أن يمشي أكثر من ساعتين على طرق ترابية مظلمة  تحدها أسوار طينية، كي يصل إلى طريق السيارات المعبّد ، تناهت إلى سمعه من بعيد أصداء عواء  ذئاب جائعة، دفعت قلبه إلى الخفقان. كان عليه أن يخبرهم آنذاك بحقيقة الجائزة والقصيدة ليوقف التنور عن الفوران؛ بدلاً عن ذلك، تصاعد الغضب في نفسه تحت وطأة العرق وفراغ المعدة من طعام دسم.

كم مضى عليه قبل وقوع المحظور؟  بدا  له الوقت لزجاً، بطيئاً : ها هم قريبون منه أكثر مما يلزم. على طرفي الأريكة التي توسطها جلس اثنان منهم، وأمامه اقتعد الآخران الأرض على حصيرة قديمة، تفصلهما عنه طاولة الشاي الواطئة.

اندفع رقم 1 يقرأ القصيدة، مقلداً نبرة صوته، بينما أصابت الآخرين نوبة ضحك عارمة، كأنهم بذلك كانوا يسعون دون إرادة منهم أن يختفي هو وجائزته وقصيدته عن الوجود حال إغماض أعينهم لحظة واحدة.

قال رقم 2: «ألم يكن من الأفضل أن تستخدم كلمة بستان بدلاً من غابة»؟

قال رقم 4: «أين هذه الغابة التي يتجول فيها الشاعر؟ في فنلندا ربما؟».

قال رقم 3: «ما ينقص قصيدتك بحيرة بجع وطواويس… ».

انفجر الجميع ثانية بالضحك، فوصلته العدوى. كان ضحكه لأسباب أخرى. أراد آنذاك كشف كامل الحقيقة ، لكن كلّ ما حوله تآمر ضد ذلك: العرق الذي تغلغل عميقاً في دمه فأثقل لسانه وعقله، صوت رقم 1 الساخر، عواء الذئاب البعيد، دخان السجائر ، ضوء المصباح الغازي وظلال أصدقائه على جدران الحجرة.

بدلاً من ذلك، سمع صوتا غريباً، متحدياً، يخرج من بين شفتيه، فيكهرب جو الغرفة المعتم: «لم أظنّ، أبداً، أنكم ستستقبلونني بهذه الحفاوة».

سأل المضيف محتداً: «ماذا تعني»؟

«لم يخطر يوماً   ببالي أنكم… »، أجاب الشاعر مختنقاً بعبرة. كانت عيناه المبللتان لا تظهران من ملامح أصدقائه سوى حدقات متوقدة، مصوبة نحوه. وبدلاً من الاعتراف لهم بأن قصيدته العصماء مسروقة والجائزة كذبة، وما كان يسعى من خلالهما إلا إلى حبهم له واعترافهم به، انفلت صوته ساخراً متحرراً من أي سيطرة:

«بالتأكيد قصيدتي أفضل من تلك القصيدة التي مطلعها: أصابع غربتي تمتد صوب شلال الفناء، أو تلك التي تقول: رغبتي أسخن من مكواة البيت… ».

وكأن كلماته الاخيرة فجرت بركاناً كان ساكناً حتى تلك اللحظة: ها هو يرى الشاعرين المعنيين ينهضان من مكانيهما غاضبَين، قاطعَين عليه روح السخرية التي تقمّصته . صاح أحدهما به: «هذا جزاء عنايتنا بك أيها الأبله»؟ وقبل أن تتاح له فرصة النهوض لمواجهتهما انهالت على رأسه الصفعات، لكن السكر اللذيذ خفف من مذاقها كثيراً، وجعلها برداً وسلاماً. وصله صوت أحدهم: «ماذا سنفعل به»؟ فرد آخر عليه: «لنأخذه إلى البستان».

حال الانتهاء من قراءة القصيدة أمام القبر الطريّ، يطوي رقم 3 الورقة   بعناية ويعيدها إلى جيبه. يبلغه صوته خافتاً بفعل ذلك الحاجز البلوري الفاصل بينه وبينهم: «وداعاً شاعرنا الجميل.. ستظل حاضراً معنا قديساً يهدينا سواء السبيل”.

ها هم يغادرون قبره الترابي شبه الفارغ، إلا من سعفة خضراء وباقة أزهار وتراتيل عصافير متفرقة، فيختفون تدريجاً عن عينيه.

هل هناك أحد يعرف أن جسده ما زال يسري في أجساد أصدقائه الأربعة دماً، وأن قداسة الضحية لا تتحقق إلا بعد أكله حياً أولاً؟

شاهد أيضاً

المخادع

ينتابني شعور، كلما دار الحديث عن طفولتنا، أنها ليست إلا حكاية نسيت شهرزاد أن ترويها …