الرئيسية / المدونة / من كان منكم يوماً عشبة “ضارة”؟

من كان منكم يوماً عشبة “ضارة”؟

لست متأكدا إن كانت هناك كلمة عربية أخرى مرادفة  للكلمة الإنجليزية WEEDS   غير”أعشاب ضارة”. لكن مفرد هذه الكلمة هو  WEED، وتستخدم بمعنى حشيش. ولعل استعمالها بصيغة الجمع لأنها لا تبزغ إلا على هيئة كتل استيطانية. ها أنذا أتطلع إلى حديقة بيتي الصغيرة صوب أصيص فخاري فارغ، نسيت أن أزرعه السنة الماضية فأفاجأ بهذه الأعشاب نامية كما يحلو لها، بل إن واحدة أو اثنتين منها أطلقتا زهورا صفراء للتأكيد على أنهما ليستا بالفعل من الأعشاب “الضارة” كما يتهمهما القاموس العربي. إنهما لم تطالباني بأي عناية أو سقي أو تشذيب فماذا أريد من النباتات في الحديقة أكثر من الأزهار؟ أتلفتُ حولي فأجد هذه النباتات بازغة في كل المساحات الصغيرة المخصصة لأزهار التوليب والياسمين والجوري ومندسة دون أي سبب في الفراغات المتروكة بين كل نبتة ونبتة. فالأخيرة دفعتُ عليها أجورا من حقل متخصص ببيع النباتات، وكان علي أن أهيئ تربة خصبة مشبعة بالسماد الطبيعي لها، وأن أسقيها كل يومين أو ثلاثة حتى مع المطر المتساقط بانتظام، في حين أن الأعشاب “الضارة” هذه تنمو لوحدها بقدراتها الخاصة، على الرغم من كل ما أقوم به من اقتلاع منتظم لها ورشّ الفراغات القائمة ما بين بلاطات الحديقة بمبيد الأعشاب “الضارة” منعا لها للبزوغ دون حياء أو تردد.

على الأكثر لن تتقبل هذه النباتات اسمها العربي: “أعشاب ضارة” فهي لبعض الماشية غذاء جيد وبعض أنواعها يدخل ضمن قائمة أنواع محددة من التوت البري، وهي لا تؤذي أي نبات آخر بجوارها، وكل ما تتميز به أنها تنمو بسرعة بسبب قوة الحياة في عروقها، ولو تركت على راحتها فإنها ستحول هذه المساحة الصغيرة إلى غابة تعيش فيها حشرات وحيوانات برية كثيرة. لعل هذه النباتات هي الأولى التي ظهرت على سطح الأرض بعد مرور ملايين من السنوات على كوكبنا وبفضل تكاثرها السريع تزايد الأكسجين في الهواء وتوافرت إمكانية ظهور الحياة الحيوانية عليه.

الشيء الغريب أن الثورة العلمية- التكنولوجية الأخيرة التي بدأت بالترانزستور في أوائل الستينيات وانتقلت إلى الكومبيوتر والانترنت وغيرها، جعلت أشياء كثيرة في حياتنا تتحول إلى أعشاب “ضارة”، فالكاسيتات التي ظلت معنا لأكثر من عقدين تحولت شيئا فشيئا إلى WEEDS مع ظهور الأقراص المضغوطة، فاضطررتُ إلى التخلص منها بشتى الطرق وأنا أنظر إليها بحزن، ففيها الكثير من الذكريات والكثير من الأغاني والموسيقى المفضلة لي، ثم جاءت تسجيلات الفيديو التي مكنتني من مشاهدة الكثير من الأفلام التي لم أرها في السينما أو التي أحببت مشاهدتها ثانية. لكن الأخيرة تحولت هي الأخرى إلى WEEDS مع ظهور أقراص الـ “دي في دي” التي تقدم نوعية أفضل للصورة والصوت. كذلك هو الحال مع أقراص تخزين المعلومات التي هي الأخرى أصبحت WEEDS مع ظهور أقلام “اليو أس بي” الصغيرة التي  تمكنني من خزن أضعاف ما كنت أخزنه على الأقراص المدمجة التي أصبحت أخيرا غير مرغوب بها، وكان علي أن أرميها في صندوق القمامة القابلة للتدوير رغم ما عليها من صور ومعلومات ثمينة.

لكن هذه المساحة من الاستعارة لكلمة  WEEDS قابلة للاتساع أكثر فأكثر الآن، فكم من الرسائل الالكترونية التي تصلني كل يوم من أعداد هائلة من المجهولين في شتى أنحاء العالم تبشرني بظهور هذه السلعة أو تلك، هذه الخدمة أو تلك، بل حتى التأمين على الجنازة وخدمات ما بعد الموت أصبحت تصل إلى صندوق بريدي الصغير، وطريقة بزوغها وتناميها شبيه بالأعشاب الضارة في حديقتي تستهلك يوما بعد يوم، وبدأب قدرا من ذاكرة كمبيوتري، لذلك علي أن أقوم بإزالتها بدأب كل يوم، ناهيك عن تلك الصور والفيديوهات التي يبعثها الأصدقاء والزملاء دون توقف إلى الحد الذي يصل فيه هاتفي الذكي حد التخمة وأصبح “غبيا” بالمطلق، فيكون علي في هذه الحال مسح أعداد هائلة منها لاسترجاع عقل الهاتف المغيّب.

ولعل العلاقات البشرية نفسها قابلة لأن تتحول مع التحولات السريعة في شروط العيش اليومية من أعشاب نافعة إلى WEEDS. فالتحولات الفكرية والمزاجية والنفسية التي يمر بها الأفراد خلال مسيرة حياتهم يجعلهم أحيانا خصوما لأصدقاء الأمس أو في أحسن الأحوال غرباء عليهم وخصوم الأمس يصبحون أصدقاء اليوم. في الحالة الأولى يصبح هؤلاء الأصدقاء WEEDS وفي الحالة الثانية يصبح خصوم الأمس أعشابا نافعة.

وهذا ينطبق على الأزواج الذين تحول حبهم وتعلقهم بشركاء حياتهم (رجالا أو نساء) إلى نفور، فهم إما أن يتعايشوا معهم مثل تعايشي مع الـ  WEEDS  في حديقتي وما يرافقه من تمثيل وادعاء بالحب تحت ضرورات الشعور بالواجب أو إقصاؤهم عن حياتهم.

ولعل الحالة مع علاقات الحب والصداقة عندما يتحول الطرف الآخر فيها إلى WEEDS هي الأكثر إيلاما من كل الحالات السابقة، ففي روح الإنسان تلك المساحة الملتبسة التي تتقلب فيها الإشارات الضوئية ما بين الأحمر والأخضر من دون المرور باللون الأصفر، بين أن يكون الطرف الآخر عشبة “نافعة” أو عشبة “ضارة”، إذ قد يكون أحدنا قد أصبح عشبة “ضارة” لدى صديق ما من دون إعلامنا بتغير موقعنا عنده، وقد يكون هو قد أصبح WEEDS من دون أن نعلمه. والاحتمال الآخر هو تقلبه من يوم إلى آخر بين الحالتين.

لذلك فإني أجد ترجمة “أعشاب ضارة” القاموسية لكلمة WEEDS غير صحيحة حتى بالنسبة للنباتات نفسها. فإذا كانت هذه العشبة أو تلك “ضارة” بالنسبة لي فهي نافعة بالنسبة لكائن حي آخر وقد تكون مصدر بقائه. وقد تكون الترجمة الأدق لكلمة WEEDS : “الأعشاب غير المرغوب بها”! وبهذه الطريقة نكسب رضا الجميع بمن فيهم البشر.

 

 

 

شاهد أيضاً

فرانكنشتاين وعصرنا .. من سيعيد الجني إلى القارورة

جاءت رواية فرانكشتاين في لحظة تاريخية مهمة كان الغرب يمر بها، فهناك من جانب صعود …