الرئيسية / مقالات / هوامش على الغزو الأميركي للعراق (3)

هوامش على الغزو الأميركي للعراق (3)

هوامش على الغزو الأميركي للعراق (3)

GMT 8:03 2012 الثلائاء 3 يناير
“أخبِرْهُم أننا سنراهم في بغداد”

حتى آخر يوم قبل انطلاق القصف الجوي الأميركي- البريطاني على العراق ظلت هناك مساع متنوعة تهدف إلى منع وقوع الحرب. ففي أكثر من 800 مدينة من مدن العالم نظمت يوم 10 فبراير 2003 تظاهرات معارضة وصل عدد المشاركين فيها إلى ما بين 6 و10 ملايين شخص، مما جعلها تدخل في سجلات غينيز باعتبارها الأكبر في التاريخ. وفي لندن وحدها بلغ عدد المشاركين ما يقرب من نصف مليون شخص، في حين شهد البرلمان البريطاني جلسات صاخبة قبل التصويت بالأغلبية على قرار المشاركة بالحرب، حيث حصل على 412 صوتا مقابل 149.من ضمن المعلومات المفبركة التي قدمها توني بلير في مرافعته أمام البرلمان يوم 18 مارس 2003 التأكيد على امتلاك العراق لصواريخ محملة بأسلحة كيمياوية تصل من بغداد إلى لندن خلال 45 دقيقة.

من بين الأصوات القوية التي عارضت الحرب، الراحل روبن كوك، رئيس البرلمان البريطاني، وألمع قياديي حزب العمال. وفي خطاب تنحيه عن منصبه الذي اعتبره الكثيرون، أبلغ إعلان استقالة من نوعه قال: “لا أستطيع قبول المسؤولية الجماعية على قرار إدخال بريطانيا في عمل عسكري في العراق من دون موافقة المجتمع الدولي وبغياب أي دعم محلي”.
لكن معارضة الحرب كانت قوية أيضا في الولايات المتحدة بين بعض أبرز الوجوه القيادية في إدارة بوش الأب. ولعل الجنرال السابق برنت سكوكروفت، مستشار أمنه القومي خلال ولايته الرئاسية ما بين عامي 1989 و1993 مثّل أقوى الأصوات القوية في محاججتها، ضد قرار الحرب، ضمن ما عرف بتيار المحافظين “الواقعيين” تمييزا عن المحافظين الجدد الذين دخلوا مع جورج بوش الابن البيت الأبيض والبنتاغون والذين أطلق عليهم اسم “المغامرين”.

كتب سكوكروفت في مقالة نشرتها صحيفة وول ستريت يوم 15 اغسطس 2002: “هناك أدلة واهية على وجود علاقة ما بين صدام والمنظمات الإرهابية، بل حتى قبل هجمات 11 سبتمبر، لم تكن لأهداف صدام أي قاسم مشترك مع الإرهابيين الذين يهددوننا، وهناك حافز ضئيل جدا يدفعه لتشكيل قضية مشتركة معهم. وهو من غير المرجح أن يغامر باستثماره في مجال اسلحة الدمار الشامل، عن طريق تقديم اسلحة من هذا النوع للإرهابيين الذين سيستعملونها لأغراضهم الخاصة وجعل بغداد تتحمل العواقب”.
يمضي سكوكروفت في مقالته الطويلة متحدثا عن تأثير الحرب على المنطقة بشكل عام: “وجهة النظر السائدة هي أن العراق هوس الولايات المتحدة الأساسي، في حين أن هوس المنطقة هو النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وإذا نظر إلينا بأننا أدرنا ظهورنا لهذا النزاع المرير، الذي ترى دول المنطقة عن حق أو عن خطأ أن بإمكاننا حله، وذهبنا بدلا عن ذلك وراء العراق فإنه سيكون هناك انفجار أو غضب شديد ضدنا. سينظر إلينا وكأننا تجاهلنا إحدى المصالح الأساسية الخاصة بالعالم المسلم من أجل إرضاء ما يُعتبر مصلحة أميركية ضيقة”.

عزا سكوكروفت في نفس المقالة قرار البيت الابيض بغزو العراق إلى حصوله على نصائح خاطئة من دائرة صغيرة من المستشارين. وقد انتقى الأكاديمي المستشرق برنارد لويس الذي ظل نائب الرئيس ديك تشيني حريصا على استشارته بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وحسبما رأى مستشار الأمن القومي الأسبق فإن لويس قد غذى شعورا داخل البيت الأبيض بأن على الولايات المتحدة أن تؤكد ذاتها. “إنها تلك الفكرة التي تقول بأن علينا أن نضرب شخصا ما بقوة، وبرنارد لويس يقول: أرى أن أحد الإجراءات التي يجب أن تقوموا بها هو ضرب العرب ما بين أعينهم بعصا غليظة، فهم يحترمون القوة”.

علق سكوكروفت على وزير دفاع بوش الأب ونائب بوش الابن قائلا: “اعتبر تشيني صديقا جيدا، فأنا أعرفه منذ ثلاثين سنة لكنني ما عدت أعرف ديك تشيني” الحالي.
كذلك هو الحال مع الجنرال انتوني زيني، قائد فرقة المارينز الأسبق ورئيس هيئة أركان القيادة الوسطى المسؤولة عن إدارة الوحدات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط ما بين عامي 1997 و2000. ففي رسالته للكونغرس قبل اندلاع الحرب بشهور قليلة قال زيني: “هذا هو، حسب رأيي، أسوأ وقت لتنفيذ (قرار الحرب)، ولا أشعر بأن هناك ضرورة له الآن”.

ولم تكن معارضة الحرب مقتصرة على سكوكروفت وزيني بل شاركهما في هذا الموقف الجنرالات نورمان شوارزكوف آمر القيادة الوسطى الأسبق وويزلي كلارك قائد الناتو الأسبق وأريك شينسكي آمر القوة البرية الأسبق حيث أبدوا علنا تحفظاتهم.

قرار 1441 الدولي
حاول أعضاء مجلس الأمن الدائمون: روسيا والصين وفرنسا (في عهد جاك شيراك) التوصل إلى حل وسط يرضي الولايات المتحدة وبريطانيا بما يخص نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق. وتكللت جهودهم بالتوصل إلى القرار 1441 الذي صدر يوم 8 نوفمبر 2002، ووفقه سمح ببدء التفتيش عن الأسلحة “مع نتائج خطيرة في حالة عدم رضوخ العراق”.

وتم إرسال لجنتي تفتيش كبيرتين إحداهما متخصصة في البحث عن الأسلحة النووية بقيادة محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية والأخرى بقيادة هانز بليكس رئيس “لجنة الامم المتحدة للمراقبة والتوثق والتفتيش” متخصصة في البحث عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

ولم تجد كلتا اللجنتين أي “دليل على الشروع أو الاستمرار في برامج أسلحة الدمار الشامل” أو أية كميات ذات أهمية معتبرة من المواد المتعلقة بتلك الأسلحة. وقد أشرفت اللجنة على تدمير عدد قليل من رؤوس الصواريخ الفارغة الخاصة بنقل المواد الكيماوية، كما تم تدمير 50 لترا من غاز الخردل سبق للعراق أن أعلن عنها وتمت مصادرتها على يد “أونيسكوم” عام 1998، مع 50 صاروخا من صواريخ الصمود قال العراق إن مداها لا يتجاوز الـ 150 كيلومترا فاتضح أنها تصل إلى 180 كيلومترا فتم لذلك تدميرها.

ويبدو أن هذه المعلومات المؤكدة على عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق قد فتحت أكثر شهية البيت الأبيض والقادة المدنيين في البنتاغون على تنفيذ ما خططوا له منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر، خصوصا وأنهم تمكنوا من كسب الرأي العام الأميركي بشكل مثير للإعجاب. فحسب استطلاع للرأي نظمته صحيفة نيويورك تايمز مع محطة سي بي أس في فبراير 2003 كان هناك 45% من المشاركين يؤمنون بأن صدام حسين متورط شخصيا في هجمات 11 سبتمبر 2001 في حين كانت النسبة بعد تلك الأحداث لا تتجاوز 3%. كذلك أوضح استطلاع آخرنظمته وكالة نايت ريدر في يناير 2003 أن هناك قناعة لدى 44% من الاميركيين بأن “بعض” أو “معظم” المشاركين في اختطاف الطائرات كانوا مواطنين عراقيين. لكن الـ “بي بي سي أون لاين” كشفت في آخر استطلاع للرأي قبل الحرب أن 70% من الأميركيين يؤمنون أن صدام حسين كان متواطئا شخصيا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

محاولات عراقية يائسة

بعد ادراك النظام السابق أن الأميركيين والبريطانيين جادون هذه المرة في غزو العراق والإطاحة به أصبح صدام حسين أكثر استعدادا لتقديم أقصى التنازلات. فحسبما جاء في صحيفة نيويورك تايمز الصادرة يوم 26 سبتمبر 2003، كان أحد الممثلين عن رئيس الاستخبارات العراقية السابق الجنرال طاهر جليل حبوش التكريتي قد اتصل برئيس شعبة مكافحة الإرهاب الأسبق، فينسنت كانيسترارو، فأخبره أن “العراقيين على استعداد لطمأنة كل المخاوف الأميركية”. وقال كانيسترارو لمراسل الصحيفة الأميركية: “طُلِب مني الابتعاد عن الموضوع وأنهم سيتعاملون معه”. وحسبما جاء في الصحيفة فإن صدام حسين، على حد قول كانيسترارو، كان على استعداد للذهاب إلى المنفى إذا سمح له بالاحتفاظ بمليار دولار أميركي”.

كذلك فإن أسامة الباز مستشار الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد بعث برسالة إلى وزارة الخارجية الأميركية يقول فيها إن العراقيين على استعداد لمناقشة كل الاتهامات القائلة إن العراق يملك أسلحة دمار شامل أو أن له أواصر بالقاعدة. كذلك حاول العراق المستحيل للوصول إلى الولايات المتحدة عبر دوائر الاستخبارات السورية والفرنسية والألمانية والروسية لكن من دون جدوى.

وفي يناير 2003 التقى رجل الأعمال الأميركي اللبناني، عماد الحاج، الذي تربطه علاقة صداقة بمايكل معلوف من مكتب المخططات الخاصة في البنتاغون برئيس شعبة الاستخبارات العراقية للعمليات الخارجية، حسن العبيدي. وحسبما جاء في تحقيق صحفي قدمته محطة سي أن أن يوم 01 يوليو 2011، فإن الأخير عرض على واشنطن ارسال 2000 موظف من مكتب التحقيقات الفيدرالي للتثبت من عدم وجود أي اسلحة دمار شامل في العراق. وإذا كان المسؤول العراقي لم يقترح تنحي صدام عن الحكم فإنه طرح شيئا قريبا من ذلك باقتراحه تنظيم انتخابات خلال عامين.

وللتوثق من مصداقية هذه العروض دعي رجل الأعمال الحاج للذهاب إلى بغداد والالتقاء بقياديين بارزين. وهناك قابل الجنرال حبوش ونائب رئيس الوزراء السابق طارق عزيز. وخلال تلك المقابلة عرض الأخير مقابل تجنب الحرب جملة إغراءات للولايات المتحدة منها منح شركات النفط الأميركية الأسبقية في الحصول على عقود استكشاف واستخراج النفط العراقي، وإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة، وتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل تجريه الولايات المتحدة بنفسها بواسطة 5000 مفتش أميركي، وتسليم عضو القاعدة عبد الرحمن ياسين كإشارة على حسن النوايا. إضافة إلى “تقديم دعم كامل للخطة الأميركية” المتعلقة بعملية السلام بين العرب وإسرائيل. كذلك عبر الجانب العراقي عن رغبته بالالتقاء بمسؤولين أميركيين كبار.

بعث عماد الحاج بتقريره إلى مايكل معلوف يوم 19 فبراير 2003 بواسطة الفاكس، وعلى ضوئه تم تنظيم لقاء بين الحاج وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسات الدفاعية آنذاك، في منطقة نايتسبريدج اللندنية يوم 7 مارس. وقد اعترف الطرفان بوقوع هذا اللقاء. أخبر بيرل رجل الاعمال اللبناني أنه سينقل ما نقله عماد الحاج إلى المسؤولين في واشنطن، لكن لم تمض سوى أيام قلائل حتى اتصل بيرل بالحاج ليخبره برسالة البيت الأبيض والبنتاغون للمسؤولين العراقيين: “أخبِرْهُم أننا سنراهم في بغداد”.

إذ يبدو أن واشنطن آنذاك لم تكن معنية بمصالح الولايات المتحدة فحسب بل بمصالح طرف آخر. وستكشف الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وحلفاؤها يوم 20 مارس ضد العراق ما ظل مخبأ حتى على كبار العسكريين الأميركيين من أهداف أخرى لا تتعلق إطلاقا بمصالح بلدهم وسلامة جنوده، أو بصورته المستقبلية لدى العرب والمسلمين على السواء.

وهذا لن يتأتى إلا بتوفير المناخ المناسب الذي اطلق عليه لاحقا دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي آنذاك اسم “الفوضى الخلاقة” أو بصيغة أخرى تحقيق “يوم دينونة” من نوع خاص في العراق.

*روائي عراقي مقيم في لندن

 

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …