الرئيسية / المدونة / ماركس ونيتشه وما يجمعهما

ماركس ونيتشه وما يجمعهما

في كتاب ، نهاية التاريخ والإنسان الاخير، يقترح مؤلفه المفكر الامريكي فوكوياما مصطلحين مشتقين من اللغة الإغريقية: الميغالوثيميا والايسوثيميا. 

الميغالوثيميا هو النزوع نحو تحقيق التفوق على الآخرين، او بصيغة اخرى النزوع لتحقيق المجد الشخصي، اما الايسوثيميا فهو النزوع لتحقيق المساواة مع الآخرين. 

من الممكن ان تكون  الميغالوثيميا ذات تأثير سلبي في المجتمعات التي لم تقيَّد بعد ارادة الفرد السياسية في الاستبداد وفرض ارادته على الآخرين بحيث يحولهم بشكل او باخر الى عبيد يتحكم بمصائرهم ومصائر ابنائهم، وبالتالي إشباع هذا النزوع بالتفوق على الآخرين عبر انتزاع السلطة سواء عبر انقلاب عسكري كما هو الحال في الكثير من بلدان العالم الثالث حيث الدولة فيها ما زالت في طور النشوء. وحال استلامه للحكم تحت شعار تحقيق الايسوثيميا ( النزوع لتحقيق المساواة بين المواطنين) يبدأ بالتخلص من رفاق دربه الذين ينازعونه على حصة من المجد الشخصي او يشاطرونه في الميغالوثيميا. 

لقد استطاعت المجتمعات التي اتبعت الخط الفكري السياسي الذي خطه المفكران الإنجليزيان  توماس هوبز وجون لوك في القرن السابع عشر عبر كتابيهما: “اللوياثان” و”مقالتان في الحكم” ان تجسد مبادئهما في الحكم المدني، حيث وجود الحاكم لخدمة الرعية اولا واخرا، وحيث القيود المفروضة عليه، من تداول للحكم عبر الانتخابات الى إستقلالية القضاء، الى وجود مجلس تشريعي منتخب قادر على محاسبته، نزعت عن الحاكم قدرته على اللدغ او قدرته على تحقيق المجد الشخصي على المستوى الوطني دون الحصول على موافقة المؤسسات المقيدة له ، وقد جاءت الثورتان الفرنسية والأمريكية لترسخا الكثير من أفكار هوبز ولوك ومن أعقبهما من مفكري عصر التنوير الفرنسيين. وتمثل ذلك في الدستور الامريكي الذي ضمن تحقق المبدأين الاساسيين للثورة الفرنسية: الحرية والمساواة. والحريّة التي ضمنها الدستور تشمل حرية التعبير والاعتقاد وحرية التملك، ومساواة الجميع امام القانون والقضاء. 

انطلق هوبز من فكرة ان اللويثان الذي هو كائن أسطوري مهول جاء ذكره في العهد القديم يمثل الدولة القوية القادرة على نقل الانسان ومجتمعه من المرحلة الطبيعية حيث الانسان مسؤول عن حماية نفسه وعائلته وملكيته بنفسه الى مجتمع مدني يتخلى فيها الانسان عن هذا الدور للدولة. ومقابل هذا التخلي الذي يشمل التخلي عن الميغالوثيميا في مجال فرض ارادته على غيره والقيام بدور القاضي والمنفذ للحكم ضد من يسعى الى إيذائه او التقليل من شانه، يضمن عدالة الدولة معه ومساواته بالآخرين أمام القانون.

ينطلق هوبز ولوك في تبرير النظام الذي رسما ملامحه من مسلمة ترى ان القوة الاساسية التي تحرك الانسان هو سعيه للحفاظ على حياته، وان حياة الفرد مقدسة، لذلك فان تخليه عن الميل للتميز وإشباع الميغالوثيميا المزروعة فيه لصالح النزوع للايسوثيميا( النزوع الى المساواة بالآخرين) يأتي مقابل ضمان حياته وحريته ومساواته بالآخرين، وبالتاكيد يكون ذلك من خلال القبول بسلطة الدولة المطلقة عليه او كما يسميها هوبز اللوياثان. 

التخلي عن المرحلة الطبيعية والقبول بالمرحلة المدنية هو التحول الأساسي الذي عاشه العالم الأنجلوساكسوني اولا وتمثل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا ثم أعقبتها استراليا ونيوزيلاندا. كذلك جاءت الثورة الفرنسية لتنهي الأنظمة الاستقراطية التي كانت سائدة في أوروبا عبر إقطاعيات يحكمها أمراء ودوقات وكونتات حيث الحرية والمساواة محصورة بالنخبة. 

لقد عاش ماركس شبابه في منتصف الأربعينيات  من القرن العشرين وهو يرى عضوية البرلمان البريطاني محصورة باصحاب الارض، والطبقة العاملة الأوروبية محرومة من الكثير من الحقوق الأولية ، ومن هنا جاءت أطروحته ديكتاتورية البروليتاريا بديلا عن ديكتاتورية البورجوازية، اضافة الى عدم الاكتفاء بمنح المواطنين فرصا متكافئة للاغتناء بل ان المساواة لن تتحقق الا بنزع ملكية وسائل الانتاج من يد أصحابها ومنحها الى العمال. فباقتراحه مصطلح فائض القيمة الذي “يسرقه” الراسماليون من العمال اصبح الاخيرون طفيليين يعيشون على السرقة وبالتالي تم نزع الإطار الاخلاقي عنهم ووفر الارضيّة الاخلاقية للثورة القادمة.

بالطبع شهد ماركس في سنوات حياته الاخيرة تطورا اخر في المجتمع لم يأخذ اهتماما كبيرا في كتابه “رأس المال”، وأعني نمو الطبقة المتوسطة الذي بدأ بعد انتهاء الحروب النابوليونية وتوقيع اتفاقية باريس عام ١٨١٤، فتنامي ثروات العديد من البلدان الأوروبية مع التطور  الصناعي وتطور التكنولوجيا والتوسع الامبريالي لبعضها ساعد على توسع هذه الطبقة بشكل كبير وبروز الكثير من المهن والحرف خارج الإطار الكلاسيكي المتمثل بالطبقتين الأساسيتين: الرأسمالية والبروليتاريا. 

وإذا كانت أفكار ماركس تصب في تحقيق الايسوثيميا باقصى اشكالها من خلال انتزاع الملكية الخاصة لوسائل الانتاج من الراسماليين وتسليمها للطبقة العاملة ( دون تحديد الالية لتحقيق ذلك) فان نيتشه الذي برز في عصر اخر هو الآخر كان ضد النظام الراسمالي الذي رسخ النمط الديمقراطي الليبرالي، والذي تحققت فيه الايسوثيميا خلال العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر، على حساب اندثار الميغالوثيميا: الميل للتماثل والتساوي مع الآخرين والاستمتاع بما حققه الرفاه الاقتصادي والقبول بالقواعد السياسية والقانونية والإدارية التي فرضتها الدولة على مواطنيها. هذا المجتمع من وجهة نظره مجتمع يسود فيه العبيد. وكم تعكس أفكاره في العديد من كتبه ذلك الإعجاب بالمجتمع الروماني حيث الحرية كانت كما يقول هيغل محصورة  على الأقلية ، تلك الأقلية المستعدة ان تضحي بحياتها من اجل المجد الشخصي. وما تحقق في عصره هو تحقق ايدولوجيا العبيد المتجسدة بالمسيحية. ومن هنا جاء هجومه العنيف على المسيحية. كذلك حملت كتاباته تنبؤا باستيقاظ الميغالوثيميا مستقبلا لتفتح الباب امام حروب كبيرة تضمن تحقق المجد لمن يخوضها. 

كان الكثير من الشباب  الألماني متحمسا لخوض الحرب بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرديناند عام 1914، على الرغم من ان ألمانيا لم تكن طرفا في النزاع بين امبراطورية النمسا- المجر وصربيا. لكنهم كانوا تحت تأثير تلك الأفكار التي طرحها نيتشه في كتبه بلغة نبوئية ساحرة،  فمن وجهة نظره ليس من الضروري ان يكون هناك هدف محدد في سعينا لتحقيق قوة الإرادة الساكنة فينا والتي يطلق عليها فوكوياما الميغالوثيميا.

مع ذلك، فإن مبدأي الميغالوثيميا والايسوثيميا ظل فعالا بشكل إيجابي في الكثير من جوانب الحياة الفنية والثقافية والعلمية وغيرها.

فوراء هذا النزوع لتحقيق التفوق على الآخرين في هذه المجال أو ذاك، كرس الكثير من المبدعين  القسط الأكبر من حياتهم وبشكل دؤوب لتحقيق ذلك على أرض الواقع، ومن هنا تمكنت مدام كوري أن تحصل على جائزة نوبل مرتين وأن يؤدي تعاملها مع المواد المشعة إلى إصابتها بالسرطان، وبروحية مماثلة حققت زها حديد إنجازا متميزا في فن العمارة بكسر القواعد السائدة في هذا الحقل، وكذلك ما حققه بيل غيت وستيف جوبز من إنجازات غيرت من طرائق التواصل الاجتماعي تغييرا ثوريا منقطع النظير، وما حققه آلاف المبدعين الذين صاغوا ملامح عصرنا اليوم.

كذلك هو الحال مع الايسوثيميا (النزوع للمساواة)، إذ نراها قد تحققت لصالح العديد من الأقليات عبر النضال السلمي كما نراها في  حركة الحقوق المدنية للسود في أمريكا، ووصول أول رئيس أسود للولايات المتحدة كان دليلا ملموسا على قطع شوط مهم في تحقيق أهدافها.

 ولم يكن ممكنا تحقق كل هذه النجاحات إلا في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية.

 

 

 

شاهد أيضاً

فرانكنشتاين وعصرنا .. من سيعيد الجني إلى القارورة

جاءت رواية فرانكشتاين في لحظة تاريخية مهمة كان الغرب يمر بها، فهناك من جانب صعود …