عتبات البيوت

نهلة السوسو

لؤي عبد الإله، أمضى ثلاثين عاماً يكتب هذه المقالات، متأمّلاً ومراجِعاَ ومتذوّقاً ومحاكِماً وشاهداً، لنكون معه بين دِنانٍ طافحة بنبيذ معتّق، يدهشنا أنه كان عنباً في كرومنا، فإذ بنا نراه يشعشع تحت أبصارنا في كؤوس كريستال،

142

عتبات البيوت

على قارئ كتاب “حين تغيِّرنا عتباتُ البيوت” أن يقوم بطقوس خاصّة قبل أن يتصفّح السّطر الأول بعدَ الغلاف!
مثل هذا الكتاب الذي يشبه كاتبَه، يحتاج إلى صومعةٍ عاليةٍ منعزلة عن صخب العالم، ليتذوّق قارئُه كلَّ كلمة، وكلَّ جملة، وهو يسيطر على حواسّه وانتباهه واستبطانه لمعارفه المخزونة، وليكون مستعدّاً للتخلّي عن الكثير من الآراء التي درَج عليها، إما بسبب الكسل الذّهني، أو بسبب القراءات المتسرّعة، أو بسبب الرُّكون إلى آراءٍ شاعت في تيارات “ثقافيّة” عمّت في صحافة منتشرة…
لؤي عبد الإله، أمضى ثلاثين عاماً يكتب هذه المقالات، متأمّلاً ومراجِعاَ ومتذوّقاً ومحاكِماً وشاهداً، لنكون معه بين دِنانٍ طافحة بنبيذ معتّق، يدهشنا أنه كان عنباً في كرومنا، فإذ بنا نراه يشعشع تحت أبصارنا في كؤوس كريستال، نحن الذين عرفنا ثقافة إنسانيّة فيها “محي الدين بن عربي” و” أبو العلاء المعرّي” و”ابن القارح” و”غائب طعمة فرمان” و” محمد مهدي الجواهري” و” فرويد” و”تولستوي” و” دستويفسكي” و”بتهوفن” و”فان كوخ” و” إيتالو كالفينو” و” ميلان كونديرا” لكننا سنراهم هنا في سياق مختلف، تحت عين بصيرة كاشفة، في نسيجٍ أخاذ، قد يبدو حكائيّاً روائياً، لكنه في الواقع، تقييم نقديّ رفيع للأدب المعاصر والتاريخ والتراث والاستعمار والطغاة، أمثال نابليون وجنكيز خان وصدّام حسين وفرنسا في الجزائر…
من فضائل الكاتب عبد الإله أنه يعرفنا على القاص، الرّوائي، فؤاد التكرلي ويكشف الكثير من الأستار عن قضايا غائبة أو غائمة عن الأذهان، ويكون الأكثر عمقاً وجمالاً حين يتناول الصّداقة وثقافة الاستهلاك المعاصرة، ويرثي اختفاء ساعي البريد، ويلتقط جواهر ليزيل عنها الغبار معيداً إليها الألق، وهو حين يفعل ذلك لا يرى انقطاعاً في الزمن ولا فجوات نتوهّمها في اختلاف اللغات أو أنواع الإبداع، معبّراً عن ذلك بجملة في ختام أحد مقالاته: نحن في مسرحٍ يتبادل المتفرجون والممثلون مواقعهم داخله باستمرار، دون أن يعرفوا ماهي نهاية المسرحيّة، وإن كان لها، حقّاً، أيُّ نهاية” !

اقرأ ايضاً