الرئيسية / مقالات / هوامش على الغزو الأميركي للعراق

هوامش على الغزو الأميركي للعراق

هوامش على الغزو الأميركي للعراق
GMT 8:30 2011 الإثنين 19 ديسمبر
الحلقة الأولى
آليات بناء مناخ عالمي لقبول الحرب: كعكة النيجر الصفراء
ما أشبه اليوم بأمس.
لم يجد أوباما شيئا يضيفه وهو يستقبل الجنود العائدين من العراق في قاعدة ” فورت براغ” في ولاية “نورث كارولاينا” سوى ترديد عبارة: “أهلا في بلدكم” من دون أن يتخلى وجهه عن انقباض عضلاته، وكأنه في أعماقه كان يردد: ماذا جنينا من الحرب؟ فما بدا في آذار 2003 نزهة أمام جيش متواضع في الحجم لا يزيد إلا قليلا عن 100 ألف، يستقبله العراقيون خلالها بالزهور، تحولت إلى كابوس شديد الكلفة إلى الحد الذي حوّل الولايات المتحدة بلدا غارقا بالديون، بدلا من تحقيق تلك الأحلام الوردية بتدمير البنية التحتية للعراق تماما ليعاد بناؤها على يد الشركات الأميركية، وبدلا من الزهور قتل أكثر من 5 آلاف جندي أميركي (حسب الإحصائيات الأميركية) وأصيب أكثر من 30 ألف، عدا عمن أصابتهم أمراض نفسية وعقلية تحت وطأة العنف في العراق.على الأغلب، لم تحضر في ذهن أوباما الخسائر العراقية التي تقدرها بعض المصادر الرسمية بأنها تجاوزت المليون قتيل بين المدنيين فقط، خصوصا في وقت تعيش الولايات المتحدة أعمق أزماتها الاقتصادية منذ أزمة أواخر عشرينات القرن الماضي ومع اقتراب بدء سباق الانتخابات الرئاسية عام 2012.

في يوم جلاء القوات الأميركية عن العراق أجريت مقابلة قصيرة مع ريتشارد بيرل مهندس الغزو على العراق والرئيس الأسبق للجنة السياسات الدفاعية الاستشارية عبر راديو “بي بي سي 4”. سأله المضيف البريطاني ان كان مرتاحا لما حققه الغزو الأميركي للعراق من مقتل مئات الآلاف من العراقيين، فكان جوابه الغرائبي قادرا على لجم المحاور تحت صعقة الاندهاش: في كل الأحوال سيكون هؤلاء قد قتلوا على يد صدام لو أننا تركناه يحكم. وحين سأله المذيع فيما إذا كان مقبولا أن تتصرف الأنظمة المتحضرة مثل الأنظمة المتخلفة كان جوابه: نحن على الأقل فتحنا للعراقيين مستقبلا زاهرا.

لست متأكدا إذا كان بيرل قد ضحك وهو يردد آخر عباراته، فأي متابع لحالة التمزق الطائفي والاثني والقتل والفساد وانعدام الخدمات الأولية وبقاء مستقبل البلد على كف عفريت يصل إلى قناعة معاكسة.

(قد يكون مناسبا نقل ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في يوليو 2008 من أن بيرل قد وضع الخطط للاستثمار في مجال النفط بالعراق بالتعاون مع زعماء أكراد عراقيون في شمال العراق.)
أعادتني كلمات بيرل الشيطانية إلى عام 2001، حيث كنت أعمل مترجما في صحيفة الشرق الأوسط. وكان علي أن أترجم يوميا مقالات تصدر عن صحف اميركية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، وفي الوقت نفسه منحتني تلك الفرصة إمكانية متابعة آلية خلق المناخ المناسب لشن الحرب بحيث يصبح الجمهور تحت وطأة سيل من المعلومات المطبوخة ونصف المطبوخة لكسبه إلى جانبها. كأنما قبوله بها هو التحرر من وطأة هذا الدوامة التي لا تنتهي، والتي تدور حول نقطة واحدة يمكن تسميتها بمركز نسيج العنكبوت.
للكثير من محبي السينما، يبدو دور المنتج محددا بالجانب المالي. لكنه أكبر من ذلك بكثير: إنه توفير كل الشروط المناسبة التي تجعل امكانية الانطلاق بتصوير الفيلم SHOOTING ممكنا، ومن دون ظهور أي عوائق لاحقا تعرقل تنفيذ مراحل انتاجه.

ولذلك يبدو أن وراء الجهود التي انطلقت من اكتوبر 2001 وانتهت بيوم 9 آذار 2003 (يوم البدء بتصوير الفيلم: انطلاق الغزو) منتِجا سينمائيا عبقريا حقق ما ظل يطالب به وباصرار فريق من المحافظين الجدد وينظرّون له ابتداء من عهد كلينتون. وقد مكنهم احتلال مناصب رسمية حساسة بعد وصول جورج دبليو بوش إلى الحكم من تحقيق هدفهم. إنهم ريتشارد بيرل، بول ولفويتز، دوغلاس فيث، اليوت أبرامز ولويس ليبي.

حين انتقد الجنرال انتوني زيني رئيس القيادة الوسطى الأسبق في كتابه “المعركة من أجل السلام” THE BATTLE FOR PEACE هؤلاء على حماستهم للحرب ضد العراق وما ترتب عنها من حل لمؤسسات الدولة العراقية وسيادة قانون الغاب فيها فترة طويلة، اتُّهم بمعاداته للسامية لأن كل هذا الفريق من اليهود المغالين في دعمهم لإسرائيل.
دافع زيني عن نفسه في مقالة قائلا: “بالتأكيد لم أكن أعرف ما هي خلفياتهم الدينية الاثنية”، فانتقاده كان منصبا (حسب قوله) على الاستراتيجية وعلى أولئك الذين اقترحوها أكثر من أي شيء آخر.

بدأت خطوة المنتِج الأولى في التحضير بخبر صغير صدر في الصحف الأميركية والغربية. وهذا الخبر سيصبح مركز النسج العنكبوتي لخلق المناخ: طالما أن العراق متهم بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل فالهدف سيكون بسيطا: نزع هذا السلاح الخطر من يد صدام حسين.

يقول الخبر إن محطة “سي آي أيه” في إيطاليا تمكنت من العثور على وثائق تثبت تورط النظام العراقي بشراء 500 طن من كعكة اليورانيوم الصفراء من النيجر. ومن أين تم الحصول على هذه الوثائق؟ من بعض وكلاء الاستخبارات العسكرية الايطالية في النيجر.

أحد المبادئ الأساسية التي يتبعها الإعلام الغربي الموجه اليوم هو التالي: أي خبر مفبرك يصل الى القارئ أو المشاهد سيبقى عالقا في ذاكرته باعتباره صحيحا حتى لو ثبت لاحقا أنه عار عن الصحة. وهذا يعود إلى ما يحمله الخبر من تأثير عاطفي على المتلقي لن يختفي حتى بعد قبول عقله بالخبر المكذّب للأول.

عمّق هذا الخبر الذي ظلت الصحف والفضائيات تغذيه يوما بعد يوم مخاوف الأميركيين خصوصا أنه يأتي مع حملة تخويف بتكرار أحداث 11 سبتمبر بشكل أكبر.
حتى بعد التحقيق الذي أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مدى صحة هذه الوثائق والتوثق من أنها زائفة تماما، ظل بوش يشير إليها بإصرار، ففي خطابه للأمة في كانون الثاني (يناير) 2003، ردد الرئيس الأميركي السابق، العبارة التي عرفت بالست عشرة كلمة: “علمت الحكومة البريطانية أن صدام حسين سعى في الفترة الأخيرة إلى الحصول على كميات معتبرة من اليورانيوم من أفريقيا”.
عدا عن ذلك، فإن وزارة الخارجية الأميركية أرسلت سفيرها المتقاعد إلى النيجر، جوزيف سي ويلسون، للتحقق من صحة الوثائق، وقد اتضح له أنها مزيفة تماما.

في مقالة نشرها بصحيفة نيويورك تايمز بعد احتلال العراق، كتب ويلسون أن الإدارة الأميركية كانت تعلم قبل شروعها بالحرب بفترة طويلة بحقيقة هذه الوثائق. وانتقاما منه بادرت وكالة الاستخبارات المركزية بالكشف عن هوية زوجته “فاليري بلايم” في كونها أحد عملائها، على الرغم من امكانية تعرضها لمخاطر هذا الإجراء على حياتها وحياة اسرتها.

أضاف ويلسون في مقالته التي نشرها في تموز(يوليو) 2003: “ليس أمامي خيار آخر سوى الاستنتاج بأن بعض المعلومات الاستخباراتية المتعلقة ببرنامج أسلحة الدمار الشامل قد تم تحريفها للمبالغة في التهديد العراقي”. وأشار السفير السابق إلى عبارة الكلمات الست عشرة الشهيرة لبوش قائلا بأن “الحكومة البريطانية علمت أن صدام حسين سعى في الفترة الأخيرة الى الحصول على كميات معتبرة من اليورانيوم من أفريقيا. لكن المخابرات البريطانية فشلت في إظهار أي مصدر معلومات آخر” عدا مصدر الوثائق المزيفة.

بالطبع، لن تكون هذه الوثائق كافية لخلق المناخ المناسب للبدء بالتصوير: الحرب. كان على المنتج السينمائي أن يدخل عناصر أخرى: ابتداء من عام 2002، بدأت تصدر تقارير في صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز، والفضائيات الأخرى عن “مسؤول كبير في وزارة الدفاع رفض الكشف عن هويته لأنه لا يملك تصريحا بما سيكشفه”: “هناك خلاف بين الضباط الكبار في البنتاغون في عدد الجنود الذين بجب إرسالهم إلى العراق في حالة اندلاع حرب.”

لكن مسؤولا آخر سينفي وجود أي فكرة بشن حرب من هذا النوع.
وفي اليوم الثالث: يعود هذا المسؤول الكبير الذي لا يستطيع الكشف عن هويته ليخبرنا (على الرغم من أنه غير مصرح له بذلك) أن بعض القادة يفضلون الاعتماد أكثر على الجنود من التكنولوجيا فيقترحون عددا يصل إلى 400 ألف جندي، لكن ضباطا كبارا آخرين يميلون إلى الاعتماد على التكنولوجيا وتقليل العدد إلى 100 ألف.
كل هذه الأخبار هي جزء من التهيئة. فأي روائي جيد لا يقدم حدثا جديدا من دون تمهيد كاف يجعل قارئه على استعداد لتقبله ذهنيا وعاطفيا.

ثم جاءت تلك الأخبار المفبركة التي تنقلها الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع: هنا يمكنكم أن تروا تلك الشاحنات التي تتحرك من شمال العراق إلى جنوبه، والتي لم تستطع لجان التفتيش من الكشف عنها: إنها مختبرات متحركة للأسلحة البيولوجية والكيمياوية.

مع هذه الأخبار التي ظلت تضخ بانتظام عبر كل وسائل الإعلام، يتسارع إيقاع العمل السياسي لخلق إطار سياسي بديل يضم مجموعات سياسية معارضة. وجاء المؤتمر الذي عقد في لندن والذي ضم تشكيلات سياسية تقيم في المنفى منذ أكثر من عشرين سنة لتصبح ممثلا عن كل العراقيين. كذلك بدأت وزارة الخارجية الأميركية بإعداد دورات للكوادر العراقية المعارضة كي تعود إلى العراق مع الدبابات الأميركية فتشارك في تسلم مهام الدولة بعد حلها.

وساعد هذا المناخ “الكارثي” على تمرير أكاذيب أخرى لمؤسسات عريقة مثل البرلمان البريطاني. فالمخابرات البريطانية أشارت إلى أن العراق يملك صواريخ ذات رؤوس محملة باسلحة بيو-كيمياوية تستطيع ضرب لندن خلال 45 دقيقة. ولا أستطيع أن اجزم كم ساعدت أكاذيب من هذا النوع على كسب الأغلبية لصالح الحرب. (سيتضح لاحقا أن هذه المعلومة فبركها أحد أعوان زعيم حزب المؤتمر العراقي، أحمد الجلبي).

جاء خطاب كولن باول يوم 5 شباط(فبراير) أمام مجلس الأمن الدولي أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير. إذ ظل وزير الخارجية الأسبق محسوبا على جناح الحمائم ويحظى بتقدير كبير من الأطراف الليبرالية والمعتدلة في العالم.

مع ذلك، فإنه استند في محاججته لصالح الحرب إلى تقارير قدمتها له وكالة الاستخبارات المركزية والكثير منها سبق للعراق أن قدمها للجان التفتيش الدولية. وفي كتاب لاحق صدر عن سيرته أشار باول بأنه “استُغفِل” في بعض المعلومات المفبركة التي أعطيت له.

وقد يثار السؤال التالي: من اعد وثائق “كعكة النيجر” المزيفة التي كانت النواة التي استند إليها شعار: نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق؟ هناك نظريات عديدة عن كيفية تصنيعها، وتوزيعها والضغوط التي مورست على من كان وراءها لإبقاء أسرارها طي الكتمان. كذلك لم يجر أي تحقيق قضائي للكشف عن المسؤولين وجلبهم للمحاكمة.
يشير البعض إلى أنها كتبت في واشنطن أولا. ولا أستبعد أن يكون المنتِج الذي نجح في خلق المناخ الملائم للحرب وراءها. فقبل الشروع في “التصوير: الحرب” أشارت استطلاعات الرأي الأميركية إلى تأييد 85% لشن حرب على العراق، حتى لو كان أكثرهم لا يعرفون أين يقع هذا البلد. إنه ابداع هائل لا تستطيع أي جائزة أوسكار أن تفيه حقه.

*روائي عراقي مقيم في لندن

 

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …