الرئيسية / مقالات / وما زالت الشمس تشرق على بغداد

وما زالت الشمس تشرق على بغداد

وما زالت الشمس تشرق على بغداد

بورتريه بالأبيض والأسود

لؤي عبد الإله

 

(1)

على عكس عادتي عند سفري، لم أسجل يومياتي خلال زيارتي القصيرة لبغداد ما بين 28 آذار و14 نيسان 2015، وهذا ما يجعلني أشعر الآن بالندم، فالوقت الذي قضيته كان ممتلئا بلحظات حميمة هزتني من الداخل وكان علي أن أتماسك عاطفيا أثناءها، فرحلتي الأسبق التي استغرقت أسبوعين جاءت بعد الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق بسبعة شهر. وقد مضى الوقت آنذاك سريعاً في مدينة كانت تعيش وقع صدمة الحرب والاحتلال وسقوط النظام السابق. وكان سكان بغداد ما زالوا  أشبه بالمريض الذي أخرج للتو من تحت مبضع الجراح الذي أجرى له للتو عملية جراحية خطيرة استؤصلت فيها خلية سرطانية ولا أحد يعلم إن كان هذا التدخل الجراحي سيعرِّض الجسم ككل لتفشي المرض القاتل في كل خلاياه. كل ما أتذكره ذلك القصف المدوي الذي تقوم به طائرات الهليكوبتر على بعض مناطق المدينة، وتلك التفجيرات التي تطال الأماكن العامة فيتردد صداها في شتى أنحاء بغداد. كذلك، انعكس ذلك الشلل الذي أصاب المدينة بانقطاع خطوط الاتصالات الهاتفية بعد قصف الطائرات الأمريكية للأبراج والشبكات، فما عاد بالإمكان الاتصال بالأصدقاء القدامى عبر هواتفهم الأرضية. كانت فترة تشبه يوم دينونة خاص  بهذه المدينة: كل شيء محمل باحتمالات عديدة، ومع فراغ السلطة وأجهزة الأمن وتلاشي النظام والقانون أصبح الناس يبحثون عن خيوط تجمعهم ولم يكن هناك سوى الطائفة والعشيرة التي تمنح قدرا من الشعور بالأمن. لكن الاتجاه لم يكن واضحا حتى ذلك الوقت: كانت آثار الحرب قائمة على الجدران وفي نفوس أهالي بغداد، ممتزجة بشعور يتراوح ما بين البهجة للتخلص من النظام السابق والأمل المحفوف بالشكوك بأفق مستقبلي أفضل.

ثلاثة مظاهر ظلت عالقة في ذهني من تلك الزيارة القصيرة التي أعقبت سقوط النظام السابق:

  • حرص الطبقة المتوسطة على استمرار أبنائها في الدراسة. ولضمان حمايتهم تشاركت العائلات مع بعضها البعض في استئجار سيارات أجرة اطلق عليها اسم “الخطوط” وكان السائقون أشخاصا موثوقا بهم جاءوا عبر توصيات الأقارب والأصدقاء.
  • احتفاظ شارع المتنبي بحيويته كل يوم جمعة، بل أن الكتب تكاثرت على أرصفته بشكل مثير للاستغراب: كانت أقراص المغنية مادونا موضوعة جنبا إلى جنب مع كتب ماركس ولينين وسارتر.  كأن الشارع يبشر باقتراب تحقق الديمقراطية في العراق، وكم كان ذلك الشعور مخادعا.
  • اشتداد التمايزات بين السكان لا على أساس طائفي فحسب بل على أساس الانضواء تحت عباءة رجل الدين هذا أو ذاك. كان  عيد الفطر أفضل مثال عن هذا الانقسام: ابتدأ السنة عيدهم يوم الاثنين، في حين تبنى جزء من الشيعة يوم الثلاثاء، والآخرون يوم الاربعاء!
  • بروز ظاهرة البسطيات بشكل مهول في كل شوارع بغداد وخصوصا في المناطق الراقية كالكرادة والمسبح، وعلى الأرصفة فرشت سلع شديدة التنوع من براغٍ وأسياخ حديدية إلى لوحات فنية نادرة لتذكر بأعظم “فرهود”(نهب جماعي واسع) حدث في تاريخ العراق الحديث لممتلكات المجتمع العامة بعد سقوط بغداد بيد الجيش الأمريكي يوم 9 نيسان 2003.

 

(2)

علقت أختي، وفاء، وهي تتطلع في وجهي مستغربة من آثار الزمن فوقه: “لقد تغيرتَ كثيرا”. ذكَّرتها بأن 12 سنة مرت على زيارتي الأولى والأخيرة منذ سقوط النظام السابق، فأجابت متحسرة: “نحن لم نشعر بها .. كأننا لم نعشها.”

استحضر الآن بعد مرور أكثر من شهر على عودتي إلى لندن جملتها، واستحضر معها ابن خلدون، وفكرته الأساس التي ظلت مقدمته تدور حولها: الدولة ضرورة أولية لاستمرار المجتمع ككيان حي حتى لو كانت ظالمة. لقد جاءت كلمة “دولة” بالنسبة إلى العرب من الفعل “دالَ” والتي تعني حسب معجم المعاني الجامع “دار أو انقلب أو تغير” وعندما نقول “دال الأمر” يعني انتقل من حال إلى حال. وهذا ما يمنح فكرة أن من يدير الدولة يزول بعد تحقق الغلبة لقبيلة أو تحالف قبلي ما على القبيلة الحاكمة. ولعل اختفاء امم وشعوب كثيرة في العصر القديم هو أن الغزاة الجدد لم يريدوا أن يأخذوا بزمام دولة المجتمع المغلوب على أمره وفضلوا تدميرها، وبذلك اختفت مدن اسطورية من الوجود مثل قرطاج وتدمر على يد الرومان لأن الأخيرين قطعوا شريان الحياة على شرط الحياة الأولي لهذه المجتمعات: الدولة.

تحضرني هذه الفكرة وأنا أتابع غياب “النظام والقانون” عن الحياة اليومية لسكان بغداد: قوة الدولة العربية وثباتها في أول مراحلها تكون بفضل العصبية القبلية أو الدينية أو المذهبية حسب ما يراه ابن خلدون. وحالما تضعف هذه الأواصر في الجيل الثالث، مع جلب الحاكم الأجانب لتوفير الحماية له بدلا من أبناء طائفته أو قبيلته بعد إقصائهم عن منافع الحكم، يبدأ الضعف بالتوغل في جسم هذه الدولة وتصبح مهيأة للوقوع بيد قبيلة غازية أخرى تشد أبناءها أواصر العصبية بقوة كافية للانتصار.

ها هي إشارات المرور ما زالت على حالها كما تركتها عام 2003 متوقفة على الضوء الأحمر في نقاط التقاطع. وغالبا ما يجد السائقون وسيلة ما للتعايش في تلك النقاط. فخلال فترة إقامتي القصيرة لم أشاهد سوى مشاجرتين صغيرتين انتهتا من دون أن تسيل الدماء فيهما.

لقد ابتكر أهالي بغداد طريقة مدهشة مكنتهم من الحفاظ على إيقاع حياتهم السابق بغياب مؤسسات الدولة الحامية للفرد من قضاء وشرطة ومحققين: ضخ الحياة بجسم شبه ميت هو العشيرة، وما يرافقه من قواعد وأصول تسمى بـ “فصل عشائر”. لهذا السبب، وجدتُ العديد من الأصدقاء القدامى الذين لم يحملوا يوما لقبا عشائريا قد أدخلوه اليوم على أسمائهم. وفي حالة عدم وجود امتياز كهذا لبعض سكان بغداد القدامى فإنهم يستطيعون أن يستظلوا بحماية عشيرة ما.

بفضل هذه الطريقة أصبح الكل يتحرك في الشارع وهو على علم بأن هناك سقفا عليه عدم تجاوزه مع الآخر تجنبا لما يترتب عليه من دوامة الدخول في هذا العرف القديم (ما قبل المديني) إذ قد يُضطر إلى دفع ثمن أي حماقة يرتكبها تحت وطأة الغضب الناجم عن ازدحامات الطريق الخانقة.

لكن هذا الحل لم يوقف اللصوص من كسر البيوت وسرقتها دون وازع، ولم يمنع السفاحين من ممارسة القتل من أجل القتل، دون وجود سلطة رادعة، مما يجعلهم يسرحون ويمرحون طلقاء وعلى قناعة تامة بأن ما يقومون به لا يعدو أن يكون رياضة لقتل الملل، كذلك هو الحال مع السيارات المفخخة، التي هي الأخرى لا تكف عن حصد أرواح المدنيين عشوائيا، وعادة لا يضعها السفاحون إلا في أماكن تجمع الناس، مثل المطاعم والمقاهي والساحات.

 

 

(3)

خلال فترة تواجدي ببغداد، سمعت بانفجار خمس سيارات مفخخة ومقتل شابين غدرا. مع ذلك، اعتبر أحد الأصدقاء هذا الرقم ضئيلا جدا مقارنة بما شهدته بغداد خلال عامي 2006، و2007. آنذاك كان القتل على الهوية المذهبية منفلتا دون قيود، وتفرق العائلات المختلطة (طائفيا) جاريا على قدم وساق. يحكي لي ابن اختي وفاء، وهو يسوق سيارته صوب بيت أسرته: “في هذا الشارع كنا نرى كل صباح جثثا ملقاة لمدنيين اصطيدوا على يد الميليشيات، ثم وضعوا في صناديق السيارات الخلفية ليتم رميهم هنا!” أصبح البغداديون يستخدمون تعبير: “وضِع في الصندوق” إشارة مخففة ومرحة لما حدث لهذا الشخص أو ذاك.

في تلك النوبة الجنونية التي حلت بخلايا قليلة من جسم المجتمع، خسر العراق آلاف الشباب والكثير من الكوادر العلمية، ولا أستبعد أن يكون بعض من تلك الخلايا السرطانية من مخلفات النظام السابق، ففدائيو صدام انقسموا بعد سقوط بغداد حسب الانتماء الطائفي بين الميليشيات، ولم يكن هؤلاء مدربين إلا على القتل والانتقام.

الطبيعة لا تحب الفراغ، وفي غياب الدولة، تبرز ظاهرة زعماء الحروب العنيفين، الذين ينجحون في جذب عدد من الشباب غير المتعلم أو العاطل عن العمل أو المهووس مذهبيا: هنا تصبح الجرائم مقبولة: وتبريرها الانتقام من الطرف الآخر. كلما قتل ذلك الطرف أناسا أبرياء هم تحت حمايتي سأقوم بقتل أناس يقعون تحت حمايته، وهلم جرا.

كانت تلك الفترة التي مر بها أهالي بغداد الأصعب بين تاريخ ساده العنف والخوف المستديم من الموت امتد من وصول حزب البعث للسلطة عام 1968، مرورا بالحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 ثم حرب الخليج الثانية فحرب “الصدمة والروع” الأميركية الأخيرة عام 2003.

لكن العنف الذي عاناه أهالي بغداد بين عامي 2006 و2007 من نوع آخر، فإذا كان الخطر الذي يتعرض إليه المرء خارجيا قبل ذلك: آتيا من صاروخ ضال أو بسبب أفكار معارضة للسلطة، فإنه الآن معرض لقتل عبثي يأتي من دون سبب ناجم عنه. ولمواجهة هذا الوضع كان على السكان الحصول على هوية مزورة أخرى، تمكنهم من الانتقال ما بين المناطق ذات اللون الطائفي الواحد.

لا أستبعد أن العامل العشائري قد لعب دورا فعالا لإنهاء هذه الفتنة التي عاشها العراق لأول مرة منذ تأسيس دولته عام 1921، وترتب عليها نزوح أعداد كبيرة من مناطق سكناهم لأسباب طائفية. فانقسام أبناء العشيرة الواحدة طائفيا ووجود حاجة ماسة للإطار العشائري  بديلا عن أجهزة الدولة المنحلة ساعدا على إخماد نيرانها بزمن قياسي. ولعل السبب الآخر هو عمق العلاقات وتواشجها في الذاكرة الجمعية لأهالي بغداد، فهذه المدينة قد عرفت في تاريخها القريب والبعيد تعايشا وتفاعلا بين كيانات دينية ومذهبية وعرقية لم تعرف مثيلا لهما إلا مدن قليلة في العالم. وقد أضيف هذا السبب: انكشاف حقيقة أن أغلب الأحزاب التي تحاصصت الحكم بعد ارتدائها الثوب الطائفي انغمر قادتها بعملية سرقة للمال العام لم يشهد العراق مثيلا لها، ولم يكن “الفرهود” الذي افتتح عصر سقوط النظام السابق سوى تمرين صغير أمام ما حصل من نهب وتحايل، مقابل تدهور  في الخدمات وغياب أي تحسن ملموس بشروط الحياة.

أحد مظاهر الفساد الفاقعة التي تدلل على عبقرية من نوع خاص لأصحابها: في تجوالي اليومي ببغداد، كانت ظاهرة المشاريع المهملة في كل مكان: ها هو سور لأرض مخصصة لبناء مدرسة كبيرة، لكن المقاول بعد حصوله على نسبة الـ 20% من الأجر وإشراكه المسؤولين فيه، ترك المشروع بعد البدء به قليلا واختفى عن الأنظار.

يقول لي أحد الأقارب: في بغداد ليس هناك سجن حقيقي للمجرم. كل شيء يمكن حله بالمال.

وكم ينطبق ذلك على عمل بعض الوزارات الخدمية. فالوزير المعين حديثا يجلب معه طاقمه الكبير المكون من أبناء عائلته وعشيرته وبلدته إلى الوزارة ليحتلوا المناصب العليا والصغرى فيها، بالمقابل يقوم بإقصاء الموظفين القدامى إلى وزارات أخرى. ومع جهازه الجديد غير المحترف يتحول الوزير تدريجيا إلى مقاول، يعمل لصالح نفسه وصالح من جلبهم إلى الوزارة.

لذلك تصبح مراجعة المواطن لأي قضية مهما كانت صغيرة عذابا لا يحله إلا دفع رشوة عبر شبكات شديدة التنظيم والفاعلية. من تجارب بعض الأصدقاء، أصبحت الرشوة لا لتسهيل إنجاز قضية مثل تجديد جواز السفر، بل لإزالة العراقيل عن طريق إنجازها. فبدلا من قضاء أشهر وأنت تدور بين موظفين لا يرونك سوى كرة قدم يمررونها بين أرجلهم دون أن يوصلوك إلى الهدف، يمكنك الحصول على مرامك بيوم واحد مقابل أجر يدفع بالدولارات فقط!

 

 

(4)

ما الذي تركت تلك اللعبة اليومية مع الموت في نفوس أهالي بغداد؟ فلا أحد ممن التقيتهم لم يحدثني عن مروره بعربة مفخخة قبل أوبعد تفجيرها بدقيقة، عن سقوط قذيفة على بعد أمتار من بيته، عن مشاهدته مقتل مدني ما على بعد أمتار منه وكان ممكنا أن يكون هو الضحية لا الآخر سيئ الحظ. كأن الخطر الذي ظل يواجهه ابن بغداد قد تحول من شكل إلى آخر: من أن يكون خارجيا قادما في هيئة صاروخ أو قذيفة منتقلة عبر الفضاء، إلى داخلي يأتي في لحظة انعدام أي استعداد للاختباء منه. الفرق ما بين حملة القوات الأميركية وحلفائها: “الصدمة والروع” في أواخر آذار وأوائل نيسان 2003، وما تلاها من فظائع خلال عامي 2006 و2007، أن الأولى كانت متأتية من طرف أجنبي وإمكانية تجنب الموت قائمة بالاختباء تحت طاولة أو الدخول إلى ملجأ ما، أما مع الثانية فكان الخطر داخليا: قد يأتي من جيرانك أو من شخص عابر لا يثير مظهره أي شك.

كأن هذه الصدمات التي تراكمت دقيقة بعد دقيقة، ساعة بعد ساعة، يوما بعد يوم، قد حولت ابن بغداد إلى شخص قدري بامتياز، أو بصيغة أدق إلى “قتيل محتمل”، كأنه قد سلم بحقيقة أنه قد مات منذ سنوات بفعل تفجير مر به أو طلقة غادرة أطلقها عليه أحد السفاحين المنتشرين في نقاط التفتيش الطائفية. إنه الآن حر من الخوف.

كان الوقت قد تجاوز الساعة الواحدة صباحا في بيت أختي، وفاء، حينما نهض ابنها البكر، نوار، ليلم عائلته الصغيرة على عجل، كي يعود بهم إلى بيته في الكاظمية. كان طفلاه أحمد وعلي على وشك النوم وعلى تقاسيم وجه زوجته الحامل في شهرها الثامن، سما، بدت آثار تعب اليوم. كان عليه أن يسوق لأكثر من ثمانين كيلومترا، في طرق مظلمة شبه فارغة، في مدينة لم يرفع عنها حظر التجول ليلا إلا قبل اشهر قليلة. وكأني تحت صدمة عدم التصديق صحت به: “لماذا لا تبيتون هنا وتخرجون صباحا”. أجاب نوار بنبرة حازمة: “الطرق ستكون مزدحمة في الصباح”. وللتقليل من  مشاعر القلق التي انعكست على وجهي أضاف: “الطرق آمنة وكل شيء تمام”. ما أدهشني لا مبالاة أختي وزوجها، وكأنهما مستغربان من خوفي “غير المبرر”.”طيب، حال وصولكم اتصل بنا هاتفيا”. وهذا ما فعل.

لكن هذه القدرية عبرت عن نفسها في اليوم الثاني بشكل مأساوي، حين قُتل أحد الأقارب البعيدين في منطقة سكناه السابقة، لقد شاءت المصادفة أن يطلب الزبون من السائق الشاب إيصاله إلى منطقة سكناه السابقة بعد منتصف الليل. وتحت هذا الشعور القدري العميق بأنه مجرد “قتيل محتمل” وافق على أخذه إليها، على الرغم من مقتل أبيه فيها واضطرارهم على أثر ذلك إلى مغادرتها.

لعل هذا الشعور العميق المتفشي بين سكان بغداد وراء الاندماج الكامل بالمسرات اليومية الصغيرة. ففي كل مساء خميس يمكنك أن تشاهد تلك السيارات الفارهة المزينة بأجمل الورود والأشرطة الملونة  الزاهية، وهي تقل العرسان إلى أرقى فنادق العاصمة، مرفوقة بموسيقى صاخبة وأهازيج الأقارب والأصدقاء، وفي المطاعم والمقاهي يندمج الأصدقاء والأقرباء في لقاءات حميمة مرحة وكأنهم يلتقون ببعضهم البعض للمرة الأولى، وإذا بلغهم خبر وقوع انفجار قريب عن مكانهم بمائة متر، فإنهم سيستقبلونه وكأنه وقع في كابول أو كراتشي.

هل هي المدينة التي تفرض قواعد لعبها على سكانها أم العكس؟ في بيت ابن الخالة، محمود، تدور الحياة بإيقاع منتظم، بنتاه المراهقتان مريم وماريا شديدتا الحرص على التفوق في مدرستيهما، وامهما المعلمة فيحاء حريصة على نظافة البيت وترتيبه وإعداد الوجبات الثلاث في أوقاتها. ما أدهشني كثيرا هو حرص محمود على أناقته، فقبل خروجه من البيت، يلمِّع حذاءه ويكوي قميصه وربطة عنقه المناسبة ويرتدي بدلة لونها يتوافق مع القميص والربطة والحذاء. كل من في البيت حريص على الوصول إلى مكان عمله أو دراسته باكرا. ولتحقيق ذلك، اشترك محمود مع عدد من الجيران في استئجار سيارة أجرة تنقل بنتيه إلى مدرستيهما. كذلك فإنه اشترك مع عدد كبير من الجيران في شراء  مولدة كهرباء تعمل بالتناوب مع الكهرباء الحكومية التي يطلق عليها بـ “الوطنية”.

لم يكن سهلا علي القبول بهذه الاندفاعة القدرية في الحياة اليومية التي يتمتع بها البغداديون، فأن يعيش المرء كل حياته تحت سلطة القانون والنظام، يصبح الموت احتمالا ضئيلا جدا شبيها بالفوز بجائزة اليانصيب الأولى. كان النوم ليلا في غرفة الضيوف المجاورة للسور الخارجي، ببيت محمود، مبعث قلق داخلي بالنسبة إلي، إذ أيقظ في اللاشعور تلك الاسئلة التي كف أهالي بغداد منذ سنوات عن إثارتها: ماذا يمنع أي حفنة من اللصوص القفز فوق هذا السور وكسر الباب الزجاجي الفاصل بيني وبين الخارج؟ في هذه المدينة التي شهدت خلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة كل أنواع الفظائع، هل تمكنت الذاكرة الجمعية التي ربطت أبناءها باواصر القرابة والصداقة والجيرة الطويلة أن تطوي الاختلافات الدينية والطائفية والاثنية جانبا؟

ويبدو كأن بغداد قد وضعت وراءها كل تلك الفظائع التي تفشت فيها كالاوبئة منذ عام 2003، مثل عمليات الخطف الهادفة لابتزاز أهالي المختطفين والقتل على الهوية الطائفية، لكنها وقفت عاجزة أمام تفجير السيارات المفخخة عن بعد أو استيلاء الميلشيات على أملاك الدولة من بساتين وأراض زراعية وجرفها ثم يناء دور عشوائية عليها لانصارها، أو عدم إعادة المهجرين إلى بيوتهم الأصلية.

 

(5)

ها أنذا على وشك مغادرة بيت اختي وفاء للتوجه الى المطار. مضت أيام العطلة سراعا التقيت خلالها اصدقاء الثانوية المقربين الذين بدأت معهم أولى خطواتي في مغامرة القراءة والكتابة. بدت عيناي وكأنهما ترفضان قبول التغيرات التي طرأت على وجوههم، لكن الاذنين ساعدتاني على اعادة ذلك الخيط الخفي الذي يربط ذاكرتي بهم. كأن الاربعين سنة الفاصلة بيني وبينهم قد تقلصت إلى لحظة إغماض العينين. ها أنذا مندمج بذبذبات أصواتهم التي لم تتغير قيد أنملة. ما زال الماضي حقيقيا وقائما بوجود هؤلاء الأصدقاء، أبحث بينهم عن مصائر الزملاء الآخرين، فتأتيني أخبارهم مقتضبة: بعضهم قُتِل خلال الحرب العراقية الإيرانية وآخرون قتلوا على يد مجهولين قبل سنتين أو ثلاث، وغيرهم غادر البلد وانقطعت أخباره كحالي.

في الطريق إلى المطار أخبرني السائق أبو أحمد عن وقوع تفجيرين في منطقة البياع الشعبية صباحا، “هل من ضحايا؟” سألته. وكأنه استغرب من سؤالي: “طبعاً. دائما هناك ضحايا.” تذكرت التفجير الآخر الذي وقع قبل يومين بجانب فندق بابل، وكان ضحيته عددا من باعة السمك المشوي وزبائنهم. وشاءت المصادفة أنني مررت به بعد ساعتين من وقوع الاعتداء فلم ار أي أثر له. كل شيء كان في مكانه، نظيفا ومرتبا كأن شيئا لم يقع. لقد طورت بغداد أفضل خدمات دفن في العالم. فحال فقدان الأسرة واحدا من أفرادها، تتصل بمتعهد ما ليأتي مباشرة ويقوم بالإجراءات كاملة وبزمن قياسي. لعل ذلك، يجعل الأسرة المثكولة قادرة على تجاوز فجيعة الفقدان واحزانها بسرعة والعودة إلى إيقاع حياتها، ولعل ذلك ما يجعل أهالي بغداد يعيشون الزمن كلحطات منفصلة، لا رابط بينها. ولعل ذلك ما أرادت اختي وفاء أن تصفه حينما قالت إنهم لم يشعروا بمرور 12 سنة على آخر لقاء لي بهم. ولعل هذا هو الفرق ما بين وجود قانون ونظام في ظل دولة ظالمة وعدم وجودهما في ظل الفوضى.

قال لي بعض الأقارب حينما قرأوا علائم الدهشة على عيني وأنا أراقب تلك الجدران. هذه قليلة مقارنة بما كان قبل أشهر قليلة، قبل وصول حيدر العبادي إلى سدة الحكم، فهو الذي أمر بإزالتها وهو الذي رفع حظر التجول الليلي، وما أراه الآن هو فقط لحماية صفوف البيوت الممتدة على الشوارع العامة من السيارات المفخخة والهجمات الانتحارية. كأن لهذه الجدران العازلة صدى في نفوس سكان بغداد: هناك جدران غير مرئية اخرى تنمو في دواخلهم. اعتذر صديق الثانوية، طالب، عن عدم الاتصال بعائلتي خلال سنوات رحيلي عازيا ذلك للجدران الافتراضية التي كان يبنيها النظام السابق بين الناس عبر رجال مخابراته وامنه السريين. أما اليوم فالجدران أصبحت حقيقة واقعة وسببها الخوف من الآخر، الآخر المستعد أن يقتل نفسه إذا ضمن قتلك أيضا. مرض السرطان يحل في الجسم الحي حين تتمرد الخلايا على النظام المتحكم في نشاطاتها، فتأخذ بالتكاثر خارج حدود النظام مدمرة في طريقها كل أعضاء واجهزة الجسم.

واذا اعتبرنا المدينة جسما حياً، فإن بغداد تبدو اليوم في طور التعافي: الناس تعيش حياتها بالكامل، الطرق مملوءة بالسيارات، الأرصفة  تضج بالسابلة والباعة المتجولين، ووسط هذه الحشود لا أحد يسأل إن كان الذي يمشي أمامك أو خلفك من ملتك أو دينك أو قوميتك. الكل هنا خلايا تمنحها بغداد الحياة وتمنح هي بغداد الحياة.

وكم يطغى هذا الشعور في النفس عند الذهاب صباح كل جمعة إلى شارع المتنبي. هناك في هذا الطريق الذي لا يتجاوز طوله 300 متر، تحتل الكتب الجديدة والمستعملة الارصفة بشكل لا مثيل له. وما يثير الاستغراب أن أغلبها كتب ثقافية ذات صلة بالحداثة ومناهجها. كذلك يجد الزائر على امتداد هذا الشارع دور نشر وتوزيع ومكتبات وقاعات مخصصة لنشاطات ثقافية. هناك عند استدارتك يسارا في اول منعطف ستكتشف وجود فناء واسع مسقوف وحوله واجهات زجاجية لدور نشر ومكتبات، وفي وسطه انتشرت كراسي تعود إلى كشكين أو ثلاثة  يقدم اصحابها الشاي للجالسين بأسعار زهيدة. هنا في هذه الزاوية يلتقي الأصدقاء كل جمعة، وفي هذا الشارع يتنفس المثقفون الصعداء ويتطهرون من كل السموم والتوترات التي تفرزها مدينة هي نفسها في طور التشافي.

بين بيت أختي وفاء والمطار مسافة قصيرة، وعلى الطريق لم تصادفنا أي من نقاط السيطرة الثابتة، التي يدقق جنودها في أوراق السائقين. في بغداد انتشرت هذه النقاط على الطرق الخارجية وعند مداخل الأحياء الشعبية الكبيرة. وهذا ما يجعل الدخول إليها أو الخروج منها عبر ممر واحد فقط. قد ينتابك احساس أنك في مدينة مصابة بوباء معدٍ، وأن نقاط السيطرة هذه هي للتوثق من أن الراكبين والسائقين محصنون ضد المرض. في لحظات ذكرتني نقاط السيطرة تلك بمدن أفلام الخيال العلمي حين تهبط كائنات فضائية خطرة فيها.

أوصلني السائق أبو أحمد إلى ساحة عباس ابن فرناس، ومن هناك كان علي أن استقل عربة أجرة مع آخرين إلى المطار. إنه إجراء احترازي لتجنب وقوع تفجيرات في النقطة الرابطة بين بغداد والعالم الخارجي. وفي الطريق القصير الموصل بالمطار أوقفت نقطة سيطرة السيارة، حيث جرى تفتيش الركاب وحقائبهم تفتيشا دقيقا. وقبل الدخول إلى المطار، جرى تفتيش دقيق آخر للحقائب والمسافرين شاركت فيه كلاب متخصصة وأجهزة تدقيق اشعاعية وجنود مدربون. وبعد الدخول إلى قاعة المطار تفتيش آخر، ثم بعد تسليم الحقائب، تفتيش دقيق آخر، وقبل الصعود بالطائرة تفتيش دقيق آخر!

من الجو بدت بغداد أزرارا رمادية اللون موزعة على رقعة خشبية شاسعة. وهناك في وسطها يكمن لب تاريخها: ظلت المدينة التي امر الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ببنائها عام 762 ميلادية تتقلب بين عز باذخ وذل شديد. هناك في تلك البقعة ازدهرت محلات الوراقين التي تعادل اليوم دور النشر، وفي طرقاتها مشى الجاحظ وأبو نؤاس وابو تمام وابو حيان التوحيدي والغزالي والفأرابي والخوارزمي وآلاف الكتاب والشعراء والعلماء القادمين إلى “دار السلام” لطلب العلم او التعليم أو كلاهما. وفي هذه المدينة قُتل مئات الآلاف من أبنائها خلال أيام قليلة ورميت آلاف الكتب إلى نهر دجلة حين دخلها المغول عام 1258. هذه المدينة التي ظلت تنبعث من تحت الركام مثل طائر العنقاء كلما اجتاحها وباء جائح أو غازٍ سفاح. إذ بعد انطفاء علائم الحياة فيها سنوات أو عقودا تتسرب في عروقها قطرة قطرة مرة أخرى لتنهض من كبوتها.

بين اللامعنى والمعنى، بين اليأس المطبق والأمل الساطع، تظل بغداد تقلب أوراق لعبها فتمنح لأبنائها بيدها اليمنى عكس ما تمنحهم بيدها اليسرى. ولعل هذه اللعبة ذات النهاية المفتوحة على كل الاحتمالات ما يجعلها مدينة مختلفة عن كل مدن العالم.

 

لؤي عبد الإله

لندن 15 تموز 2015

شاهد أيضاً

رواية موت صغير: سيمفونية معزوفة على ربابة

تستند هذه الرواية إلى سيرة ابن عربي كما تخيلها ونقلها لنا المؤلف محمد حسن علوان، …